بحوث ودراسات

د. ياسر أبو شبانة يكتب: من دروس الطواف

Latest posts by د. ياسر أبو شبانة (see all)

يواصل الخطيب رحلته مع الحجاج، فيذكر لهم أنه عند الوصول إلى مكة

وبعد الاطمئنان على السكن والأمتعة، وبعد الحصول على قسط من الراحة ينطلق الحاج إلى المسجد الحرام ليطوف بالكعبة

ويكون هذا الطواف فرضاً بالنسبة للمتمتع ـ لأنه طواف العمرة ـ أما للمفرد والقارن فهو سنه لأنه طواف القدوم، ويذكر الخطيب لهم أن كيفية الطواف واحدة مهما كان نوعه،

وهى الدوران حول الكعبة سبع مرات، يبدأ كل شوط من الركن الذي فيه الحجر وينتهي عنده، كما يذكر لهم موجزاً سريعاً عن أحكام الطواف،

ويركز على ضرورة أن ينشغل الطائف بالذكر والدعاء وقراءة القرآن، وأن لا يزاحم الناس ويؤذيهم في سبيل الوصول إلى الحجر الأسود.

وبعد ذلك ينصرف تركيزه إلى الدروس الإيمانية والعظات الروحانية في هذا النسك العظيم.

الدرس الأول:

التناغم مع الكون كله في حركة واحدة خضوعاً لله رب العالمين:

حيث يلاحظ الجميع أن حركة الحجيج في الطواف تكون دائما ضد عقارب الساعة، حيث تكون الكعبة المشرفة دائما على يسار الطائفين،

والعجيب أن هذه الحركة بهذا الاتجاه هي ذاتها حركة جميع الكواكب والنجوم والأجرام السماوية المختلفة:

حركة الأرض ودورانها  حول نفسها وحول شمس ـ حركة المجموعة الشمسية كلها حول مركز المجرة … إلخ.

وكأن الحاج حينما يطوف بالبيت الحرام بهذه الطريقة وهذا الاتجاه إنما يعبر عن خضوعه المطلق وانقياده التام للخالق العظيم القهار،

الذي خضع له هذا الكون كله وهذه المخلوقات الهائلة الحجم،

فالحاج في هذه اللحظات الإيمانية في حالة انسجام وتناغم مع الكون كله في تسبيح الخضوع والانقياد لله رب العالمين.

الدرس الثاني:

الارتقاء في فضاء المحبة الإلهية:

فخضوع المسلم لربه ليس خضوع الجسم وحده، وإنما هو خضوع القلب المحب لمولاه المنقاد له طواعية واختياراً،

وإذا كان المحب من البشر يقطع الفيافي، والقِفار ويكابد المشاق ويغالب الصعاب،

ليظفر في النهاية بدورة حول بيت محبوبته، بل ويقبل جدران البيت بشغاف قلبه قبل حدود شفتيه:

لقد أمر على الديار ديار سلمى         أُقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفـن قلبي              ولكن حب من سكن الديار

أقول: إذا كان طالب الهوى الدنيوي يفعل هذا،

فإن طالب الهوى الإلهي وراجي المحبة الربانية يقطع هو أيضا الفيافي والقفار ويكابد المشاق ويغالب الصعاب ليطوف ببيت مولاه ومحبوبه،

ليس دورة واحدة ولا اثنتين بل سبع دورات كاملة تعبيراً عن حبه لمولاه سبحانه وتعالى.

الدرس الثالث:

ما على الإنسان سوى العمل أما النتائج والثمرات فمن الله:

على الحاج وهو يطوف بالبيت عن يستحضر مشهد خليل الله إبراهيم عليه السلام حينما أمره المولى تبارك وتعالى ـبعد فراغه من بناء الكعبةـ قائلاً:

{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}

[الحج:27]،

قال ابن كثير: (أي: ناد في الناس بالحج، داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك بنائه،

فذُكِرَ أنه قال: يا رب كيف أبلغ الناس صوتي؟، فقال: ناد وعلينا البلاغ..)

ويتعلم الحجيج بل تتعلم الأمة كلها من هذا الموقف أن المسلم المتمسك بدينه المجاهد لإعلاء رايته، ما عليه سوى العمل،

أما حصد النتائج وجنى الثمرات فهذا أمر موكول إلى القدرة الإلهية والعناية الربانية،

ففي بقية كلام ابن كثير أن خليل الله حينما نادى في الناس بالحج؛

(أجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر  ومن كتب الله انه يحج إلى يوم القيامة: لبيك  اللهم لبيك)

الدرس الرابع:

على المسلم أن يبذل أقصى ما يستطيع لتنفيذ مراد الله:

فهذا خليل الله إبراهيم عليه السلام في الموقف السابق حينما أمره الله بالنداء للحج،

كان يمكنه أن ينادى وهو في مكانه، ولكنه رغبةً في تنفيذ الأمر الإلهي على الوجه الأكمل،

والصورة الأتم صعد، كما يذكر ابن كثير على مقامه أو على الحجر أو على جبل الصفا أو على جبل أبى قبيس -بحسب اختلاف الروايات-

المهم أنه صعد فوق مكان مرتفع ونادى بأعلى صوته، كل هذا ليستنفذ أقصى طاقته ومنتهى جهده البشرى في تنفيذ مراد ربه.

أليس هذا درساً عظيماً للحجيج -بل للأمة كلها- في ضرورة بذل كل واحد من أفراده أقصى ما يستطيع وما يملك من طاقة وما يتوافر له من إمكانات لنصرة دينه وأمته ؟

يدخل معنا في هذا الدرس أيضاً ما فعلت الخليل عليه السلام قبل ذلك حينما كان يبنى الكعبة هو وإسماعيل عليهما السلام،

ففي الصحيح أن إسماعيل كان يأتي بالحجارة وإبراهيم يبنى حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبنى -أي وقف عليه وهو يبنى-

وهو مقام إبراهيم الآن، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}

[البقرة: من الآية127]

وصدق الله العظيم حينما وصف الخليل إبراهيم عليه السلام بالتوفية والإتمام فى تنفيذ مراد ربه فقال:

{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}

[البقرة: من الآية124]

وقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}

[لنجم:37]

الدرس الخامس:

فقه التدرج والمرحلية:

من سمات بعض الملتزمين بالدين العاملين للإسلام أنهم يندفعون فى بعض الأعمال والأقوال اندفاعاً غير محسوب،

متناسين السنة الكونية والشرعية في التدرج والمرحلية في الأهداف والوسائل أيضاً.

فالكون ذاته قائم على التدرج، 

فقد خلق الله تعالى السموات والأرض في ستة أيام وهو القادر على خلقها بالأمر التكوينى «كن فيكون»،

وهكذا جاء التشريع الإسلامي في تحريم الخمر وفرضية الجهاد … إلخ،

قالت عائشة: إنما أُنزل أول ما أُنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة والنار،

حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام،

ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر ولا تزنوا، لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنا أبداً.

وهنا في الحج: أنظر إلى التدرج في رحلة الحج ودعوة الخليل إبراهيم عليه السلام الناس إليه فقد مرت بعدة أطوار:

الأول: وجود الأشخاص ذوى التربية الإسلامية الصحيحة:

 {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} { [إبراهيم:37]

الثانى: إيجاد الأرضية وركيزة التجمع ببناء البيت الحرام:

{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26]

الثالث: دعوة الناس إلى الحج:

{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27]

فلابد أن يعى العاملون للإسلام فقه التدرج والمرحلية،

وأن لكل مرحلة حساباتها الخاصة وأن الاستعجال وتقديم مرحلة على أخرى يؤدى لا محالة إلى الفشل وتعطيل العمل الدعوى سنين عدداً.

الدرس السادس:

الظهور أمام الأعداء دائما بمظهر القوة:

فمن سنن الطواف -في طواف العمرة أو الحج أو كل طواف يعقبه سعى- الرَّملْ أو المشى السريع مع هز الكتفين …

 وقد أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه بهذا في عمرة القضاء

بعد أن أشاع مشركو قريش أن المهاجرين قد أصابهم الوهن والمرض بسبب إسلامهم وجهدهم وجوعهم،

وكان الهدف من وراء ذلك أن يظهر أصحابه رضوان قلقها عليهم أجمعين أمام أعدائهم بالصورة الذي تنفى عن الإسلام تهمة الوهن والضعف.

وما أجدر الأمة المسلمة الآن بمراعاة هذا الملمح التربوي الدعوى الجهادي من الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم،

فلا يظهرون أمام أعدائهم بمظهر الضعف والوهن الذي يزيد بسببه طمع أعدائهم فيهم واستخفافهم بشأنهم.

الدرس السابع:

 مراعاة طبيعة النفس الإنسانية ومنحها قسطاً من الراحة:

وهذا واضح فى السنن المتعلقة بالطواف بعد الفراغ منه،

وهى صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم، والشرب من ماء زمزم …

 وذلك قبل الذهاب للسعي بين الصفا والمروة.

فعلى الآباء والقادة والمربين مراعاة هذا الأمر في نفوس أبنائهم وجنودهم وأتباعهم،

والنبي  يقول: روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فان القلوب إذا كلَّت عميت،

 وقال لحنظلة: ساعة وساعة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى