آراءمقالات

تقدير الظروف.. بين الحاكم المثالي والحاكم الواقعي 

د. ياسر عبد التواب
Latest posts by د. ياسر عبد التواب (see all)

 

في التاريخ الإسلامي لا نجد أفضل مثالية من صورة الحاكم التي رسمها الخلفاء الراشدون فقد كانوا أكثر الأمة تواضعا وأصدقهم لهجة وأعظمهم عطاء وبذلا.

 

دعني ألتقط من التاريخ مثالا لما أريد أن أدلل عليه وهو حالة التقاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ببعض ولاته ممن كانوا على الأمصار أثناء رحلته الشهيرة لبيت المقدس وللجابية في الشام.

 

معروف ما كان من شأنه بأنه لم يكن له موكبا بل ركب الناقة -ولم يركب البراذين على عادة الملوك-  وكان بثيابه من الرقع ما بها.

 

ولما خاض مخاضة شمر لها ثيابه ونزل عن دابته فقال له مرافقه : ما أحب أن يراك الناس على هذا فقال قولته المستعلية على مظاهر الحياة: إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله تعالى بالإسلام ومهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله تعالى).

 

على المستوى الشخصي كان عمر رضي الله عنه ينهى الناس عن التوسع في أمور الدنيا وربما عاقبهم على ذلك.

 

فقد دخل معاوية على عمر، وعليه حلة خضراء. فنظر إليها الصحابة. قال: فوثب إليه عمر بالدرة ، وجعل معاوية  يقول: الله الله يا أمير المؤمنين، فيم فيم؟

 

فلم يكلمه حتى رجع.

 

فقالوا : لم ضربته وما في قومك مثله؟

 

قال : ما رأيت وما بلغني إلا خيرا، ولكنه رأيته، وأشار بيده (أي رآه وقد علا شأنه)، فأحببت أن أضع منه (أي يعلمه الزهد والتواضع).

 

كان هذا على المستوى الشخصي لكنه فيما يتعلق بساسة الأمور وإدارة الدولة نجد موقف عمر يبدو أكثر تفهما للأمور ففي نفس الرحلة للشام حدث موقف مختلف يرسم صورة أخرى وينم ما كان لدى الصحابة من مواقف تدل على سعة إدراك وحسن سياسة حيث لما قدم عمر الشام، تلقاه معاوية في موكب عظيم وهيئة، فلما دنا منه، قال: أنت صاحب الموكب العظيم؟

 

قال: نعم.

قال: مع ما بلغني عنك من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك.

قال: نعم.

قال: ولم تفعل ذلك؟

قال: نحن بأرض  العدو بها كثير، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يرهبهم فإن نهيتني انتهيت،

قال: يا معاوية! ما أسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس . لئن كان ما قلت حقا ، إنه لرأي أريب، وإن كان باطلا، فإنه لخدعة أديب.

 

قال: فمرني. قال: لا آمرك ولا أنهاك.

 

فقيل: له بعد ذلك: يا أمير المؤمنين! ما أحسن ما صدر عما أوردته (أي أنه أحسن الاعتذار بين يديك عما يفعله من نظام الحكم).

 

قال: لحسن مصادره وموارده جشمناه ما جشمناه.. أي أنه وضعه في هذا الموضع لقدرته على الأداء ولم ينهه عن استخدام ما ينفعه مما أباحه الله تعالى من الأدوات والنظم والملابس والمراكب وإن اختلف عنه في الزهد وتجشم القدوة المثالية.

 

إنها إذن صورة مثالية شفافة وصورة أخرى مثالية وواقعية من نوع آخر لأنها تعرف كيف تتعامل مع الأمور ومع الناس ومع الشخصيات بشكل واقعي يرعاي الظروف والعادات والأحوال

لا يعيب الأمور أبدا أن يتم التعامل مع الناس بضبط الأدوار ولا بتقسيم المهام فليس عزل الفاسدين مثلا هو انتقام بل هو تقدير للأمور ولا ينافي الزهد المطلوب ولا المسامحة المندوب إليها.

 

لأن التعامل مع الناس لا يمكن أن يكون وفقا لنمط واحد

ولا يعد هذا مبررا لفساد ولا لظلم ..

لكن هي دعوة لاستخدام الأسلوب الأمثل وفقا لحقائق الشرع و القانون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى