آراءبحوث ودراسات

د. ياسر عبد التواب يكتب: ضوابط الحرية والمسؤولية لمهنة الإعلام

Latest posts by د. ياسر عبد التواب (see all)

موضوع الحرية والمسؤولية كمكون أساس من مكونات العملية الإعلامية يجب أن يشتمل على:

 – تخطيط يستوعب الحرية والمسؤولية: يرسخ الحرية الحقيقية وينطلق من شعور بالمسؤولية نحو المجتمع

– مواد إعلامية خام يمكن أن نستفيد بها في بناء الرسالة الإعلامية ويراعى في جمعها والحصول عليها أيضا الحرية والمسؤولية

– أن يتم التنفيذ أيضا مستصحبا تلك الحرية والمسؤولية بإجادة العمل والقيام بالواجب

– إضافة إلى سلوكنا الشخصي قبل وأثناء وبعد العملية الإعلامية يجب أيضا أن يراعي الحرية ويتسم بالمسؤولية لأن العملية الإعلامية هي عملية فكرية وتأثيريه وتختلف عن العمليات الصناعية أو الإنشائية بدخول عوامل السلوك والتأثير فيها

ونقول تفصيلا لما أجملناه:

1- حين نستوعب الحرية والمسؤولية معا في التخطيط فإننا لا نطلق العنان لشهوات النفس ولا لشطحات العقول ؛ بل ليكن التخطيط واقعيا من جهة وأخلاقيا من جهة أخرى، فينظر التخطيط إلى مشكلات المجتمعات الحقيقية ويحاول المساعدة في حلها، ويدرك دوره في ترسيخ مفاهيم صحيحة ومفيدة لأفراده وجماعاته: مفاهيم التقدم والبناء والتنمية والحرية والتعاون وإنكار المنكرات الحقيقية وتشجيع المواهب الحقيقية، والأمر بكل ما هو مفيد وتزيينه وترك الباطل وطريقه ؛ مهما كانت المغريات لامتهانه ومساعدته كثيرة فلا يغرينا الذهب ولا يخيفنا السيف..

إنها مسؤولية جسيمة أن تخطط من أجل عمل إعلامي حقيقي مهما كانت نوعية الرسالة الإعلامية (سياسية – ثقافية – اجتماعية – دينية – رياضية)

ومهما كانت نوعية الإعلام الذي يقدمها (إخباري – رأي وتثقيف – ترفيه) ليسهم بشكل فاعل في تقدم الشعوب وتقريبها من طاعة خالقها ؛ ويراعي مصالحها العليا ولا يساهم في تخديرها ولا في خداعها ولو من خلال الوعظ والنصح وشغلهم ببعض أوجه العبادة عن البعض الآخر.

إن عملية الاتصال والتخطيط له يجب أن تتم وفقا لأمرين أساسيين:

أ‌- القدرة على التعامل مع الوسائل المتاحة بأفضل السبل

ب‌- إضافة إلى دراسة الواقع والظروف المجتمعية التي تمارس فيها عملية الاتصال

وهذا يتطلب قدرا كبيرا من التعاضد بين المؤسسات الاجتماعية ودراسات متنوعة لأحوال المجتمع فما يقدم لمجتمع ليس بالضرورة أن يصلح لمجتمع آخر.

ولذلك فإن على الإدارة المنوط بها وضع الخطط التنفيذية ومتابعة تنفيذها لابد أن تعتمد على الحقائق المحيطة بالمجتمع واحتياجاته الإنمائية وظروفه الحياتية والثقافية والسلوكية من حيث سلبيات وإيجابيات أفراده والضغوط التى سيتعرضون لها بما فيها الأزمات التي تواجه الإدارة ذاتها.

وهذا ما نطلق عليه أيكلوجيا البيئة الاجتماعية (أي دراسة البيئة المحيطة) فإنه من المهم دراسة الظروف المحيطة بالمجتمع والأخطار الخارجية والانتماءات الوطنية والقومية والعلاقات المتشابكة مع المجتمعات الأخرى، والدول الصديقة والدول المعادية أن الأمر كله يحتاج إلى دراسة علمية دقيقة وبدون تلك الدراسات العلمية ووضع نتائجها واضحة جلية امام مخططي وواضعي الاستراتيجية والمنوط بهم إدارة المؤسسات الإعلامية لا يمكن ضمان نجاح اى خطة إعلامية، وكل هذا يتطلب حرية في إبداء الرأي وفي تدفق واستقاء المعلومات

ومن هنا ينظر إلى الاتصال على أساس كونه عنصرا لا ينفصم عن الأنشطة الأخرى بل وعن نفس القضايا التي تثيرها الأنشطة الأخرى فعلى سبيل المثال يعد الاتصال عنصرا مؤثرا من عناصر النشاط الاجتماعي بينما هو أيضا هو له دور حاسم في التغيير الاجتماعي حتى إن الباحثين يؤكدون على أن ” كل تحليل للتغيير الاجتماعي لا بد أن يركز في النهاية على عمليات الاتصال ”

فالمجتمع ينقل مفاهيمه وقيمه عبر عمليات الاتصال وفي نفس الوقت يعتمد على آليات الاتصال وطرقه وأنواعه في توصيل الرسائل اللازمة للتغيير

وبنفس المنطق ننظر لعملية الاتصال في كافة أوجه النشاط الإنساني ففي مجال التعليم نجد الاتصال يخلق وسطا تربويا تكميليا للمدرسة ويؤدي دوره في التهيئة للبرامج التعليمية وتستخدم وسائل الاتصال في العملية التعليمية نفسها

وبنفس الطريقة يمكن لوسائل الاتصال أن تؤدي دورا مزدوجا في مجال محو الأمية (بمعناها العام: التعليمية – المهنية – الثقافية – السياسية – الدينية) فهي تستخدم كوسائل لتقديم برامج محو الأمية كما تستخدم أيضا في خلق المناخ الاجتماعي الذي تزدهر فيه حملات محو الأمية ؛ وفي خلق تقبل لقيمة التغيير الاجتماعي والاستعداد للمشاركة فيه وتساعد على انتشار التعليم والحيلولة دون ارتداد من تعلموا القرءاة والكتابة إلى الأمية

وقل الشيئ نفسه عن الاتصال والسياسة حيث تؤدي وسائل الاتصال دورا مهما في عمليات التنشئة السياسية والثقافة السياسية مما يؤثر تأثيرا بالغا في ممارسة حرية الرأي وحرية التعبير والوعي السياسي كما يتيح نظام الاتصال تحقيقا لوظيفة التعبير عن المصالح

ويعتبر الإعلام أحد القنوات المؤسسية الرسمية للتعبير عن المصالح ومن ثم تجد المشاكل السياسية وقضايا الساعة دائرة استماع أوسع وتساهم في تدفق المعلومات بين النخب السياسية والجماهير ونقل المعلومات والطموحات والتصورات فتكتمل دائرة المعلومات السياسية التي تؤثر على كفاءة النظام السياسي وفعاليته مع إمكانية استخدام الإعلام الموجه للخارج في دعم الجهود السياسية والدبلوماسية..

ويمكننا في نفس الإطار تصور علاقة الإعلام بالاقتصاد وتدفق المعلومات لدعم الحياة الاقتصادية وكذلك دفع مسيرة التنمية.. وكل ذلك لا يكون بدون حرية وبدون رغبة صحيحة لإفادة المجتمع وهو نوع من القيام بالمسؤولية

والدعوة تستخدم الاتصال في نواح كثيرة فهو وسيلتها لتغيير المفاهيم الخاطئة ولنقل الأخبار الصادقة وللتخطيط الدعوي والاستفادة من خبرات الآخرين

لذا فيجب على من يمارس الدعوة ولا سيما في نطاقها المنظم الجماعي أن يهتم بالاتصال من الناحيتين: من ناحية أن يملك وسائل اتصال حديثة وأن يتم التواصل من خلالها بطريقة منظمة مدروسة من ناحية ثانية

لكن الواقع غير ذلك تماما !

إن وجدت هيئة دعوية تملك وسائل الاتصال (وهي غالبا قليلة العدد) فإنما يسند إدارتها لغير المتخصصين وإن أعطيت للمتخصصين ولم يعطوا الإمكانات اللازمة لخروج العمل بشكل منظم ومدروس فيخرج العمل الإعلامي باهتا هزيلا ؛ وإن توفرت الإمكانات وأعطيت لمتخصصين قد لا تسلم من تبذير بسبب قلة الخبرة في الممارسة..وهذا ما يجب على المختصين بشؤون الدعوة أن يسعوا لتلافيه

فيجب امتلاك وسائل اتصال دعوية وقوية ويجب كذلك أن يتم التخطيط الجيد لدورها من خلال دراسات أساسية لما في المجتمع من أحوال ومشكلات وضوائق وميزات..فيتم دعم الميزات والتخلص من المشكلات

كل ما سبق ذكره مما يجب استشعار المسؤولية واستخدام الحرية لإنجاز تلك المهام

2- وحين نجمع معلومات أو مادة العمل لا يغرينا للحصول عليها ولا لتحقيق السبق بها أن نحصل عليها بطرق غير مشروعة فيها تجسس أو انتهاك خصوصية أو السطو على أفكار الآخرين ونسبتها للنفس ؛ ولا نستسهل تحضيرها دون تمحيص فيفوتنا فوائد التعمق والتدقيق، ولنجمع مادتنا من مصادرها المتنوعة ثم نختار بين المتعددات ونستعرض الآراء بموضوعية

لقد ساهم تطور وسائل الاتصال في تسهيل عملية الوصول للمعلومات ونقلها وشرحها وأسقطت العديد من الحواجز المختلفة التي كانت تحول في السابق بين الإعلامي والوصول إلى الحقائق..

إن شبكة المعلومات الدولية الآن يسرت على الباحثين كلهم عملية الحصول على المعلومات وطلبها ويسرت سبل إجراء المقارنات بل ويسرت عمليات الإحصاء والرسم البياني وإدخال الوسائط المتعددة (النصوص المكتوبة – الرسوم الثابتة والمتحركة – الرسوم البيانية – الفيديو والصوت) في عمليات الإعلام وكل ذلك يستنفر همم ومسؤوليات للإعلاميين لترك التكاسل والسعي لتجميع كافة ما يفيد توصيل رسالتهم بأكبر قدر من الموضوعية والحيادية والاجتهاد والإخلاص وإلى نسبة الجهود الفكرية لأصحابها بمعنى ألا نسطو على جهود الآخرين

3- وعند التنفيذ يجب أيضا مراعاة المسؤولية، وإذا أخذنا الصحافة كمهنة، لابد من التفريق مابين القيم الإخبارية، والقيم المهنية للتغطية الخبرية، فالقيم الإخبارية تعتبر قيما متغيرة تبعا للعوامل الإيديولوجية، وهي تتضمن: الجدة، والتوقيت، والضخامة، والتشويق، والصراع، والمنافسة، والتوقع والغرابة، والشهرة، أما قيم المهنة للتغطية الخبرية، وتسمى بصفات الخبر كالصدق والدقة والموضوعية، هي مسئوليات يحتذي بها الصحفي أو المحرر عند كتابة مادته الإخبارية،

إذا ربطنا قيم المهنية للتغطية الخبرية بالمسئولية الاجتماعية، فهي جوهر مسئولية الصحفي أمام مصدره وجمهوره، وهي تقسم إلى قسمين: قيم جمع المادة الخبرية، وقيم كتابة الخبر

والقيمة الأولى تتمثل بالمقولة التالية: إن << الصحفي مجموعة من المصادر >>، وهنا يظهر مدى متطلب احترام الصحفي لمصادره كقيم مهنية يلتزم بها، وهذه القيم يمكن حصرها في الآتي:

أ -الحق في الخصوصية: من حق الفرد المحافظة على حياته الخاصة بكافة تفاصيلها، وهذا الحق يحمي الجمهور من بعض السلوكيات الصحفية كنشر الأمور الخاصة، وجمع الأخبار بالحيلة، ونشر أسماء وصفات الأحداث

ب – المعلومات السرية: وهي حالات لابد للصحفي من التوقف عندها قبل نشر الخبر مثل: طلب المصدر نفسه عدم نشر هذه المعلومة، وعندما يذكر المصدر معلومات مهمة ويطلب عدم ذكر أسمه كمصدر لهذه المعلومات، أو طلب المصدر عدم نشر المعلومات بنصها الحرفي

ج – آليات دفع المصدر للحديث: وتأتي من التعامل الأخلاقي، وعدم استخدام النفاق، وكون الموظف الحكومي هو دائما مصدر للمعلومة فيجب حمايته فيما يتعلق بقضايا الفساد.

د‌- قيم كتابة المادة الخبرية:هي التقاليد التي يجب أن يمارسها الصحفي في عمله ويراعيها ؛ كي يضمن تحقق المسئولية في خبره، وتتضمن هذه القيم: الدقة والموضوعية والصدق والأمانة والحيدة والاكتمال أو الشمولية والاقتباس أو الإسناد وغيرها، ومع اختلاف المسميات لدى الباحثين فهي تندرج تحت:

1- الصدق: الذي هو أهم المعايير والقيم جميعا، وهو لا يقتصر على صدق الصحفي مع الآخرين (المصادر – الجمهور) بل يمتد ليشمل صدقه مع نفسه، وهو ثلاث مستويات (صدق الأفعال، وصدق الأقوال، والصدق الذاتي:أي صدق الغايات)

2- الدقة: وهي تشمل كل كلمة أو عبارة في القصة الخبرية، ويمكن التعامل معها من قبل الصحفي بالرجوع الدائم للمصادر والمراجع والقواميس ودوائر المعارف، ومن الأسباب التي تؤدي إلى عدم الدقة التالي: ضغوط توقيت صدور الصحيفة، وعدم وجود إلمام كاف لدى المندونبين بخلفية القصة الخبرية، وعدم مبالاتهم بالتحقق من معلومات القصة الخبرية، ويرى الحمامصي أن أسباب عدم الدقة هي: أخذ المعلومة من مصادر مضلله، والرقابة التي تدفع الصحفي لاستعمال تعبيرات مطاطة، والاعتماد على مصدر واحد للمعلومة، وهنا يفضل ويستلي حذف المعلومة بالكامل إذا لم يتم التأكد من صحتها ولم يكن هناك وقت لذلك.

3- الشمول / الاكتمال: أي الإلمام بخلفية الحدث، وتقديم أوضح صورة ممكنة للخبر وهذا يتطلب التالي: إيراد الحقائق التي تفيد في توضيح أهمية الحدث، ووصف التطورات التي أدت للحادث، وشرح كافة الأوضاع التي يعتبر الحادث جزءاً منها أي شرح الحادث.

4- الموضوعية: وهي فصل الرأي الشخصي عما يقدمه الإعلامي بحياد وترتبط الموضوعية مع الذات في مشكلة المعرفة ؛ فالمعرفة علاقة بين الذات والموضوع أو علاقة بين العقل والوجود، واختلاف الفلاسفة في تحديد العلاقة بينهما يرجع الى مشكلة الحقيقة أو المعيار.

والموضوعية ذات الدلالة الخلقية تعني النزاهة في القصد والبعد عن الهوى، والتجرد من العواطف الذاتية، وهي ليست واقعا مفروضا، بل هي مساهمة إيجابية والتزام صريح تبعث عليه قيم ومعايير.

* الموضوعية الصحفية هي حالة ذهنية للمحرر أو المندوب الصحفي، بعدم الحكم على ما يرى، وعدم التأثر بأحكامه الشخصية السابقة أو تحيزاته القبلية، وعليه أن يفترض دائما بوجود جانبا أخر للتغطية الخبرية، وتعتبر الأخبار هي تقرير حقيقي عن الأحداث التي وقعت، وهناك اتفاق مابين المنظرين حول عدد من المحددات التي تحقق الموضوعية في التغطية الخبرية، والمحددات التي تبعدها عن الموضوعية، ويوضحها (برادلي) بحذف وقائع على جانب من الأهمية، أو إضافة تفاصيل غير مبرره،وخداع أو غش القارئ، وتتحقق الموضوعية حسب ما يذهب إليه (ويستلي) من خلال عدد من القرارات الإدارية الصحفية مثل: التوازن، والإسناد وعدم خلط الخبر برأي المندوب، والحرص على إعطاء معلومات خلفية توضح الحدث.

– وعناصر الموضوعية ثلاثة هي: الإسناد (الاقتباس)، وهو يتمثل بالقواعد التالية والملزمة للمحرر: 1- أن يميز الكلمات والجمل المقتبسة عن بقية الكلمات 2- ينبغي أن يكون النص المقتبس معبراً تعبيراً حقيقاً عن الهدف الحقيقي للمصدر0 3-أن تكون الجمل المقتبسة متعلقة بموضوع الخبر المنشور

4- يمكن الاستغناء عن الكلمات المكررة أو الزائدة في الجمل المقتبسة دون خلل

– بخلاف ذلك يمكننا أن ننتبه إلى أهمية إتقان العمل وإجادته ورأينا بأنفسنا كيف أن بعض الإعلاميين يستكبرون عن التوجيه ويتغاضى عن إعادة النظر في مادتهم وتعديلها -إن تطلب الأمر- بينما المسؤولية تتطلب منه أن يظل متابعا ومرشدا للعملية ومجددا للمعلومات ومصححا للأخطاء إن بدت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى