أقلام حرة

رانيا مصطفى تكتب: متى تتوقف إعدامات مصر؟!

Latest posts by رانيا مصطفى (see all)

أيدت محكمة النقض، الإثنين الرابع عشر من شهر يونيو (حزيران)، إعدام 12 متهمًا وتخفيف العقوبة لـ31 آخرين من إعدام إلى مؤبد في قضية «فض رابعة».

استطاع زعيم الانقلاب العسكري في مصر السيطرة على السلطة القضائية بحيث صارت وزارة العدل في عهده ما هي إلا ماكينة تفصيل قوانين تلائم أهواءه واستثماراته في مقدرات البلاد؛ ما مكنه من التصريح بكل ثقة عن خلو سجونه التي تزيد على 70 سجنًا، علاوة على 382 مقر احتجاز من المعتقلين السياسيين بعد أن لفق لهم قضايا جنائية.

على خطى رئيسه، وفي يوم إصدار الأحكام نفسه، صرح سامح شكري وزير خارجية الانقلاب في لقاء خاص على قناة «الجزيرة» أن الواقع مغاير لما يجري ترويجه عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر وأنهم يتعاملون بشفافية في هذا الملف، وأنه ليس هناك اعتقالات سياسية في مصر.

استطاع النظام أن يروج لنفسه عالميًّا بوصفه منقذًا لمصر من السقوط في بئر الإسلاميين وأن يعزف على أوتار تستعذب صوتها بعض الحكومات التي كانت يمكن أن تحشر عصا غليظة تعرقل تقدم عجلته الانقلابية.

برغم توافر البراهين على أن ما فعله الانقلاب العسكري أثناء فض رابعة والنهضة يصنف جريمة حرب، وبرغم أن أحداث هذا اليوم عرضت بالصوت والصورة، قبل العالم اتهام الجماعة الثورية المصرية ورأس حربتها الإخوان بالإرهاب فقط ليتخلصوا من رئيس خرج من بين أضلع الشعب، لا يمثل مصالح دول قبلت خائنًا واستقبلته على سجادها الأحمر لأنه سيمنحها ما قد يمنعها منه الرئيس المنتخب الشرعي.

إن مناشدة منظمة العفو الدولية السلطات المصرية بإعادة محاكمة المدانين بقضية فض اعتصام رابعة بشكل عادل ونزيه ودون اللجوء لعقوبة الإعدام في نظري يعد تأييدًا لاتهام النظام المنقلب لهم بالإرهاب، بل تصديقًا لقرار عقابهم كمجرمين! كيف يعقل أن تطالب المنظمة نظامًا أتى على ظهر دبابة وأراق شلال دم أن يكون عادلًا نزيها؟! إن هذا العالم يدفع كل من بقي لديه أطلال عقل إلى الجنون.

حتى الدول التي كانت تناصر الثورة المصرية بل كانت تحمل شعلة استمراريتها، تراجعت في ضوء تحريك قطع لعبة السياسة على لوحة شطرنج المنطقة، فحولت مصطلح «الثورات» في بلدان الربيع العربي إلى «حرب أهلية»، ومصطلح «الثوار» إلى «معارضين»، بل إنها أصبحت تبعث للمنقلب برسائل تأمل فيها طي صفحة الماضي وتكثيف التعاون الثنائي.

اعتنى النظام بتلويث تاريخ الشخصيات التي ثارت ضد انقلابه أو عارضته فاتهمها بتأسيس جماعة إرهابية أو بالانتماء إلى أفكار داعشية ليقطع بذلك الطريق على أي تعاطف قد يتسلل إلى قلوب من قد يسمع بما يحدث لهم من تنكيل، سواء على المستوى الشعبي الداخلي، أو على المستوى العالمي الخارجي.

يرسم المنقلبون صورة بشعة لكل مشارك في ثورة يناير وبالأخص لقيادات جماعة الاخوان المسلمين وكأن الأخيرين هبطوا على سطح مصر من كوكب آخر، أو أنهم مصاصو دماء خرجوا من الكهوف ليفتكوا بالبشرية، إن كل اسم صدر في حقه حكم له تاريخ وسيرة طيبة، ووضع اجتماعي ومهني، وأثر تركه بين الناس، وهكذا فإن شهادة العامة تدحض تلك التصورات التي يبثها إعلامي النظام في مسلسلاته وأفلامه التي رصد لإنتاجها ميزانيات ضخمة.

من بين المؤيد لهم الإعدام:

محمد البلتاجي 58 عامًا، هو أحد قيادات الإخوان المسلمين؛ حاصل على درجة الدكتوراه، عين مدرسًا بقسم الأنف والأذن والحنجرة بكلية الطب، شارك في لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء، عمل مديرًا لأحد فروع النشاط الطبي الخيري، شارك في سفينة الحرية لرفع الحصار عن غزة.

فاز باكتساح بعضوية مجلس الشعب 2005، دافع عن استقلال القضاء، وحرية الصحافة، رفض الحبس في قضايا النشر، وتمديد حالة الطوارئ، والتعديلات الدستورية الجائرة في 2007، والمحاكمات العسكرية للمدنيين، دافع عن حقوق التعبير والتظاهر السلمي. شارك في تأسيس الحملة المصرية ضد التوريث 2009، مثَّل الإخوان المسلمين في الجمعية الوطنية للتغيير وترشح لانتخابات مجلس الشعب 2010 التي شهدت وقائع تزوير فاضح؛ ساهم في إنشاء البرلمان الشعبي، شارك في ثورة 25 يناير، واختير بمجلس أمناء الثورة؛ شارك في تأسيس حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لحركة الإخوان المسلمين، واختير أمينًا عامًّا له، فاز بانتخابات البرلمان المصري 2011.

أمرت النيابة العامة في 29 أغسطس (آب) 2013 باعتقاله لمشاركته في اعتصام رابعة العدوية، له فيديو شهير قام النظام باجتزاء حواره فيه وأظهره كمن يربط بين توقف الاحتجاجات وعودة الرئيس محمد مرسي؛ بلغ عدد الأحكام الصادرة بحقه 170 سنة سجنًا، وإعدامًا في 12 قضية؛ اتهم قيادات النظام المصري بقتل ابنته أسماء خلال فض اعتصام رابعة؛ اعتقل ابنه أنس ذو الـ19 عامًا في سجن انفرادي ولم يخرج منذ عام 2013، ممنوع من الزيارات والتريض ومن استكمال دراسته باتهامات ليس عليها دليل.

صفوت حجازي 58 عامًا، هو إمام لأحد مساجد القاهرة، ومقدم لحلقات دعوية في القنوات الفضائية؛ كان الأمين العام لائتلاف مجلس أمناء ثورة 25 يناير، كان أحد مرشحي انتخابات الرئاسة2012، إلا أن الجماعة الإسلامية سحبت دعمها له في آخر لحظة؛ شارك في اعتصام رابعة، وألقي القبض عليه في 21 أغسطس 2013.

عبد الرحمن البر: حاصل على دكتوراه في الحديث وعلومه مع مرتبة الشرف الأولى، عمل أستاذًا بتخصصه، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، له اثنان وعشرون مؤلفًا في علوم الشريعة الإسلامية. ألقى الأمن القبض على ابنه محمد وخمسة من أصدقائه الطلبة في كلية الطب واعتقلت ابنته عائشة أثناء زيارة أخيها.

أسامة ياسين: 57 عامًا، حاصل على درجة الدكتوراه في طب الأطفال، كان أمينًا عامًّا مساعدًا لحزب الحرية والعدالة، والمنسق الميداني للإخوان خلال فعاليات الثورة المصرية، وكان رئيسًا للجنة الشباب بالبرلمان 2012؛ عمل وزيرًا للشباب في حكومة الدكتور قنديل في عهد الرئيس محمد مرسي، ألقي القبض عليه في 26 أغسطس 2013.

أحمد عارف: أخصائي طب الفم والأسنان، وأمين مساعد النقابة الأسبق، والمتحدث الإعلامي باسم جماعة الإخوان المسلمين؛ معتقل منذ 22 أغسطس 2013، وحبيس زنزانة انفرادية بسجن العقرب سيئ السمعة.

محمد الزناتي: طبيب استشاري جراحة عامة ومناظير، اعتقل من مقر عمله في 2013، قُتل ابنه الطالب بكلية الهندسة يوم فض رابعة.

لم أعد أطالب بأي شيء من أي جهة، فالجهات المعنية ربما لديها من الحقائق أكثر مما بين يدي، يتوقف الأمر على رغبتها في اتخاذ موقف شريف من عدمها. أكتب عن المظلومين والمعذبين وأنا لم أنتمِ يومًا لجماعة أو توجه سياسي، أخاطب كل ذي شعور في هذا العالم آملة أن يتلقى ندائي وأن يصرخ بدوره في أذن الإنسانية، ربما يسمعنا من ما زال لديه بقية من ضمير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى