بحوث ودراسات

د. وليد عبد الحي يكتب: وزن اللوبي اليهودي في القرار الاستراتيجي الأمريكي بين المبالغة والاستهانة

تمثل ظاهرة «جماعات المصالح» ظاهرة تاريخية عرفتها أغلب الحضارات بمستويات وأدوار مختلفة. وعلى الرغم من التمييز لدى بعض الباحثين بين جماعات المصالح، وجماعات الضغط، واللوبي، فإنها تتشارك في خاصية واحدة هي العمل على التأثير المباشر أو غير المباشر على القرارات الحكومية خدمة لجهة معينة داخلية أو خارجية، وتعمل على إنجاز ذلك من خلال:

1- طرح موضوعات محددة على جدول أعمال الحكومة، وتقديم الموضوع للحكومة بكيفية محددة للتأثير على سير القرار باتجاه الهدف الذي تبتغيه هذه الجماعة الضاغطة.

2- تزويد الهيئات الحكومية ذات الصلة بالموضوع بالمعلومات، خصوصاً التي تدعم غرض الجماعة وتعزز مبررات من يتبنى رأيها.

3- القيام بحملات إعلامية للتأثير على الجمهور الناخب (في حالة الانتخابات) أو على أعضاء السلطات المعنية بالقرار.

4- محاولة تقديم نشاطاتها على أنها لخدمة المجتمعات التي تقيم فيها، بينما هي تخدم مصالح جماعات محددة.

وقد تزايدت هذه الظاهرة بعد الحرب العالمية الثانية تحت وطأة العولمة، وما ترتب عليها من تداخل شديد بين مصالح الدول، بل وتماهي الحدود الفاصلة بين الدول والمجتمعات في بعض القطاعات كالاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم…إلخ.

وتعد الولايات المتحدة من بين الدول الأكثر وضوحاً في دور جماعات المصالح في تكييف السياسات المحلية والدولية، وعلى الرغم من أن القرار الأمريكي يشكل محصلة في أحد أبعاده لمساومات بين هذه الجماعات، فإن اللوبي اليهودي يمثل أحد هذه الجماعات التي تعرف جدلاً واسعاً حول وزنها في القرار الأمريكي، وحدود عملها، وحول مصادر تمويلها ونسبة المشاركة فيها، على الرغم من أن هناك لوبيات أخرى لا تقل أهمية عنها في تكييف القرار الأمريكي في بعض الجوانب وفي ظروف معينة، كما هو الحال مثلاً مع جماعات الضغط التايوانية أو شركات الأسلحة أو البترول…إلخ.

أولاً: اللوبي اليهودي ودوره في القرار الاستراتيجي الأمريكي:

من بين المؤشرات ذات الدلالة في دراسة وزن اللوبي اليهودي، هو مدى تعبير هذا اللوبي عن رؤية موحدة في القضايا السياسية ذات الصلة بالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، إذ تشير أغلب الدراسات المعاصرة إلى الملاحظات التالية:

1- هناك تزايد في التباين في التوجهات السياسية لليهود في الولايات المتحدة فيما بينهم تجاه «إسرائيل»، إلى جانب التباين بينهم وبين يهود «إسرائيل»، خصوصاً في القضايا الجوهرية للصراع العربي الإسرائيلي.

2- من الضروري التنبه إلى أن جماعات الضغط المساندة لـ«إسرائيل» ليست مقتصرة على الأعضاء اليهود، بل هناك بين أعضائها مسيحيون (خصوصاً من الإنجيليين)، وتقدر أحد أهم جماعات الضغط المسيحية المؤيدة لـ«إسرائيل» «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل» بأن عدد أعضائها تجاوز الـ 5 ملايين عضو، وقد تأسست هذه الجماعة الضاغطة من قبل أحد الكنائس المسيحية في تكساس.

3- إن هناك يهوداً أمريكيين يعارضون السياسات الإسرائيلية أو ليسوا معنيين بجماعات الضغط اليهودية، مما يعني أن تعبير اللوبي اليهودي أو الإسرائيلي هو تعبير فيه بعض «اللُبس»، ويكفي على سبيل المثال أن نشير إلى أن 44% من يهود نيويورك (وهي التي تضم أكبر تجمع لليهود في العالم بعد «إسرائيل») ليسوا على صلة بأي من المؤسسات الدينية أو غير الدينية اليهودية، كما أن هناك شخصيات يهودية من ذوي الخبرة في العمل مع جماعات الضغط اليهودية والانتساب لها بدأوا في نقد عمل هذه الجماعات، بل ويدعون للتوازن في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ثانياً: مؤشرات القوة للوبي اليهودي:

تتمثل أبرز أدوات التأثير للوبي اليهودي على القرار الأمريكي خصوصاً الاستراتيجي والتوجه العام للمجتمع الامريكي في المؤشرات التالية:

1- النفوذ المالي:

عند مقارنة ما تنفقه جماعات الضغط اليهودية مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية (أيباك)، ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى، و«المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل»، والمنظمة الصهيونية الأمريكية، والمعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وجماعة جي ستريت، وغيرها في الحملات الانتخابية (التشريعية والرئاسية)،

يتبين على سبيل المثال أنها أنفقت خلال الفترة 2016-2020 (فترة ترامب) ما يقارب 137 مليون دولار، وقد ذهبت هذه الأموال في سنة 2018 مثلاً إلى دعم 269 مرشحاً للنواب و57 مرشحاً للشيوخ، بينما أنفقت 3 دول عربية (قطر، والسعودية، والإمارات) في الفترة نفسها ما يقارب 379 مليون دولار لصالح جهات أمريكية لمساندة هذه الدول ضدّ بعضها البعض.

ويشير برنامج سياسي لفضائية صينية رسمية إلى أن التأثير الإسرائيلي في السياسة الأمريكية نابع من النفوذ المالي اليهودي، وذكر البرنامج أن من بين 40 شخصاً هم الأغنى في العالم، هناك 18 منهم من اليهود، وأن نفوذ هؤلاء الأثرياء اليهود يمتد للمؤسسات الصناعية والمالية والإعلامية وقطاعات الإنترنت.

ولكن من الضروري عدم المبالغة في حجم التدخل المالي لهذا اللوبي، فعند تحديد أعلى 50 لوبي في الولايات المتحدة لدعم المرشحين، نجد أن ترتيب اللوبي اليهودي هو في المرتبة 30، مع ملاحظة أن حجم الإنفاق لهذا اللوبي يتزايد خصوصاً في فترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

2- النفوذ الإعلامي:

ويتمثل عمل اللوبي اليهودي في هذا القطاع في تطويع الرسائل الإعلامية لتبرير السياسات الإسرائيلية والتأثير على توجهات الرأي العام الأمريكي، ويتم ذلك من خلال الترويج لأفكار معينة تخدم المصالح الإسرائيلية، أو اتهام كل من يتخذ موقفاً ناقداً للسياسات الإسرائيلية بأنه معادٍ للسامية.

وتظهر نماذج التأثير في وسائل الإعلام من خلال الضغط على هذه الوسائل بشكل مباشر أو غير مباشر لإخفاء الأخبار أو الصور التي تضر بـ«إسرائيل»، والتركيز على نقيضها، فعلى سبيل المثال تبين من تحليل الرسم البياني الذي يتناول عدد القتلى من الفلسطينيين والإسرائيليين في انتفاضة سنة 2000 في صحيفة نيويورك تايمز، أن نسبة تغطية أعداد القتلى الفلسطينيين كانت نحو 37% من عددهم، بينما كانت تغطية أعداد القتلى الإسرائيليين في الفترة نفسها هو 105%، أي أن الإشارة للعدد تكررت أكثر من العدد ذاته.

ويغلب على افتتاحيات الصحف والبرامج الحوارية في الوسائل الإعلامية ذات الصلة بجماعات الضغط تقديم الآراء التي تبرر السياسات الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين أو العرب بشكل عام عبر وسائل الإعلام وفي الجامعات، إلى جانب تزويد الهيئات الإعلامية بالمعلومات حول مختلف القضايا الخاصة بالصراع العربي الصهيوني ولكن بشكل يخدم السياسات الإسرائيلية، وتنظيم الحملات الإعلامية ضدّ الكتاب والهيئات التي تتخذ مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية.

3- النفوذ الانتخابي:

تقوم جماعات الضغط اليهودية بحث اليهود على المشاركة العالية في الانتخابات والتصويت لصالح مرشح معين، لكن الاطلاع على نتائج الانتخابات ونسب المشاركة بين اليهود وتوجهات تصويتهم في الانتخابات الأمريكية كشف لنا ما يلي:

أ. نسبة مشاركة اليهود في الانتخابات الرئاسية خلال الفترة من 1948 (أول انتخابات بعد قيام «إسرائيل») إلى سنة 2020 بلغت نحو 80%، وهي أعلى من المعدل العام لمشاركة المجتمع الأمريكي.

ب. من بين 21 انتخابات رئاسية أمريكية (منذ تأسيس «إسرائيل») ذهب أغلب أصوات اليهود إلى المرشح الديمقراطي فيها كلها، أي أن أغلبية أصوات اليهود ذهبت إلى الحزب الديمقراطي في كل الانتخابات.

ج. بلغ معدل تصويت اليهود للمرشح الديمقراطي خلال الفترة 1948-2020 ما نسبته 71.6%.

د. على الرغم من المعطيات السابقة فإننا لا نرى فروقاً جوهرية وذات طابع استراتيجي في سياسة الرؤساء الأمريكيين من الجمهوريين حيال «إسرائيل» عند مقارنتهم مع الديمقراطيين، أي إن تأثير التصويت لم يقدم لنا دليلاً على علاقة واضحة بين توجه اليهود في التصويت ونمط السياسة للرئيس المنتخب. فمثلاً على الرغم من أن الرئيس دونالد ترامب الجمهوري حصل فقط على 29% من أصوات اليهود في منافسته مع هيلاري كلينتون،

إلا أنه كان الأكثر انحيازاً «قولاً وفعلاً» تجاه «إسرائيل». وفي انتخابات 2020 أيضاً ذهبت أصوات اليهود إلى جو بايدن الديمقراطي بمعدل 76% مقابل 24% من أصوات اليهود لترامب، على الرغم من كل ما قدمه لـ«إسرائيل» في موضوعات الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري خلال توليه منصب الرئيس،

أي أننا لم نجد معامل ارتباط قوي بين توجهات التصويت لليهود وبين سياسات الرؤساء تجاه العلاقة مع «إسرائيل» بغض النظر عن انتمائهم الحزبي.

وتتعزز ملاحظاتنا السابقة بنتائج دراسة أكاديمية أمريكية حديثة قامت على منهج تحليل المضمون لألفَي تصريح أو بيان للرؤساء الأمريكيين خلال الفترة 1872-2020، وحاولت الدراسة التركيز على “صورة اليهودي” في ذهن الرؤساء الأمريكيين، ويتبين من هذه الدراسة أن لا علاقة بين موقف الرئيس من اليهود أو سياساته تجاه «إسرائيل»، وبين اتجاهات التصويت اليهودي سواء في الانتخابات للكونجرس أم للرؤساء،

بل إن الدراسة تعيد نص خطابات أو تصريحات للرئيس السابق ترامب يتهم فيها اليهود بعدم الولاء لأمريكا حين يصوتون للديمقراطيين وقال حرفياً: «إن اليهودي الذي يصوت للديمقراطيين هو شخص إما يفتقر للمعرفة أو الولاء»، وعلى الرغم من عدم تصويت اليهود له كما أشرنا سابقاً إلا أنه كان الأبرز في انحيازه لـ«إسرائيل».

ثالثاً: تمثيل اليهود في هيئات صنع القرار الاستراتيجي الأمريكي:

يشير العديد من الباحثين أن اليهود يعملون على «زرع» رجالهم في دوائر صنع القرار الاستراتيجي الأمريكي، ولتحديد مدى دقة هذا التصور، من الضروري بداية الإشارة إلى أن نسبة اليهود السكانية هي 2.1% من مجموع سكان الولايات المتحدة، لكن مقارنة هذه النسبة بنسب تمثيلهم داخل هيئات صنع القرار تبين لنا ما يلي:

1- لم يتمكن أي يهودي من الوصول إلى رئاسة الولايات المتحدة، بينما شكل الرؤساء البروتستنت 78% من مجموع الرؤساء الـ 46، على الرغم من أن نسبتهم السكانية هي 51.3%، وتولى كاثوليكيان فقط (جون كينيدي، وجو بايدن) الرئاسة على الرغم من أن نسبتهم السكانية 23.9%.

لكن الضرورة تقتضي التنبيه لموضوع الفروق في عدد الأصوات بين المترشحين للرئاسة لإدراك أهمية الصوت اليهودي، فقد تبين لنا من تحليلنا لنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية خلال الفترة 1948-2020 (وعددها 21 انتخابات رئاسية) ما يلي:

أ. إن معدل فوز الرئيس بنسبة 50% فما دون من الأصوات كان 13 مرة من أصل 21 انتخابات رئاسية، أي بنسبة 61.90%.

ب. إن معدل فوز الرئيس بنسبة فوق 50% إلى 55% من الأصوات كان 5 مرات.

ج. فاز الرئيس بأكثر من 55% من الأصوات ثلاث مرات فقط.

ذلك يعني أن الفارق بين الفائز والخاسر غالباً ما يكون هامشاً ضيقاً للغاية، وهو ما يسمح للمشاركة اليهودية العالية بالتأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية والترجيح في عدد الأصوات، وعليه فكلما كان الهامش ضيقاً كانت نسبة تأثير اليهود أعلى في التأثير على نتيجة الانتخاب.

2- أما تمثيل اليهود في الكونجرس الأمريكي (النواب والشيوخ) فإنه يتجاوز نسبتهم السكانية، فمثلاً يتبين أنهم منذ الكونجرس رقم 105 (1997-1999)، وحتى الكونجرس 117 (2021-2023) تراوحت معدلات تمثيلهم على النحو التالي:

عدد اليهود في الكونجرس الأمريكي خلال الفترة 1997–2023

عدد اليهود في الكونجرس الأمريكي خلال الفترة 1997–2023

وبتحليل الجدول السابق، يتبين لنا أن معدل تمثيل اليهود في آخر 13 كونجرس أمريكي هو 37 عضواً من أصل 535، وهو ما يعني أن نسبة تمثيلهم تساوي 6.91%، وهي نسبة تعادل أكثر من ثلاثة أضعاف نسبتهم السكانية.

3- تمثيل اليهود في رؤساء أو محافظي الولايات: على الرغم من التباين بين الولايات في إجراءات وأنظمة تولي منصب المحافظ، فإن عدد رؤساء الولايات من اليهود خلال الفترة 1950-2020 هو 17 رئيساً، وهو ما يجعل نسبة تمثيلهم في رؤساء الولايات أقل من نسبتهم السكانية، خلافاً لما هو عليه الحال في نسبة تمثيلهم في الكونجرس كما ذكرنا في الفقرات السابقة.

رابعاً: الغياب العربي وعدم تبني ديبلوماسية المقايضة بين المصالح:

عند المقارنة بين المصالح الأمريكية لدى العرب والمصالح الأمريكية لدى «إسرائيل»، فإن الفارق كبير لصالح الطرف العربي، سواء كمراكز للقواعد العسكرية الأمريكية، أم حجم مبيعات السلاح، أم كسوق تجاري، فحجم التبادل التجاري العربي الأمريكي سنة 2020 بلغ 45.66 مليار دولار، وفي سنة 2019 كانت القيمة 62.68 مليار دولار، مقابل تجارة مع «إسرائيل» بحجم 10.188 مليار دولار و14.402 مليار دولار على التوالي،

أي أن حجم التبادل التجاري العربي الأمريكي يساوي نحو أربعة أضعاف التجارة الأمريكية مع «إسرائيل». لكن هذه المزايا العربية لا تستخدم في «المقايضة» بين مصالح أمريكا عند العرب ومصالحها عند «إسرائيل»، ويكفي الإشارة إلى الكيفية التي قايض بها ماوتسي تونغ الإدارة الأمريكية لطرد تايوان من الأمم المتحدة سنة 1971، مقابل تغيير موقفه من الحرب الفيتنامية.

وهو ما يجعلنا نطرح السؤال التالي: لو أن العرب وضعوا الولايات المتحدة بين خيارين إما مصالحها عند العرب أو مصالحها عند “إسرائيل”، فهل يتمكن اللوبي اليهودي من دفع القرار الأمريكي باتجاه «غير براجماتي»؟ لا نعتقد ذلك.

خامساً: القرار الأمريكي عند تضارب المصالح مع «إسرائيل»:

نعتقد أن الحكم على وزن اللوبي اليهودي في القرار الأمريكي يجب أن يقوم على أساس مراعاة بُعدين هما:

1- إن تطابق المصالح الإستراتيجية بين أمريكا و«إسرائيل» يجب أن لا يحسب باستمرار وبالضرورة على أنه نتيجة لجهد اللوبي اليهودي، بل قد يكون التطابق نتيجة لمعطيات الواقع وضرورات إدارة السياسة الخارجية لكل من طرفي العلاقة.

2- إن تحديد وزن اللوبي في القرار الأمريكي يحتاج لمراقبة هذا الوزن عند تضارب المصالح الأمريكية العليا مع المصالح الإسرائيلية لمعرفة مدى تأثير اللوبي في تكييف القرار لصالح «إسرائيل» على حساب المصالح الأمريكية.

استناداً لما سبق، يجب أخذ الاعتبارات التالية في الحسبان عند تقييم وزن دور اللوبي اليهودي في القرار الأمريكي:

1- إن الاتجاه الأعظم في التاريخ هو أن الدولة العظمى هي التي تتحكم في الدولة الصغرى، فلم يقدم لنا التاريخ القديم والمعاصر نماذج كافية على أن الدولة الصغرى تتحكم في القرار الاستراتيجي للدولة العظمى، لكن بعض الدراسات الأمريكية المهمة تنطلق في مجال تحديد وزن اللوبي اليهودي في السياسة الخارجية الأمريكية من نقطة محددة،

وهي أن السياسة الأمريكية تعبير عن مساومات بين جماعات ضغط متنوعة ومتباينة، لكن جماعة الضغط الأكثر نجاحاً في شدّ السياسة الأمريكية نحو مصالحها هي جماعات الضغط اليهودية، والتي نجحت في زرع فكرة أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية متطابقة، وهو ما يفسر التناغم العالي في توجهات الدولتين. وتعد دراسة جون ميرشيمر وستيفن والت، هي الأبرز في هذا المجال.

وعلى الرغم من أن مثل هذه الدراسات تصب في مصلحة الطرف العربي، إلا أن المبالغة في دلالاتها قد يضخم حجم تأثير اللوبي اليهودي، وهو ما سنعمل على توضيحه لاحقاً في هذه الدراسة.

2- إن الاختبار الحقيقي لقياس مستوى التأثير لجماعات الضغط هو عند تصادم مصالح الدولة الصغرى مع الدولة العظمى، وهو ما يستدعي تحديد وزن اللوبي استناداً للمصفوفة التالية:

ويمكن تقديم عدد من النماذج التي تؤكد خضوع مصالح الدولة الصغرى «إسرائيل» لمصالح الدولة الكبرى (الولايات المتحدة) في حالة التعارض بين المصالح الإستراتيجية العليا، مما يعني أن وزن اللوبي في صياغة واختيار البديل الاستراتيجي للدولة العظمى يظهر في لحظات التناقض وليس في لحظات التطابق في الأهداف بين الطرفين، كما يتضح في الأمثلة التالية:

أ. العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956: بعد الغزو الإسرائيلي الفرنسي البريطاني لقناة السويس في يوم 29/10/1956، ساندت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (لدوافع مختلفة) قراراً في مجلس الأمن يطالب بانسحاب قوات الدول الثلاث، وهو ما تمّ تنفيذه من بريطانيا وفرنسا في كانون الأول/ ديسمبر 1956 بينما تلكأت «إسرائيل» في الاستجابة لدعوة الانسحاب، غير أن الولايات المتحدة طالبت «إسرائيل» بشكل لا لبس فيه بالانسحاب التام والسريع من سيناء، وهو ما نفذته «إسرائيل» في 6/3/1957، أي بعد أقل من خمسة شهور من الاحتلال.

وسبب ذلك هو تباين الرؤية الأمريكية مع الإسرائيلية في تلك الفترة من حيث تقدير أسباب ونتائج العدوان الثلاثي، بينما لم تتخذ الولايات المتحدة الموقف ذاته سنة 1967، لأن الولايات المتحدة في المرحلة الأولى كانت معنية بلجم نفوذ قوى الاستعمار التقليدي والمراهنة على التعاون مع مصر الناصرية، بينما كان الموقف الأمريكي في المرة الثانية مختلف تماماً، وهو ما يعني أن دور اللوبي اليهودي محكوم بمدى الاتساق الاستراتيجي بين الطرفين الأمريكي والإسرائيلي لا بقوته الذاتية.

ب. بيع طائرات الأواكس للسعودية سنة 1981 على الرغم من المعارضة الشرسة من اللوبي اليهودي: وعند اشتداد الأزمة وتوالي جهود اللوبي اليهودي لمنع الصفقة، قال الرئيس الأمريكي رونالد ريجان: «ليس من شأن الأمم الأخرى صناعة السياسة الخارجية الأمريكية»، وقال وزير خارجيته الكسندر هيغ، في تعليقه على معارضة اللوبي اليهودي للصفقة: «يجب أن يكون الرئيس متحرراً من قيود الاعتراضات الخارجية».

ج. منع «إسرائيل» من الرد على الصواريخ العراقية خلال حرب الخليج الثانية سنة 1991: وقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها إسحق شامير قرار عدم الرد بأنه من أقسى لحظات حياته خصوصاً بعد أن رفضت الولايات المتحدة فكرة الرد الإسرائيلي على الصواريخ العراقية، وحذرت «إسرائيل» من ذلك، مما تسبب في تشنج العلاقات بين شامير والرئيس الأمريكي جورج بوش ولم يتمكن اللوبي اليهودي من التأثير في القرار الأمريكي نهائياً.

د. إجبار «إسرائيل» على التخلي عن الاتفاق مع الصين بخصوص التعاون العسكري ودفع الغرامة للصين: فقد اتفقت «إسرائيل» والصين على التعاون التكنولوجي في مجال قطع غيار وتكنولوجيا الطائرات المسيرة،

وبعد أن تكشف الاتفاق سنة 2005، أجبرت الولايات المتحدة «إسرائيل» على إلغاء الاتفاق، واضطرت «إسرائيل» لدفع التعويضات للصين بسبب الإلغاء، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أن الصفقة تضر «بالمصالح الأمريكية». ولم يتمكن اللوبي من تغيير هذا التوجه على الرغم من الحرص الشديد من «إسرائيل» على العلاقة مع الصين.

هـ. الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد: في سنة 1985، تمّ اعتقال الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد الذي كان يعمل في البحرية الأمريكية بتهمة التجسس لصالح «إسرائيل»، ونقله معلومات حساسة لها، وصدر الحكم عليه بالسجن مدة ثلاثين عاماً،

وقد بذل اللوبي اليهودي ورؤساء الوزارات الإسرائيلية المتعاقبة جهوداً مضنية للإفراج عنه دون جدوى، وبقي في السجن إلى أن أكمل مدة الحكم عليه، ورأت الحكومة الأمريكية أنه مارس نشاطاً يضر بالمصالح الأمريكية على الرغم من أنه يفيد المصالح الإسرائيلية.

و. عدم قدرة «إسرائيل» على تعطيل الاتفاق النووي الإيراني في فترة باراك أوباما، ولا تعطيل العودة للمفاوضات حوله في فترة جو بايدن: وتدل مراجعة التصريحات الإسرائيلية حول الاتفاق زمن الرئيس الأمريكي أوباما،

ثم التصريحات بعد تولي جو بايدن الرئاسة على ضغوط إسرائيلية متتالية لمنع توقيع الاتفاق ثم لمنع العودة له، لكن هذه الجهود حتى الآن لا تشير إلى تطورات لصالح الطرف الإسرائيلي في هذه النقطة تحديداً.

وعلى الرغم من الجهود الإسرائيلية والتركيز على أن الاتفاق يضر بالمصالح الإسرائيلية، إلا أن الطرف الأمريكي يسير في اتجاه معاكس.

ز. من الضروري الإشارة إلى أن اللوبي اليهودي بذل مجهوداً كبيراً في سنة 2014 لتوسيع نطاق الحصار والعقوبات على إيران، لكنه لم يتمكن من تحقيق نسبة مهمة من مطالبه. لكن توسيع نطاق الحصار بعد ذلك كان نتيجة للرؤية السياسية لترامب، الذي كما أشرنا لم يصوت له إلا 29% من اليهود.

3- من الضروري التنبه إلى أن جماعات الضغط اليهودية ليست متسقة دائماً في توجهاتها السياسية الخاصة بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فمثلاً هناك خلافات معلنة بين هذه الجماعات مثل الخلافات حول الاتفاق النووي الإيراني وكيفية التعامل معه، أو موضوع حلّ الدولتين في الصراع العربي الصهيوني.

كما أن التباين في توجهات المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة والتي تنعكس داخل جماعات الضغط اليهودية تتضح في عدد من المؤشرات طبقاً لاستطلاعات الرأي العام اليهودي الأمريكي:

أ. الفروق الكبيرة بين المتدينين وغير المتدينين في درجة ارتباطهم بـ«إسرائيل» وتاييد سياساتها.

ب. الفروق الكبيرة بين الشباب والكهول في التوجهات نحو «إسرائيل».

ج. الفروق الواضحة بين توجهات اليهود الديمقراطيين واليهود الجمهوريين.

4-  القلق المتزايد بين جماعات الضغط اليهودية حيال تراجع القيمة الإستراتيجية للشرق الأوسط في السياسة الأمريكية واحتمالات انعكاس ذلك على المكانة الإسرائيلية في السياسة الخارجية الأمريكية مستقبلاً.

وتشير بعض الدراسات في هذا المجال إلى بعض الظواهر «الأولية» والتي تخشى «إسرائيل» من تزايدها في المستقبل مثل:

أ. تراجع المكانة الإستراتيجية للشرق الأوسط في الإستراتيجية الأمريكية مقابل تنامي المكانة الإستراتيجية لمنطقة الباسيفيكي، وبالتالي تراجع الدور الأمريكي مستقبلاً في الشرق الأوسط، وهو أمر يبدي اللوبي تخوفاً متكرراً منه.

ب. تزايد أفراد النخب الفكرية الأمريكية الناقدة لـ«إسرائيل» واعتبارها عبئاً أكثر من كونها عوناً، لا سيّما مع تزايد النظرة السلبية لدى الرأي العام العالمي تجاه السياسات الإسرائيلية بشكل مضطرد، وهو الأمر الذي تؤكده استطلاعات الرأي المعتمدة.

وتكفي الإشارة في هذا المجال الاطلاع على المقال الذي كتبه ستيفن والتز في أيار/ مايو 2021، والذي يعد أحد أبرز علماء العلاقات الدولية في الولايات المتحدة، والذي يدعو فيه لإنهاء العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» نظراً لأن أعباء هذه العلاقة أصبحت تفوق مكاسبها.

ج. تزايد التباين في التوجهات داخل المجتمع اليهودي الأمريكي تجاه السياسات الإسرائيلية، وتزايد التباين بين يهود «إسرائيل» واليهود الأمريكيين، وهو ما يؤثر على دور وفاعلية اللوبي اليهودي،

بل أصبح يترك بصماته على التنافس بين جماعات الضغط اليهودي ذاتها، كما يتضح من التنافس بين الأيباك والجي ستريت التي تأسست سنة 2007 كمنافس للأيباك، حيث تعارض هذه المنظمة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية،

وتطالب بأن تكون المساعدات المالية الأمريكية لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين، كما تؤيد حلّ الدولتين، ناهيك عن أنها تؤيد الاتفاق النووي الإيراني.

د. تزايد الدعوات في الولايات المتحدة لتقليص المساعدات المالية للدول الأخرى. ويتخوف الإسرائيليون من أن يمس هذا التقليص المساعدات الأمريكية لـ«إسرائيل».

5- طبيعة السياسة الأمريكية هي ذاتها في كل مناطق العالم، ويكفي أن نشير إلى أن الولايات المتحدة وطبقاً لمكتب خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي تدخلت عسكرياً في مناطق العالم المختلفة خلال الفترة من 1948 (تأسيس «إسرائيل») إلى 2017 (فترة حكم ترامب)، ما مجموعه 188 مرة.

كما حاولت خلال الفترة 1947-1989 تغيير النظام السياسي في عدد من دول العالم بواقع 72 مرة، أي بمعدل 2.72 تدخلاً في العام الواحد، أي أن جوهر سياساتها الخارجية هي العدوان والتدخل في الدول الأخرى لضمان مصالحها بالقوة العسكرية.

وعليه، فإن السياسة الأمريكية في المنطقة العربية لا تختلف كثيراً من حيث الجوهر عن سياستها في كل المناطق الأخرى التي لا دور فيها لجماعات الضغط اليهودي، فسياستها في جوهرها هي ذاتها بغض النظر عن وجود اللوبي أو عدم وجوده.

الخلاصة:

يبدو لنا أن الاستهانة بدور اللوبي اليهودي في التأثير على القرارات الأمريكية غير الإستراتيجية أمر مضلل ولا يساعد على فهم ملابسات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط،

كما أن المبالغة بالمقابل في اعتبار اللوبي اليهودي متحكماً في القرار الاستراتيجي الأمريكي يقود إلى النتيجة ذاتها التي تتركها الاستهانة.

إن السياسات الأمريكية في كل مناطق العالم هي ذاتها من حيث الجوهر سواء في الشرق الأوسط أم غيره من الأقاليم الجيو-استراتيجية في العالم،

وسواء أكان هناك لوبي يهودي أم لم يكن فإن جوهر القرارات الإستراتيجية الأمريكية المعبرة عن المصالح العليا سيكون هو ذاته، أما القرارات الخاصة بالمصالح الدنيا فقد تكون أكثر قابلية للتكييف من قبل اللوبي اليهودي.

إن تطابق السياسات الأمريكية الإسرائيلية بحكم الطبيعة التي تجمع الطرفين كدول استعمار استيطاني، إلى جانب التداخل في التراث الديني لا سيّما مع الغالبية البروتستنتية في المجتمع الأمريكي، هو ما يجعل البعض يبالغ في دور اللوبي،

لكن الخبرة التاريخية تشير إلى أن تضارب المصالح الاستراتيجية العليا ينتهي في القرار الأمريكي لصالح أولوية المصالح الأمريكية على الإسرائيلية.

إن غياب المقايضة العربية للولايات المتحدة بمصالحها الهائلة في العالم العربي يضمن للولايات المتحدة مصالحها لدى العرب ولدى «إسرائيل»،

مما يوسع هامش المناورة للوبي اليهودي، ومن الضروري للباحثين العرب العودة إلى المقايضة الصينية الأمريكية في علاقات واشنطن مع تايوان كما أشرنا سابقاً في هذا البحث.

المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى