آراءمقالات

واقعة للتأمل

د. ياسر عبد التواب
Latest posts by د. ياسر عبد التواب (see all)

واقعة للتأمل

أبو بصير الصحابي الجليل رائد التفكير خارج الصندوق

قصته فريدة وقدرته على التفاعل الإيجابي مع وقائع الأرض المفاجئة وإيجاد حل دون طلب من أحد ثم تنفيذه بدقة ونجاح حتى غير معادلة الأحداث لصالحه

فقد قدم المدينة مهاجرا بعد صلح الحديبية والذي كان من شروطه أن يعاد إلى مكة من جاء إلى المدينة مسلما

وقد أرسلت قريش في إثره اثنان يذكران رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الشرط ويطلبان إرساله معهما

ويضطر أبو بصير للرضوخ إذ طلب منه رسولنا أن يفعل احتراما للاتفاق وتغليبا للمصلحة ووعدا بأن الله تعالى جاعل له ولمن على مثل حاله فرجا ومخرجا

وكم  هو شاق على رسولنا المجبول على الرحمة والمهتم بشؤون المسلمين أن يسلمه

وكم هو قاس على المسلمين الذين رباهم على الأخوة وأن المسلم لا يظلم أخاه ولا يسلمه أن يروا ذلك ولا يؤسيهم

ومع ذلك التزم الجميع واحترموا ما قطعوه على أنفسهم من معاهدة وصلح

فيعود أبو بصير  معهما ثم يفلح في قتل احدهما وفي إرعاب الآخر وفراره

ثم يعود إلى المدينة ظانا أن ذلك يوفي شأن المعاهدة وفي الحقيقة أن هذا لم يختلف كثيرا عن الحال الأول بل زاد من إشكاله مع قريش بما فعل بمبعوثيها

فلما آيس من المكث بالمدينة ولا يناسبه العودة لمكة

لم ييأس من حل جديد يؤدي من خلاله دورا محوريا مؤثرا ولا يخرق ما التزمه رسولنا صلى الله عليه وسلم

فانبثق تفكيره عن التمركز قرب البحر في طريق تجارة قريش وكان يغير بنفسه -من شجاعته- على قوافلهم

ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد

وبلغ ذلك رسول الله فقال كلمته المشهورة: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد

وكأنها كانت علامة على قبوله لمثل هذا الأمر فهو يقلق قريش الجائرة الظالمة ويحدث واقعا يفرج عن المتأذين منها والعالقين في شأن الهجرة ويمنح المسلمين ورقة ضغط من جهة أخرى دون خرق للاتفاق أيضا

وانضم لأبي بصير غيره مثل أبي جندل بن سهيل الذي جاء بعيد الاتفاق فأبى أبوه سهيل بن عمرو إلا أن يأخذه بيده وهو ما أقض مضاجع المسلمين (والتزامهم رغم تأسيهم يثير الإعجاب كذلك)

حتى سبب ذلك الوضع إزعاجا طالب معه كفار قريش بالتغاضي عن هذا الشرط وإلغائه

فتم الأمر وعادوا جميعا لمدينة رسول الله

وإنما تحقق ذلك لهم بجهد أبي بصير وجهاده وصبره وثباته

لم ييأس ولم يغضب ولم ينقم وإنما أوجد حلولا أخرى توازن بين المصالح

وما دامت العقول تعمل وتستعين بربها فلن يعدم مسلم أن يفتح الله عليه وله

فلنبذل جهودنا ولنستعن بربنا ولا نعجز

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى