بحوث ودراسات

د. ونيس المبروك يكتب: تفصيل في مسألة المسح على الجوربين

السؤال: ما حكم المسح على الجورب وكيفيته وشروطه؟

الجواب: المسح على الجورب بدلاً من غسل الرجلين هو رخصة مشروعة تخفيفاً على المسلمين.

ولما كثر الحديث حول هذه المسألة فإني كتبت تفصيلا حوى بعض الفوائد والأدلة والشرائط، يمكن مطالعتها في الفقرات التالية:

1- الغسل فريضة والمسح رخصة

ذهب جمهور أهل السنة إلى وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين بالماء الطهور، لقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ…﴾ وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص، ولكن الشريعة السَمِحَة أجازت المسح على الخفين والجوربين والعصائب والتساخين.. تيسيراً على العباد ورفعاً للمشقة التي قد تطرأُ بسبب غسل الرجلين في الوضوء؛ إما بسبب البرد، أو بعض أمراض الفطريات، أو مشقة نزع الحذاء في بعض الظروف  ونحو ذلك.

2-   المعنى الفقهي للمسح  والجورب 

حتى تتضح الأحكام، لابد من توضيح بعض المعاني اللغوية والشرعية، فالمسح: هو إمرار اليد المبتلة بالماء الطهور على العضو الممسوح أو على الحائل المشروع ( كالخف والجورب والعصائب والتساخين….) والجورب: هو لباس يستر القدمين للكعبين ولكن عادة ما يكون  من صوف أو قطن أو غير ذلك، وقد جاء في مواهب الجليل للحطاب أن الجورب: ما كان على شكل الخف من كتَّانٍ، أو قطن أو غيرِ ذلك. قال أبو بكر بن العربي رحمه الله في عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي: «الجورب غشاء للقدم من صوف يتخذ للدِّفاءُ وهو التسخان»، وقال البهوتي في كشاف القناع عن متن الإقناع: «هو اسم لكل ما يُلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد» فالجورب خُفٌ لكنه من صوف كما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

3- من أدلة المسح على الجورب.

جاءت رخصة المسح على الخفين والجوربين وما في حكمِهما بأدلة من السنة النبوية وبعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، وكذلك القياس.

ومن هذه الأدلة ما أخرجه الإمام أحمد في المسند  والترمذي في السنن، وابن ماجة وابن حبان والبيهقي، وابن خزيمة عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تـوضأ ومسـح عـلى الجوربين والنعلين».

وكذلك ما أخرجه أبو داوود في السنن والحاكم في المستدرك وأحمد في مسنده، عن ثوبان رضي الله عنه قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين». والعصائب هي العمائم، والتساخين كل ما تسخن القدمين من خفاف أو جوارب، قال ابن الأثير في النهاية: «العصائب هي العمائم؛ لأن الرأس يعصب بها، والتساخين: كل ما يسخن به القدم من خُفٍّ وجَوْرَبٍ ونحوهما، ولا واحد لها من لفظها..»

 ومن الأدلة كذلك ما أخرجه ابن ماجة  عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه «أن رسول صلى الله عليه وسلم  توضأ ومسح على الجوربين والنعلين».

وكذلك ما رواه عبد الرزاق بإسناده أن علياً وابن عمر وابن مسعود والبراء بن عازب وأبو مسعود الأنصاري رضي الله عنهم مسحوا جميعاً على الجوارب.

 وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناده أن عُمر توضأ يوم جمعة ومسح على جوربيه ونعليه.

ومما نُقل عن الأئمة الأعلام ما قاله الإمام النووي في المجموع: «وحكى أصحابنا عن عمر وعلي رضي الله عنهما جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقاً،  وحكوه عن أبي يوسف ومحمد واسحق وداود».. وقال: «وحكى ابن المنذر إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة علي وابن مسعود وابن عمر وأنس وعمار بن ياسر وبلال والبراء وأبي أمامة وسهل بن سعد»، وقد أورد الإمام ابن القيم في تهذيب سنن أبي داوود عند كتاب الطهارة، باب كيف المسح، عددا من التابعين وهم: إسحاق بن راهويه, وعبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري, وسعيد بن المسيب , وأبو يوسف.

والمسح على الجوربين هو قول للإمام أحمد وأهل الظاهر وأبي يوسف ومحمد وزفر من أصحاب أبي حنيفة، بل إن أبا حنيفة رجع عن قوله بالمنع، كما نقل الإمام الكاساني في بدائع الصنائع: «أن أبا حنيفة كان يقول بعدم جواز المسح على الجوربين وكان أبو يوسف ومحمد يخالفانه في ذلك ويريان جواز المسح وأن الإمام رجع عن قوله إلى قولهما في آخر عمره وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه».

 وتنوّع الأحاديث بين المسح على الجورب والمسح على الخفين هي روايات في وقائع مختلفة، أي أن جُل  اختلاف الأحاديث في هذا الباب هو اختلاف وقائع لا اختلاف روايات.

4- أهم شرائط المسح

يشترط للمسح على الجورب أن يكون الجورب طاهرا لا يحمل نجاسة، وأن يغطي الكعبين، وأن لا يكون شفافا وجوده كعدمه أو أن يظهر لون البشرة، وأن يلبسه المسلم بعد الوضوء، لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه «كُنت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خُفيّه، فقال: دعهما فإنّي أدخلتهما طاهرتين».

والمسح يكون  أعلى الجورب وليس من أسفله، ولم يشترط المالكية مدةً للمسح، قال ابن رشد في بداية المجتهد: «فرأى مَالِكٌ أنَّ ذلك غير مؤقَّتٍ، وأنَّ لابِسَ الخُفَّينِ يمسح عليهما ما لم يَنزِعْهما، أو تُصِبْهُ جَنابَةٌ» وربما استدلوا بحديث أبي داوود في السنن عن يحي بن أيوب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسح على الخفينِ؟ قال: نعم، قال: يومًا ؟ قال: نعم، قال: ويومين؟ قال: نعم، قال: وثلاثة أيام ؟ قال: نعم وما شئت».

والجمهور على أن مدة المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها، لحديث شريح بن هانئ قال: «أتيتُ عائشةَ رضي الله عنها أسألُها عن الخُفَّيْنِ، فقالت: عليك بابنِ أبي طالبٍ فاسألْهُ فإنَّهُ كان يُسافرُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فأتيتُهُ فسألتُهُ، فقال: جعل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثلاثةَ أيامٍ ولياليهِنَّ للمُسافرِ، ويومٌ وليلةٌ للمُقيمِ»

ويبطُل المسح إذا انتهت مدته أو طرأ ما يقتضي الغسل من الجنابة، أو نزع أحد الجوربين إلى ما تحت الكعبين، وتبدأ مدة المسح من الوقت الذي نقض فيه الوضوء ثم مسح، وليس من أول لبسه للجورب، ولا يشترط أن ينوي المسح على الجوربين عند لبسهما.

5- هل يشترط أن يكون ظاهر الجورب جلدا؟

اشترط من أجاز المسح على الجورب من المالكية أن يكون ظاهر الجورب جلدا طاهرا، ومن حق المسلم أن يقلد هذا الرأي ويعمل به، ولكن لا يجوز الإنكار على من مسح على جوارب الصوف والقطن، وغير ذلك، فقد ذهب بعض الأئمة الأعلام لجواز المسح على الجورب وإن كان قماشاً؛ قال ابن حزم رحمه الله في كتابه المُحلى بالآثار: «اشتراط التجليد خطأ لا معنى له لأنه لم يأت به قرآن ولا سنة ولا قياس صاحب. والمنع من المسح على الجوربين خطأ لأنه خلاف السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلاف الآثار ولم يخص عليه الصلاة والسلام في الأخبار التي ذكرنا خفين من غيرهما»، وقال ايضا: «والمسح على كل ما لبس في الرجلين مما يحل لبسه مما بلغ فوق الكعبين سنة سواء كانا خفين من جلود أو لبود أو عود أو حلفاء أو جوربين من كتان أو صوف أو قطن أو وبر أو شعر…»

وقال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى «يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء كانت مجلدة أو لم تكن في اصح قولي العلماء»

ولهذه الاعتبارات نص العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله: «أن كل المروي في المسح على الجوربين مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه قيد ولا شرط ولا يفهم ذلك لا من منطوقه ولا من مفهومه ولا من إشارته وجلي أن النصوص تحمل على عمومها إلى ورود مخصص وعلى إطلاقها حتى يأتي ما يقيدها ولم يأت هنا مخصص ولا مقيد لا في حديث ولا أثر.»

6- هل يقاس الجورب على الخف؟

بيّنا فيما سبق أن دليل المسح على الجورب هو النصوص النبوية والآثار عن الصحابة والتابعين، ولكن ذهب بعض الأئمة من المتقدمين والمتأخرين إلى قياس الجورب على الخف، وأنكر بعض المعاصرين ذلك القياس بحجة أن الأصوليين منعوا القياس على الرخص!

ولا يخلو هذا الكلام تعميم ومجازفة ربما كان باعثهما دفع حُجَجِ المخالفين؛ فالقياس على الرخص جائز إن كان هناك وجه معتبر للقياس، بل إن الرخصَ تخفيفٌ وتيسير وهدية إلهية، ومتى ما وجدنا المعنى والعلة في حكم فإن القياسَ تكثيرٌ لتلك الِمنح وحفاظٌ على الحكمة، وتحقيق لمقاصد التشريع؛  قال الإمام الطاهر بن عاشور في كتابه التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح  «القياس على الرخص هو صريح مذهب مالك، وشرطه تحقق وجود سبب الرخصة» 

وقد نص القاضي عبد الوهاب البغدادي في كتابه الإشراف على نكت مسائل الخلاف على جواز قياس الطين على المطر بجامع وجود المشقة، وعلل قائلا «لأن المشقة باقية»! وقاس الفقهاء الثلج على المطر لأن قاصد المسجد يتأذى منهما.

وقد ناقش الإمام الهمام القرافي المالكي هذه الاحترازات فقال في شرح تنقيح الفصول: «أن الدليل إنما يخالفه  صاحبُ الشرع لمصلحةٍ تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملاً بالاستقراء، وتقديمُ الأرجح هو شأن صاحب الشرع، وهو مقتضى الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي لأجلها خولف الدليل في صورةٍ وجب أن يُخَالَف الدليلُ بها عملاً برجحانها؛ فنحن حينئذٍ كَثَّرْنا موافقة الدليل لا مخالفته»

ولهذا نجد أن ابن تيمية رحمه الله أعمل القياس في مسألة المسح على الجورب وأنكر التفريق بينه وبين الخف فقال في مجموع الفتاوى: «فالقياس يقتضي ذلك فإن الفرق بين الجوربين والنعلين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة فلا فرق بين أن يكون جلوداً أو قطناً أو كتاناً أو صوفاً كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه ومحظوره ومباحه وغايته أن الجلد أبقى من الصوف فهذا لا تأثير له كما لا تأثير لكون الجلد قوياً بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى. وأيضاً فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء. ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقاً بين المتماثلين، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة ”  وعليه فلا يصح الإنكار على من أعمل القياس في هذه المسالة بحجة أن العلماء أجمعوا على منع ذلك. وقد أورد العلامة أحمد شاكر في مقدمة رسالة المسح على الجوربين للقاسمي أن الأزرق بن قيس قال ” رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجه ويديه، ومسح على جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليها، فقال إنهما خفان، ولكنهما من صوف ” وهو حديث موقوف على أنس فعلا وقولا، وقد بين فيه أن الخف أعم من أن يكون من الجلد وحده وأنه يشمل كل ما يستر القدم، فالجورب خفٌ ولكنه من صوف». فتأمل!

7- متفرقات مهمة حول مسألة المسح.

بعد أن بينت أصول المسألة أود الإدلاء برأي الشخصي حول بعض القضايا التي تثار حولها:

– إن الرخص هي منح إلهية وتعبير عن بعض الصفات العليا كالرحمة والحكمة واللطف…، وهي خير دليل على أعظم مقاصد التشريع وهو التيسير ورفع الحرج والآصار، أما تكثير الضوابط والشرائط في الرخص دون دليل صريح فإنه يفضي لعكس المقصود من تشريعها، ويكفي للمسح على الجورب أن يكون مما يحقق المقصد وهو تسخين القدم ودفئها في الشتاء، مع بعض الشروط التي ذكرتها آنفا.

– الثقب في الجورب لا يمنع من المسح عليه قياساً على الخف،  قال ابن تيمية رحمه الله: «أن كل خف يلبسه الناس ويمشون فيه فلهم أن يمسحوا عليه وإن كان مفتوقاً أو مخروقاً من غير تَحديد لمقدار ذلك فإن التحديد لا بدّ له من دليل» وروى عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: «امسح عليها ما تعلقت به رجلك وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة مشققة مرقعة»

– إذا كان في الجورب رائحة بسبب طول مدته على الرجل أو غير ذلك، فلا يجوز لصاحبه دخول المسجد والوطء على فرشه، روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أكَلَ ثُومًا أو بَصَلًا، فليعتزلنا، أو قال: فليتعزل مسجدنا وليقعد في بيته»

– ينبغي أن لا يضيق على الناس ونحرمهم من هذه الرخصة المعتبرة بحجة قاعدة الخروج من الخلاف أو الأخذ بالأحوط،…

فتلك مسالك وقواعد صحيحة المُستند، مباركة الأثر، ولكنها غير مُطْلَقة، ولا تتنزل إلا وفق ضوابطها وآدابها وإلا جاءت مناقضةً لأصول كُليةٍ عظيمة، وأوقعت الناسَ في حرج شديد، بل أوقعت الفقهاء أنفسهم في تناقض يعسُر دفعه، وانقلبت أحكام الشريعة السمحة إلى حزمة من الأحوطيات !

والأخذ بالأحوط إن كان جالباً للمشقة والعنت والتضييق فإنه غير معتبر، قال الشاطبي رحمه الله- في الموافقات «المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال».

وقال ابن الهمام: «وكونُ الإنسان يتبعُ ما هو أخفُّ على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد: ما علمت من الشرع ذمَّه عليه، وكان ﷺ يحبُّ ما خفَّفَ عن أمته.»

– نحن في زمن رق فيه دين كثير من الناس لأسباب يعسر حصرها، فإن وجدنا رخصة معتبرة دلت عليها مجموع النصوص، وقال بها خير القرون، وكان مستندها متجهاً، فإن الإفتاء بها أولى، وقد تفطن شيخ المالكية الإمام محمد عليش لهذا الملحظ فقال «وأما التقليد في الرخصة من غير تتبع، بل عند الحاجة إليها في بعض الأحوال خوفَ فتنة ونحوها؛ فله ذلك».

هذا توضيح لبعض الأحكام المتعلقة بهذه المسألة، وقد توسعت قليلا في البيان نظرا لتزايد الحاجة لمعرفة هذه الأحكام في عصرنا الحديث، وتعلقها بركن الصلاة العظيم بركن الصلاة.

والله أعلم وعلمه أحكم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى