آراءبحوث ودراسات

د. ياسر عبد التواب يكتب: الإعلاميون وضغوط المتنفذين

Latest posts by د. ياسر عبد التواب (see all)

الحالة المزرية التي تفرز إعلاميي السلطة والنفاق وإن سألتهم التفتوا خائفين يقولون: مجبورون وعلينا ضغوط.

 

وينتح عن ذلك كل تلبيس للباطل وترويج للحرام وتزيين للخيانات وتأييد للطغاة فالأمر هنا لا يتوقف عند الحدود الشخصية بل يتعداه إلى طعن المجتمع وخيانة قضاياه وبيع حقوقه.

 

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اخبر به بعظيم أثر الكلمة وسوء تبعاتها إن كانت شرا أو كذلك فضل نفعها حين تكون في جانب الخير والحق:

 

فعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: إنَّ الْعَبْد لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مَا يَتَبيَّنُ فيهَا يَزِلُّ بهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بيْنَ المشْرِقِ والمغْرِبِ. متفقٌ عليهِ.

 

– وَعَنْهُ عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالى مَا يُلقِي لهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّه بهَا دَرَجاتٍ، وَإنَّ الْعبْدَ لَيَتَكلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقي لهَا بَالًا يهِوي بهَا في جَهَنَّم رواه البخاري.

 

وعَنْ أبي عَبْدِالرَّحمنِ بِلال بنِ الحارثِ المُزنيِّ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ ليَتَكَلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بلَغَتْ يكْتُبُ اللَّه لَهُ بهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يلْقَاهُ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِنْ سَخَطِ اللَّه مَا كَانَ يظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بلَغَتْ يكْتُبُ اللَّه لَهُ بهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يلْقَاهُ.

رواهُ مالك والترمذي

 

هذا يدفعنا للتساؤل : كيف يتصرف الإعلاميون ان وقعت عليهم الضغوط من أصحاب النفوذ والقوة؟

 

فالحق أنه تتعرض المؤسسات الإعلامية وإعلاميوها لضغوط من قبل جهات متعددة.

 

منها الحكومات حيث ينظر للوسائل الإعلامية على أنها ذات أثر كبير في المجتمع.

 

فتسعى الحكومات للتدخل المباشر وغير المباشر في العمل الإعلامي وتحديد القائمين عليه والثقة في انتمائهم لهم وإغرائهم أو تهديدهم أحيانا.

 

كما أنهم يستخدمونهم في توصيل الرسائل للمجتمع فهناك دائما صلات بين مراكز القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع ووسائل الإعلام.

 

وهناك حاجة لرجال الحكم والتأثير إلى استخدام وسائل الإعلام لتضفي عليهم مكانة اجتماعية من خلال متابعتها لأخبارهم.

 

وهذا ليس مرفوضا كليا ولا مسلما به كليا بل يجب تقدير المصالح والمفاسد في الأمر.

 

وفي نفس الوقت تمارس وسائل الإعلام الحرة في المجتمعات المتقدمة دورا أكبر في التأثير تجعلها تشارك في صنع القرار وممارسة الضغط على الحكومات من أجل تحسين أدائها.

 

وهو ما يمنحها استحقاقا للوصف بأنها سلطة رابعة في تلك المجتمعات.

 

وبكل حال فقد تخلص المجتمع إلى حد ما من التسلط الإعلامي الرسمي بوجود إعلام غير رسمي وإعلام عالمي يتخطى الحدود، ثم كذلك بوجود الإعلام الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي التي خففت إلى حد كبير من احتكار تسلط الدول على الإعلام فيها.

 

وأصبح من المستحيل تقريبا أن تتم ممارسة ما في مكان ما دون أن تصل عنها أخبار أو معلومات أو تصوير من خلال وسائل الإعلام غير التقليدية.

 

لكنها وقعت أيضا في إشكاليات عدم الدقة وترويج الإشاعات ولم تخل أبدا من تحكمات وضغوط وتلبيس واستخدام للكتائب الموجهة.

 

فما قلناه عن الوسائل غير التقليدية وقدرة الفرد على التعبير من خلالها لا يعفيها من الخطأ والتلبيس وما ذكرناه عن مشكلة الضغوط يصلح هنا أيضا إذ قد تستخدم في التضليل بتسليط الأدعياء او تورط عديمي الخبرة والدربة من المشاهير على العملية.

 

فوسائل الإعلام ذات أدوار مختلفة في المجتمع:

 

قد تؤدي دورا تحرريا برسالة مهمة في النقد الاجتماعي وتشجع الأمثلة الصالحة وتحذر مما يخالفها لتصل إلى مجتمع أفضل وأطهر؛ لكنها قد تنتحي منحا مختلفا حين تستخدم لتزييف الحقائق وحجبها فتكون بمثابة أداة قهر وخداع للجماهير.

 

وبين هذين الموقفين المتناقضين تمارس وسائل الإعلام دورها قربا أو بعدا من مصالح المجتمع..

 

والمفترض في أصحاب الرسالة حين يخططون للعمل الإعلامي أن يضعوا مصلحة المجتمع قيد الاعتبار ووفقا للمنهج الإسلامي القويم فهو الذي يحدد معيار الصلاح والفساد في المجتمع.

 

ويكون النقد الهادئ ومحاولة التغيير دون صدام هو الأفضل لأغلب وسائل الإعلام وإلا استخدمت السلطات نفوذها في التخلص منها.

 

لكننا نلفت النظر إلى قاعدة شرعية مهمة في تلك المسألة.

 

وهي: لا ينسب لساكت قول – لكن السكوت في معرض الحاجة بيان.

وشطر هذه القاعدة الأول (لا ينسب لساكت قول) هو من كلام الإمام الشافعي رحمه الله.

 

ومعنى ذلك أنك إن لم تستطع قول الحق فلا تقل الباطل ولكن اسكت عنه فإنك بذلك معذور ولا تلام على السكوت عند العجز.

 

بهذا يمكن لمن يمارس الإعلام ويرغب في إفادة المجتمع أن يتحاهل بعض النقاط حين يشعر بضعفه عن تناولها وهذا كبديل عن تناولها بخيانة للأمانة.

 

المشكلة الأعمق أن المتنفذين يهددونهم بقطع أرزاقهم أو إيذائهم وذويهم أحيانا.

 

فأما قطع الأرزاق فليعلم أنها بيد ربه تعالى وليكن صاحب موقف مشرف أو ليبحث له عن مصدر رزق آخر.

 

فليس بالضرورة أن يترزق من الإعلام كمصدر رزق وحيد فليقتد بعلماء الأمة الكبار الذين لم يترزقوا من علمهم وإنما كانت لهم أعمالا يقتاتون منها (أو حتى أوقافا خارجة عن سيطرة الحكام مباشرة) كي لا يتحكموا بهم.

 

وأما الإيذاء حتى مع الصمت فهو قدر الشرفاء ومع ذلك لا يغير مواقفهم ولكنهم إن لم يزيلوا المنكر فليزولوا عنه هم ولا يبيعون ضمائرهم وليسألوا الله التفريج.

 

وربما يعبرون عن الحق من مكان آخر أو بصور أخرى أو بأسماء مستعارة لكن لا يبيعون دينهم ولا يفرطون في واجبهم ولا يخونون رسالتهم.

 

وما ذكرته آنفا هو الواجب والصحيح حتى لو ضعف الالتزام به بصورة أو بأخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى