آراءمقالات

انتصار طالبان ليس مؤامرة كونية

Latest posts by د. هشام كمال (see all)

مقالات الأمة | لا يزال البعض -رغم الحقائق الناصعة على الأرض- يبالغ ويقول:إن ما حدث في أفغانستان مجرد مقدمة للقضاء على البلد كلها وليس القضاء على طالبان فحسب!

فرغم هزيمة أمريكا في فيتنام وخروجها منها مرغمة ومعترفة بالهزيمة النكراء، ورغم الهزيمة الواضحة لقوات حلف الناتو في أفغانستان،

ورغم الانتقادات الحادة -على مستويات عدة، منها السياسي والإعلامي-

التي يواجهها بايدن وإدارته حاليا بسبب الانهيار السريع لحكومة العملاء في كابول،

إلا أن البعض لا يزال يشكك، ويعتبر أن ما يحدث ليس إلا محض مؤامرة أمريكية غربية!!!

يقولون: لماذا سكت العالم هذه المرة عن أفغانستان وعن الطلبة؟

وهل سكت العالم فعلا كما يقولون؟!

لم يسكت العالم يا سادة، بل قوات الناتو في حالة حرب منذ 20 سنة ضد طالبان في أفغانستان،

وقد أنهكتهم طالبان بحرب العصابات التي شنتها ضدهم طوال تلك الفترة،

ولم يستطع العملاء الوقوف في وجه طالبان،

فاضطرت الولايات المتحدة إلى الدخول في مفاوضات مضنية في الدوحة،

تم الاتفاق بموجبها على الانسحاب من أفغانستان،

حيث لم تعد هناك إمكانية لتحمل تبعات الاحتلال ونفقاته والتداعيات المترتبة عليه،

لاسيما وأن هناك قوى عالمية كبرى أصبحت تشكل تهديدا أكبر على أمريكا،

حسبما يراه المسئولون الأمريكيون أنفسهم، بما في ذلك التهديد الصيني والتهديد الروسي،

والذي ترى أمريكا أنهما يشكلان أكبر التهديدات عليها في الفترة المقبلة.

من ينظر في إستراتيجية الدفاع الجديدة التي انتهجتها الولايات المتحدة منذ عام 2017،

والتي وضع أسسها جيم ماتيس، وزير الدفاع الأسبق، وأرسى دعائمها خلفه مارك إسبر،

والذي كان ينظّر لها في العديد من المؤسسات البحثية -مثل أتلانتيك كاونسيل ومؤسسة التراث، وغيرهما-

والفعاليات والمحافل والمنابر المختلفة داخليا وخارجيا،

من ينظر في تلك الإستراتيجية يدرك بوضوح أن الولايات المتحدة باتت تنظر للصين وروسيا كأكبر التهديدات التي تواجهها مستقبلا،

ولذا شرعت أمريكا في إجراء تغييرات هيكلية وفنية كبيرة في قواتها المسلحة،

بما في ذلك في العقيدة العسكرية، وشرعت في التخلي بالتدريج عن سياسة «مكافحة التمرد» عبر الدفع بقوات مسلحة أمريكية للاحتلال المباشر،

واستعاضت عن ذلك بالدفع بخبراء ومدربين عسكريين لتدريب القوات الحليفة -والعميلة- لها في عدة بقاع من العالم، بما في ذلك في منطقة الساحل الأفريقي.

أمريكا تراجع نفسها

وبناءً على ذلك، وبناءً كذلك على تعرضها للاستنزاف بقوة في أفغانستان والعراق،

درست أمريكا بجدية الانسحاب من العراق وأفغانستان وعدم التورط في المستقبل المنظور على الأقل في احتلال مباشر أو المشاركة بقوات كبيرة فيما يسمى في أدبياتهم بمكافحة التمرد.

الجدير بالذكر أن بعض الخبراء الأمريكيين حذروا في وقت قريب من التخلي الأمريكي عن سياسة «مكافحة التمرد»،

ودعوا إلى استبقاء قوات أمريكية في بعض مناطق النزاع،

حتى لا تفقد أمريكا نفوذها في تلك المناطق،

لكن القرار السياسي الأمريكي كان مبنيا على إستراتيجية دفاعية جديدة تمت دراستها وتم وضع أسسها منذ عدة سنوات بالفعل.

على ناحية أخرى، فإن القوات الأخرى التابعة لحلف الناتو لا تستطيع البقاء بمفردها في أفغانستان،

حيث كانت تشكل أمريكا الجزء الأكبر من قوات الناتو،

علاوة على عدم قدرة قوات تلك الدول تحمل فاتورة تواجدها في أفغانستان من باب أولى إذا كانت الولايات المتحدة نفسها لن تستطيع تحملها.

ورغم الاستفادة الكبرى التي كانت تحظى بها الشركات الأمنية وشركات السلاح الغربية،

إلا أن بعضها بيع في الفترة الأخيرة، وكان اللافت اشتراط الملاك الجدد سحب قوات تلك الشركات ومعداتها من أماكن النزاع،

بما في ذلك من أفغانستان، رغم تحقيق بعض الشركات لأكثر من مليار دولار كأرباح خلال سنوات قليلة.

طالبان تستنزف قوات التحالف أكثر من 20 سنة

من جهة طالبان، فقد استنزفت الحركة قوات التحالف خلال صمودها المستمر لأكثر من 20 سنة،

مارس خلالها الطلبة سياسة طول النفس،

علاوة على ممارسة سياسات ناجحة في إدارة المدن والقرى التي كانت تسيطر عليها طوال فترة الحرب،

إضافة إلى خطاب إعلامي وشرعي نجحت من خلاله في تسويق نفسها ومعالجة بعض الآثار السلبية الناجمة عن تجربة حكمها السابقة التي استمرت من 1996 حتى 2001.

على الجانب الخارجي،

نجحت طالبان خلال فترة الحرب في مواصلة بعض علاقاتها الخارجية،

والحفاظ على قدر جيد من العلاقات السياسية مع بعض الشخصيات المؤثرة والنافذة وكذلك الدول التي كانت تقوم بدور الوسيط بينها وبين المحتل.

واللافت أن طالبان كانت تتجنب بشكل كامل التعامل -أو حتى الاعتراف- بحكومة العملاء التي فرضها الاحتلال،

بل كانت تتعامل دائما على أنها الإمارة الإسلامية الشرعية التي تم الاعتداء عليها..

وإسقاط نظام حكمها بحرب عالمية استُخدم فيها كذلك عملاء محليون، كان البعض منهم بدرجة «مجاهدين» سابقين.

ومن منطلق قوة طالبان وإصرارها على التعامل بندية كاملة،

وتجاهلها للعملاء وعدم اعتبارها لهم،

اضطرت الولايات المتحدة أن تجلس مع الطلبة في مفاوضات مباشرة بوساطة قطرية،

نتج عنها اتفاق الانسحاب الأمريكي الكامل من التراب الأفغاني.

لغة القوة التي مارستها طالبان، علاوة على صلابتها تجاه العديد من القضايا المتعلقة بنظام حكمها،

والقضايا الأخرى المتعلقة بالعملاء، والقضايا المتعلقة بالرفض القاطع لإقامة ما يسمى بحكومة وفاق أو حكومة وحدة وطنية،

وما شابه ذلك، لرفضهم وضع أيديهم في أيدي العملاء، ورفضهم المساومة على إعادة إقامة نظام الإمارة الإسلامية،

وسياساتها الداخلية والخارجية الناجحة طوال فترة الحرب،

كل ذلك وغيره كان من العوامل التي ساهمت في تسريع وتيرة سقوط الحكومة العميلة التي نصبها الاحتلال في كابول منذ 20 عاما.

دروس الحرب وما ترتب عليها

دروس تلك الحرب وما ترتب عليها من انتصارات لطرف وهزيمة لأطراف أخرى، لا يمكن حصرها في مقال سريع كهذا،

ولكن نظرية المؤامرة التي عششت في أذهان الكثير من المسلمين لا تصلح لتفسير الأحداث، لاسيما مع وجود حقائق ناصعة،

ومع وجود تغيرات كبيرة وجذرية في استراتيجيات بعض الدول الكبرى،

لاسيما الولايات المتحدة، التي تعتبر الطرف الأكبر الخاسر في تلك المعركة.

من أراد معرفة المزيد عن أسباب ما حدث، فلابد له من الاطلاع على المستجدات، بالأخص الموجودة على أرض الواقع،

وكذلك ما خطه العديد من الكتاب والصحفيين القريبين من الأحداث في أفغانستان والولايات المتحدة،

وأيضا الاطلاع على ما كُتب منذ عدة سنوات في مجال العقائد العسكرية للقوات المسلحة الأمريكية،

بما في ذلك العقيدة العسكرية للجيش الأمريكي (القوات البرية)،

والتي كان لها نصيب كبير في التغييرات التي طالت إستراتيجية الدفاع الأحدث للولايات المتحدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى