الأمة الثقافية

د. يحيى صالح دحامي يكتب: “روعة اللغة العربية”

كان الشعر العربي وما زال نهج ووسيلة رسمية لتسجيل أعمال العرب الرائعة والبديعة والعظيمة والسامية والمجيدة، الأبطال والأنساب القبلية الأصيلة المرتبطة والمتصلة بثناء واستحسان الأخلاق كانوا ومازالوا يقدّروا ويثمّنوا القيم الرفيعة المتعاهد عليها عند العرب مثل السخاء والضيافة والكرم المتجدد، والشجاعة، والبأس، وكما يصف براون في مقاله (The Social Con**** of Pre-Islamic Poetry: Poetic Imagery and Social Reality in the Mu’allaqat) فان الكرم والضيافة كانا دائمًا يظهران بشكل بارز في القيم البدوية العربية، وكانت هاتان الخصلتان تشكلان جانباً مهماً من المروءة والشهامة والنخوة والغيرة المتصلة بالرجولة،

 

علاوة على ذلك، يؤكد نيكولسون في كتابه (Literary History of the Arabs)، ويوضح انطباعه عن الشاعر العربي قائلاً إن ’فكرة الشعر كنوع من الأدب تطورت فيما بعد وقصده فيما بعد شعر عصر ما قبل الإسلام وخصوصاً شعر المعلقات حيث كان الشاعر العربي في فترة ما قبل الإسلام هو الرسول والمتحدث باسم قبيلته، وهو مرشدهم في السلام وبطلهم في الحرب، تاريخياً ، كانت القبيلة بكاملها راضية ومستبشرة عند الإعلان عن ولادة شاعر يحمل اسمها بل يرفعه إلى عنان السماء، فالشاعر العربي قديماً عند قبيلته هو حامي مواثيقها وهو الشادي لروعتها وعظمتها ومجدها، يؤكد ابن خلدون ، في مقدمته، أنه بالنسبة للعرب ، فإن الشعر هو الكيان الذي يتم فيه جمع الأعمال الرائعة، فالتاريخ والمعرفة في الشعر تتمثل، وهو كذلك يمثل نقطة الاستشهاد الرئيسية لتوافر الخبرة والمعرفة والإدراك والحصافة والحكمة.

مما لا شك فيه أن اللغة العربية غنية بالأمثال والأقوال المأثورة والنباهة في الألفاظ، والفطنة في القول، ومثل ذلك الحكمة والحصافة، على حد تعبير ابن خلدون في مقدمته (ترجمة Franz Rosenthal 1958)، الذي يوضح أن الشعر في اللغة العربية فائق الروعة في هيئته وفي تكوينه ومثل ذلك يمتلك قرائح قوية في طريقة القائه، ويستطرد ذكر أن الشعر العربي هو مثال واضح لنموذج “الفضيلة” العربية التي تدل على معنى المروءة،

وبطريقة مماثلة فنفس الفكرة تتماشى مع راي الناقد Gruendler الذي يشير إلى أن الشعر العربي الفصيح، كما هو في شعر شعراء المعلقات، هو القانون الأدبي الذي من خلاله ومن خلال الشواهد لدى علماء اللغة العربية وعلماء الأنساب، وغيرهم من الباحثين بَيّنوا وأثبتوا روعة الشعر العربي لدعم فرضياتهم وتوضيح أن الشعر العربي القديم “يعزز” كثير من القضايا الأدبية والحياتية، وبذلك فالشعر العربي يمثل كيان أساسي محوره اللغة العربية الفصحى والخالدة.

 


العرب واللغة العربية الشعرية

 


يمكن القول إن الرغبة في البناء الشعري لدى الشاعر العربي الأصيل تكمن في الشغف والولع باللغة العربية، وتجدر الإشارة إلى أن الشعر أنواع، لا يعد ولا يحصى حيث أنه بدأ نقلاً من فمٍ إلى أخرٍ ومن جيلٍ إلى جيلٍ، كان الشعر العربي ومازال ذو جذب كبير لقائليه ومتذوقيه حيث أن كل من يستمع إلى رفيع الشعر العربي يُعجبُ ويسرُ، أياً كان المستمع، من الأعيان أو من أدناهم، أغناهم أو أفقرهم، من ذلك ندرك أن الشعر في اللغة العربية مليء بالإطراب وهز مشاعر الوجدان من خلال اللغة ومصطلحاتها الفياضة والمتدفقة ومثل ذلك روعة اللفظ العربي بحركاتهِ المتعددةِ والجذابةِ، مع اعتماده الدائم والمستمر على الدلالات الصوتية بالإضافة إلى عمق معانيه فالشعر يلعبُ دوراً أساسياً في المجتمعِ العربي، وكثيراً ما يدعوا الشعراء العرب المعاصرون إلى أن الشعر له مواقف رئيسية في التحولات الناشئة في الثقافات والمجتمعات والحضارات.


يوضح نيكولسون، آنف الذكر أن الشعر كان في عصر ما قبل الإسلام هو الأداة والوسيلة الرئيسية والجوهرية ’للتعبير الأدبي‘، حيث كان لكل قبيلة شعرائها الذين ينطقون بحرية بما شعروا به وجال بخاطرهم، شعرهم كما هو معروف كان منطوقاً غير مكتوب وكان يجوب الصحاري والقفار والوديان أسرع من السهام، وكان الشعر يصل إلى البيوت ومنها إلى قلوب كل سامع وكما جرت عادات الشعراء كان الشعر العربي، ومثله الشعر الأصيل عالمياً، يدل دائما على الاصطلاح والتعبير الأدبي الجوهري للأمة العربية، منذ عصر ما قبل الإسلام، كانت اللقاءات عادة ما تجتمع في فترة ما قبل المساء من الظهيرة وتمتد إلى المساء في الخيمة حول الشاعر الذي يلفت ويجذب الانتباه بطروب شعره إلى حياة الناس وواقعهم المعاش، وكان يشدو بأبيات يدعو مستمعيه إلى الإصغاء والتمعن في الحياة ووصفها شعرا موضحاً الصفات والميزات التي يمتلكها الشعر العربي منذ نشأته.


إحدى جماليات الشعر العربي في الفخر بذات الفرد هي إدماج الفتى واعتباره رجل ناضج في مجتمعة، ومن الجماليات ايضاَ وصف الخيل العربي الذي ارتبط بفخر الإنسان بنفسه في السلم وعند النزال وارتباط ذلك بالولاء والكرم والجود في اطار مجتمع القبيلة فيما بينها وعلاقتها بالقبائل المجاورة الأخرى، بالإضافة إلى ذلك كانت ذكرى القبيلة ومناسباتها تتذكر من خلال شاعرها والناطق الرسمي باسمها والذي كان من أدواره الترويج لقبيلته مدحاً وتعظيماَ مثنياً على قبيلته بالمأثر الجليلة لأبطالها ومتفاخراً بالأحساب والأنساب، ومن جانب آخر كان الشاعر العربي في زمن الهداية النبوية ونور الإسلام كثيراً ما يربط فخره بقبيلته من جانب وهجومه على أعداء القبيلة من جانب اخر خصوصاً في الصراعات والمعارك الحربية التي كانت عادة ما تنشب بين القبائل لسبب أو لأخر، ومن خصائص وجماليات الشعر العربي قديماً وحديثا وجود مساحة واسعة للرثاء بأجمل الأقوال حزناً على أولئك الذين فقدوا أو داهمتهم المنية.


إن القصيدة العربية هي تكوين صادق وصافٍ ومتماسك وثابت، يجوز للقصيدة العربية أن يكون لها نفس القافية، قافية واحدة مهما امتدت بها الابيات وطال عددها من أجل إظهار القدرة والبلاغة الغامرة والمعرفة لدى الشاعر، وفي حالات أخرى نجد القصيدة متنوعة القافية لكي يستطيع الشاعر من خلالها خلق نوع من التعدد والتنوع في الإيقاعات والترنيمات والنغمات والتشكيلات التي تُظهر وتبين قدرة الشاعر وعظمة شعره وما يحتويه من قوة المعنى والمغزى والاثر لدى المستمع، بالإضافة إلى ذلك، فإننا ندرك بان تأليف القصيدة تكون متحدة ومتجانسة الوزن والإيقاع حيث أن الشاعر عليه أن يستمر في تحسينها وتهذيبها بعناية فائقة خلال كل مراحل تطوير القصيدة، والنتيجة بالطبع هي أن القراء والمستمعين يتوقعوا الكثير من الشعر الجذاب والفاتن، ومن المعلوم للمتابع أن تصوير المجتمع العربي والصحارى والحياة البرية لها جاذبية معينة ولها خصوصية على نحو مماثل عندما ينتقل الشاعر من مقطع إلى آخر ومن صورة إلى أخرى من بداية القصيدة إلى نهايتها بحيث يستخدم الشاعر سياق متجانس من التعابير والعبارات المختلفة ذات الدلالة العميقة التي تخلق أنواع من الإثارة لدى المتلق.


’الشعر ديوان العرب‘ هذا المثل المعروف والمشهور لدى كل عربي يعطي أهمية كبرى للشاعر العربي من حيث المكانة المجتمعية والأدبية، فالشعر العربي الفصيح ذو المغزى يرتبط بكل نواحي الحياة للمجتمع أو القبيلة كما ذكرنا سابقا، ويعرف المهتمون حديثا أن الديون هو مجموعة القصائد المؤلفة لشاعر معين ويعتبر الديون أساساً مهماً للتحقيق والمراجعة والتدقيق بدراسات متعددة ومتنوعة حول الشعر على وجه الخصوص وحول الأدب العربي في العموم، مع إدراك أن الشعر هو قلب الأدب العربي وهو كيان لا غنى عنه من أجل سبر غور أعماق الشاعر وفهم المهمة التي يهدف إليها شعره ويتبع طريقة متشابهة من القدم وما زالت سارية حتى اليوم.


لا يختلف اثنان على أن الشعر العربي هو سجل مدون يعبر عن روعة وحياة الشعب اليومية وهو كذلك مصدر محوري للتمييز بين الروح والمبادئ والمثل والعادات والحياة اليومية، فالشعر ديوان العرب بمَفهومَيه الحسي والمعنوي، الحسي يشير إلى المكان أو المجمع الذي يجتمع فيه كيانات من الناس لمناقشة وتداول موضوع ما ومن ذلك مواضيع في الشعر والأدب، والمعنوي المجرد والذي يشير إلى مجموعة القصائد لشاعر بذاته محفوظة في سجل باسمه، من ذلك يدرك كل من له اهتمام بالشعر أنه سجل وأرشيف قصص الحياة العربية وطموحاتها وذكر مآثرها وحروبها كما كانت في العصور القديمة وإنها لا تزال موجودة بشكل منظوم ومتناسق ومتقن في حياة العربي وفي وفكره، ومازال الشعراء وناقدوا الشعر ومتذوقوه يتشرفون بأنهم جزء أساسي في إطار ما يسمى بالعقل العربي.


الشعر العربي بما يمتاز من المشاعر المحركة والمتحركة في القلب والعقل بشكل دائم وبما يتوالد من فعل ورد فعل والاحاسيس المتعددة فهو ينبري ويتصدى شامخا لأي هجوم يقل من قدرهِ ومكانته السامية بين العرب من خلال روعة القول المصاحب لروعة الوزن الشعري وسلاسته ومرونة لغته العربية، يمكن القول ببساطة أن من عوامل ذلك تضمين الشعر لخصائص الإيقاع المتناغم مع جزالة المعنى وعمق مداركه، فالشعر يستقطب مقاطع من الحياة من خلال رحلة أو رحلات يتم استحضارها وإبرازها إلى النور مستوحيا من خلال ذلك الموروث الحضاري للامة، آراء كهذه تدعو القراء والنقاد للتفكير إعجاباً بالشعر في العالم العربي القديم والحديث.


ويستمر الشاعر العربي بلغته العربية البديعة والرائعة في الإشارة إلى كونه واحداً من صناع الكلمة الحقيقيين والقلائل المجيدي للتعبير في قصائده التي تعتبر بلا شك ثروة تنقل من خلالها الأفكار والمشاعر وجعل الشعر أداة يتواصل الناس من خلاله، فالشاعر أعتبره القدماء الفنان الذي يرسم اجمل الصور الواقعية والحياتية، وهو ايضاً رسول القبيلة الذي ينطق بلسانها، والشاعر ايضاً هو الذي يمنح القوة والهيبة لقومه من خلال شعره، إنه الشخص الذي يتصور ويصور دلالات ومغازي جديدة، وهو الموجد والمبتكر لعلاقات وروابط حسية قد لا يدركها، أحد هؤلاء الشعراء العرب العظماء الذين تركوا آثاراً لا تُنسى وأسهموا إلى حد كبير في الشعر العربي بلغة عربية أصيلة هو “عروة بن الورد العبسي”.

—————–

المصدر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى