آراءمقالات

بين العمولة والعمالة!

د. ونيس المبروك
Latest posts by د. ونيس المبروك (see all)

منذ اندلاع  الانتفاضة «ثورة الشعب» في 15 فبراير 2017م، حتى يومنا هذا يناير 2021م ، ونحن نتلمس الطريق للخروج من الأزمة المعقدة التي دخلتها البلاد.

 

هذه الأزمة التي زاد في تعقيدها وأوثق عقدها ، دخول وإدخال شرائح الشعب في حروب دامية، لأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية، شكلت قضايا حرجة  لامجال لذكرها.

 

استطاع أشقاؤنا العرب -دون استثناء- توظيف هذه القضايا الحرجة، واستنبات تلك البذور الكامنة، ثم سقيها بالمال والإعلام والدبلوماسية الدولية، حتى أنبتت شجرة خبيثة، أثمرت لنا فوضى عارمة أعادت ليبيا لعهد الوصايا الأجنبية بشكل مؤسف.

 

من سنن التاريخ، أن عامة الناس تنساق خلف سُراتها، وهم تَبعٌ لكبرائهم، وإن ادعوا خلاف ذلك!  ويتعذر عليهم -عادة- فهم  الأحداث الكبرى المركبة، ويعجز أكثرهم عن تفسير ما يجري تفسيرا موضوعيا علميا محايدا، أو فهم منطلقاته، ودوافعه، ومآلاته.

 

ومن سنن التاريخ أن الأمم والشعوب تتأثر بشكل مباشر في تقدمهاو تأخرها، أو في صعودها وهبوطها بما تنتجه النخب من أفكار وعلوم وتدابير، وما يقدمه القادة من رؤى للخروج من الأزمات والدفع بالمجتمعات نحو نهضة راشدة.

 

لازال بعضنا يقرأ المشهد الليبي قراءةً مجزأةً مفككة، و ينشغل ببعض المواضع والمواضيع دون بعض، وهذا منهج خاطئ عقيم  سيؤدي دائما إلى تكوين صورة مجزأة مفككة لا تحيط بأصول الأزمة وجذورها،  وهذه الرؤية المجزأة تجعلنا ننساق خلف حلول جزئية، ونغفل عن الإطار الجامع ، ونتقدم بمشاريع مشوهة، ومبادرات مبتسرة من نخب لا تملك رؤيةً للحل فضلا عن أهليةٍ للحديث فيه!

 

بما أن الطبيعة تأبى الفراغ ، فقد تمدد في فراغنا  المتعلق بالمشروع والرؤية والمنهج مبعوثي الأمم المتحدة، ومندوبي الأزمة من حلفاء أطراف الصراع عندنا  وبعض الرويبضات.

 

لكن أين دور «النخب» الليبية، من المفكرين والمثقفين والشيوخ والوجهاء؟

 

في تقديري أن هذه النخب المتنوعة انقسمت إلى أربعة اتجاهات أساسية.

 

الاتجاه الأول: آثر الانغلاق على نفسه أو من حوله، وفَقَدَ دوره في التعبير عن تطلعات الناس، والاستماع لصوت آمالهم ووجع آلامهم، وتراجعت قدرته عن متابعة الأحداث السياسية والاجتماعية والفكرية التي تجري على مسرح الأحداث فضلا عن المساهمة في إصلاحها.

 

الاتجاه الثاني: وقع بين ما يمليه عليه واجب الوطن وما يراه ويعيشه من واقع سيء، فهو يراوح بين الواجب والواقع، وظل ثابتا يسدد ويقارب، ويصبر ويصابر، وينصح ويحاور، يصيب ويخطئ لأجل تخفيف الضرر والتدرج في البناء ، قابض على الجمر كي لا يسقط لواء الإصلاح والنضال.

 

الاتجاه الثالث: خان أمانة العلم ودور المثقف، فآثر أن يكون عميلاً ( بالمفهوم الأعم ) لأحد أقطاب الصراع في الداخل والخارج، فأمسى منظرا لأفكارهم -إن كان لهم فكر- وقلماً لمطالبهم، وبوقاً لتمجيد المتبوع وحشد الجموع! بل ارتضى بعضهم أن يكون غطاءً يستر العورة وقناعاً يُخفي السوءة، وعُكّازا يهش به أقطاب الصراع على أغنامهم.

 

وهكذا صار المجتمع الليبي مزرعة مستباحة لاستنبات البذور الفكرية والسياسية والدينية الدخيلة، التي شوهت هويته واثارت الفوضى في جَنَبَاته، وتشرب شبابنا وبناتنا في غياب الرقابة والتوجيه أفكارا ميتة ومميتة، في الدين والدنيا معا.

 

الاتجاه الرابع: آثر أن ينتفع من حالة الحرب الدائرة بين أهله، وصنع منها  فُرصةً للغنى الذي قد لا يتكرر، وسُلماً للجاه المزور!

 

هذه النخب تنكّرت لمطالب شعبها ومعاناته اليومية،  وتموضعت في المجالس العليا والوزارات والمؤسسات السيادية والبلديات والسفارات و …، وباتت تَنْظر للمنصب على أنه مطية تبلغ بها المقاصدوتفاخر بها الأقران، وترى الوطنَ «غنيمةً» يجب أن ينهشوا منها بأكبر قدر وأوفر سهم، ولكنهم تخلصوا من عقوبة القانون الهش، وأعين الناس ورقابة المجتمع؛ بالتستر خلف مسلك  «العمولات» فأصبح لكل رجل منهم عصابة تسلخ له بدلا من أن يلطخ يداه !!

 

هكذا انشغلت بعض النخب بالعمولة والعمالة، وصار الشعب تحت حكم قيادات لا تملك رؤية وطنية خالصة، ولا مشروعا إصلاحيا متماسكا، ولا ينطلقون للعمل والبناء إلا بعد ضمانات تكفل لهم «العمولة» أو تنازلات تطيل عمر العمالة!.

 

سيبقى الأمل معقودا على النخب الليبية كي تقدم مشروعا لإنقاذ الوطن يقوم على مراجعات بنيوية للحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية في ليبيا، تُفرق فيه هذه النخب  بين الثوابت الدينية والوطنية التي لا تقبل المساومة بعمولة ولا الاستقواء بالعمالة، وبين المتغيرات والإجراءات والتدابير التي يمكن أن تكون مادة للتطوير والمراجعة بل حتى الإلغاء، وتتجنب مسلك الترقيع، والمغالطة، والتلاعب بالمفاهيم.

 

ليبيا تتطلع لعقد اجتماعي ثان، ولن يصلح لها إلا ثقافة الرداء، التي لا تُقصي أحدا  من الأبناء، ولا تستبعد الأكفاء  عن شرف وضع الحجر الكريم في زاوية البيت الوطني- كما سن النبي صلى الله عليه وسلم للمختلفين من أهل مكة.

 

كلنا أمل أن  ينفر من كل فرقة طائفة راشدة، لتقود قومها، وتضع رؤية ومشروعا لإصلاح ما فات، وبناء ما هو آت، وتسهم في بناء دولة مدنية راشدة، يتقدم فيها القوي الأمين، بعيدا عن استبداد فرعون  واحتكار قارون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى