آراءأقلام حرة

راضى شرارة يكتب: المال الخيري.. وإعادة البناء (2)

تكلمنا في المقال السابق عن أهمية المال الخيري، وعظم شأنه، وكيفية استفادة الآخر (العالم الغربي) من ذلك،

وفقرنا الشديد في عملية الترشيد وكيفية الاستهلاك،

والمال الخيري في بلادنا، مهمته هو إطفاء حرائق أعدائنا في بلادنا،

فكم من الأموال تنفق، على إزالة الآثار التي نتجت عن جرائم العدوان على شعوبنا باسم الدفاع عن الإنسانية ومحاربة الإرهاب و التطرف،

وكم من الأموال تنفق على حروب وهمية خطط لها أن تكون هكذا حتى يتم استنزاف أموالنا، ولا عزاء لشعوبنا،

أن حاجتنا لإعادة توجيه المال الخيري أصبحت ضرورة ملحة، للحفاظ على الأمة، وإعادة البناء فيها،

وذلك لتقدم العالم وتخلفنا، واتحادهم وتفرقنا،

وغالبا ما يتم إنفاق المال على أسس غير علميه، وقرارات غير مدروسة، ويتحكم في ذلك تغلب العاطفة، وعظم الحدث، ومحاولة أن نساير سرعة الإعلام في النوازل،

لذلك نجد أن المعايير الموروثة لدينا تحمل في داخلها شح المعرفة في التصرف، لما وصل إليه العالم من حسن التدبير،

أن العالم من حولنا استطاع أن يستثمر المال في الإنسان أفضل استثمار، وتمكن من بناء كم من العقول للحفاظ على وجوده والحفاظ على مكتساباته وتراثه،

فأنتجت أجيالًا، تمتلك التفكير السليم، وتواكب إنجازات الحضارة،

بل وأصبحت الدول التي بلا موارد طبيعية،

تصدر منتجاتها وخدماتها للعالم، وذلك بفضل مواردها البشرية والتنمية في الإنسان، واستثمار العقول،

ملحوظة؛

(إن مشاريع الاستثمار في الإنسان هي  مشروعات دول)

فكيف للمال الخيري الذي هو للأفراد والمؤسسات أن يساهم في ذلك؟

الاستثمار في الإنسان له مراحل كثير تبدأ من تعليمه وهو طفل و اختيار البيئة الصالحة، وتوفير الإمكانيات المادية،

والقطاع الخيري هذا هو مجال عمله،

وبما يملك من إمكانيات مالية وقرارات سهلة غير مركزية، ومن المعلوم أن القرارات الحكومية غالبا ما تكون عقيمة،  وتقف مكتوفة الأيدي أمام الجديد،  بل هي قاتلة للإبداع،

لازالت المنطقة العربية فقيرة جدا في هذا المجال وهنالك محاولات ضئيلة جدا من بعض الدول فى مجال  الاستثمار في الإنسان، ولعلها تطور من نفسها،

لكن يجب وضع خطة طموحة مستقبلية في ذلك،

إن إعادة التفكير في فرص الاستثمار الصحيح للمال الخيري (وتحقيق التنمية المستدامة) فيه لأمر مهم،

يحتاج إلى مجموعة من المتخصصين في ذلك ،

نحن نحتاج إلى ضرورة تحقيق التنمية المستدامة

التي تساهم بمفهومها العام في ترشيد استهلاك المال الخيري

والاستفادة منه وترك ما يمكن منه النفع منه للأجيال القادمة،

الاستثمار في المال من أهم عوامل بقاءه وتنميته وتحقيق أكبر قدر من الاستفادة لإعادة البناء.

الوقف الإسلامي

لقد تطرقنا إلى الاستفادة من المال الخيري، وتحقيق أفضل الاستثمارات لصالح الأمة، مع الأخذ في الاعتبار أن النظام الإسلامي في الوقف الخيري قد سبق الأمم في ذلك،

والوقف الإسلامي، هو صورة حقيقية من صور التنمية المستدامة التي نبحث عنها في الاستغلال الأمثل للمال الخيري

فماذا يعنى الوقف في الإسلام؟

كلمة الوقف لغوياً تعني:  الحبس والمنع،

واصطلاحا تعني: حبس الممتلكات ومنع امتلاكها لأي جهة معيّنة للاستفادة منها وتوزيعها للمحتاجين والتصرّف فيها بشكل جيّد، وهذا الوقف له مجالات متعدّدة كالعقارات والمزارع وغيرها من الوقف،

وأما الطعام والمعونات التي تفسد فلا تصح وقفا،

إنما هي صدقة لأنّ الصدقة تنتهي مع انتهاء استخدامها والوقف يبقى إلى أجل بعيد.

وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة،

والمراد بالمنفعة : الغلة الناتجة عن ذلك الأصل كالثمرة والأجرة وسكنى الدار ونحوها.

والوقف قربة إلى الله ، ففي الصحيحين أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله ! إني أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس عندي منه؛ فما تأمرني فيه؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث)، فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف.

وروى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له). وقال جابر: (لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف).

وقال القرطبي رحمه الله: (ولا خلاف بين الأئمة في تحبيس القناطر والمساجد خاصة واختلفوا في غير ذلك)

وقف مخيريق اليهودي

وكان اول الوقف فى غير المساجد،

هو وقف مخيريق اليهودي حين شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة احد وقد قتل في الغزوة وكان قد أوصى قومه بجعل ماله للنبي يتصرف فيه كما يشاء وهو عبارة عن بستان، (والقصة عليها مقال عند أهل الحديث)

ثم كان وقف سيدنا عثمان رضي الله عنه عندما اشترى بئر رومة وأوقفها على المسلمين،

ثم أرض خيبر التي حبس سيدنا عمر رضي الله عنه أصلها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وهى المشهورة في مسألة الوقف، لثبوت النص الصحيح في ذلك،

والوقف في الإسلام  له تفصيل كبير، وعنى الفقه الإسلامي به وهو مقسم ومفصل ومنه الوقف المتعلق بالعبادات مثل المساجد للصلاة ونفقات الحج، وغيرها

ومنه الوقف الخاص أو الأهلي وهو الوقف في الذرية(الأبناء) أو القبيلة،

ومنه الوقف الخيري الاجتماعي وهو يشمل كل وجوه البر المجتمعي من التعليم والصحة.. إلى غير ذلك،

ولا ننسي دور الوقف منذ نشأة الإسلام وحتى يومنا هذا فلا توجد حاضرة فتحها المسلمون إلا وبها أوقاف يستفيد منها المسلمون حتى الآن، ولك أن تتخيل حجم الأوقاف فى الأراضي الزراعية في تركيا تعادل ثلث الأرض،

وكانت بمصر أيام محمد على باشا فوق الربع من مساحة الأراضي المزروعة وقف،

وذاك كان بكل بلاد الإسلام بالشام والعراق وبلاد المغرب وبلاد خرسان،

وأوقاف المسلمين منتشرة بالعالم تؤدي دورها،

وخذ مثال: التعليم والصحة،

أثمر الوقف في التعليم منذ بداية الدولة الإسلامية، وكان من ثمرته المدارس والكتاتيب والمكتبات، ثم تحول الأمر إلى الجامعات ومازالت حاضره ثمرته، خذ من ذلك:

الجامعة المستنصرية وجامعة الأزهر الشريف وجامعة القرويين بالمغرب، وأنظر إلى ما قامت به الأميرة فاطمة إسماعيل بنت خديو مصر في إنشاء جامعة القاهرة،

والكثير من ذلك حين كانت للأوقاف شأن،

ولكن انظر ما حدث الآن وبعد ان توالت الأنظمة وضاعت الأوقاف،

لقد تقدم الغرب وتأخرنا،

(كل الجامعات الغربية العالمية وقفية)

ولكنها تدار بطريقة صحيحة، بعيده عن العبث،

وتحاول تركيا الآن ذلك فقد أنشأت أكثر من 90 جامعة وقفية من عام 1986 ميلادية وحتى الآن،

وتحاول بعض الدول العربية ذلك الآن ، لكن أمامها شوط كبير،

ولقد أخذ المجال الصحي من الأوقاف قسط كبير واهتمام عظيم لدى المحسنين،

لقد تم إنشاء المستشفيات الوقفية في القرن الأول الهجري،

فقد أنشأ الوليد بن عبد الملك أول مستشفى عام 88 هجرية

وتوالى الأمر بعد ذلك ففي الدولة العباسية أنشأ هارون الرشيد عام 193 هجرية مستشفى عظيم وكانت تسمى في ذلك العصر بالماستان والبيمارستان،

وأنشأ السلاطين الكثير من المستشفيات والحمامات العامة  واستمر الأمر في الحواضر الإسلامية بالوقف في هذه الصروح الكبيرة،

وأعطى المال الخيري في ذلك أكبر قدر من الاستفادة منه.

مقالات الكاتب راضى شرارة 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى