آراءبحوث ودراسات

د. نعمان أبو الليل يكتب: مقارنه بين فقه الدعوة وفقه التعليم

Latest posts by د. نعمان أبو الليل (see all)

الدعوة لتوضيح الواضح.. والفتوى لتوضيح الغامض.

قوة المعلم بالمعلومات، وقوة الداعي بالصفات التي تجذب الناس: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ).

قال تعالي: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ) وما قال إنا وجدناه عالماً، مع أن الأنبياء هم اعلم الناس، فمدحه بصفه الصبر.

طالب علم راغب عنده قيام ليل وأحياناً معلمه ليس عنده قيام الليل، ففي قصه الأخدود: قال المعلم الراهب لتلميذه الغلام أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أري! وإنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تدل علي.. عندما اشتغل بالدعوة أصبح أفضل من معلمه، وبعد الدعوة تأتي المشاق علي الداعي (وإنك ستبتلي).

في جهد الدعوة: ترغيب وترهيب.. إكرام.. دعاء بالليل. وفي جهد التعليم: المعلومات تتغير من يوم إلي يوم، ومنهاج التعليم يتغير ويتنوع.. أما منهاج الدعوة ثابت لا يتغير: (خذ العفو) دائماً.. (واصبر وما صبرك إلا بالله) (فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ) (اصبر علي ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب) (فاصبر علي ما يقولون وسبح بحمد ربك) (واصبر علي ما يقولون واهجرهم هجراً جميلا).

كل الآيات في الدعوة تأمر بالصبر (منهاج ثابت).. سيدنا نوح عليه السلام ظل يقول لقومه من أول يوم حتى هلاكهم (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا) لأن الجهد علي القلب ما يختلف أبداً.. البسمة سلاح كل داعي.

صاحب يس دعا إلي الله عز وجل وما قرأ آية ولا حديث.. لو كان أبو هريرة في مكة ما كان يتسنى له أن يروي حديثاً واحداً.. ثروة الحديث النبوي، في ميدان التعليم بالمسجد النبوي.

في التعليم يلزمنا ثروة الحديث.. وفي الدعوة يلزمنا أن نقوم بالخدمة والصفات والأخلاق الحسنة.. والذي لا يعرف قدرك أعرف قدره.. والذي لم يعطك حقك فأعطه حقه وأطلب حقك من الله عز وجل (تكن داعياً).

ليس في التعليم مشاعر.. أما في الدعوة هموم ومشاعر وأحزان ودعاء ومتابعه علي الدوام.

التعليم فيه شخصيتان: (معلم، طالب علم) فالداعي يأخذ صفات الطالب وليس المعلم، مثل التودد والتواضع للمدعو، فيتودد لكل الناس بشتى الصور.

كلام الدعوة يحتاجه الداعي والمدعو، أما المعلم فلا يحتاج إلا علمه عكس الطالب.. ولكن الداعي يحتاج إلي كل كلمه يقولها.

في التعليم لا ينشغل المعلم بالطالب.. وفي الدعوة ينشغل الداعي بالمدعو، حتى يمرنه علي القيام بالأعمال في جميع الأحوال.

المعلم لا يفرض التعليم علي كل الناس، ولكنه مثل الصيدلي يصرف الدواء حسب احتياج المريض.

كل التعليمات في المدرسة للطالب، وليست للمعلم.. أما كل التعليمات في القرآن للداعي إلي الله عز وجل حتى يثبت علي دعوته أمام المشاكل التي تواجه في الداخل والخارج.

جهد التعليم جهد خاص (مفتي.. مفسر.. مجود) هذه مواهب ليست متوفرة عند كل الناس، ولذلك هي فرض كفاية (تعلم علم المسائل).

جهد الدعوة جهد الأمة كلها، فهو ميسر للجميع، كل إنسان يصبح داعية بأخلاقه وصفاته.

الأمة كلها مؤهله للدعوة، وليست مؤهله كلها لتتعلم.

يستطيع الواحد أن يصبح داعياً مثالياً بالفطرة، مثل صاحب يس دعا بفطرته بدون أن يعلمه أحد أو يوجهه أحد.. فالدعوة جهد فطري، والتعليم جهد كسبي.

تأمل في سورة القمر تجد أن التيسير جاء بعد قصص الدعوة، وما جاء بعد التعلم، بعد ذكر قوم نوح (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وبعد ذكر قوم عاد(ولقد يسرنا) وبعد ذكر قوم ثمود (ولقد يسرنا) وبعد ذكر قوم لوط (ولقد يسرنا) فقد يسر الله عز وجل الدعوة وفقه الدعوة.

كلمة: (قل) وردت في القرآن حوالي ٣٥٠ مرة: (قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده) (قل فلم تقتلون أنبياء الله) (قل هو الله احد) الآيات كثيرة، والقرآن كله دعوة.. والله عز وجل يقول لنا: (بلغ ما انزل إليك من ربك) ويقول لنا (قل…) ونحن نسكت!

الفرق بين مؤمن يس ومؤمن آل فرعون:

أن مؤمن يس، قال لقومه: (يا قوم اتبعو المرسلين) وما قال: (اتبعوني) لأنه مسلم جديد أسلم حديثاً، فليس عنده علم ولا منهج ولا بينة، ولكن عنده دلالة علي غيره. أما مؤمن آل فرعون، فإنه مؤمن قديم، ولذا قال (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ). وأما مؤمن يس: سجله الله عز وجل من كبار الدعاة مع قلة معلوماته، قال: (يا قوم) وكذلك الأنبياء تقول: (يا قوم).

هناك فاصل زمني بين المعلم والطالب، فالمعلم دائماً اكبر من الطالب.. ولكن في الدعوة ليس هناك فاصل زمني بين رجل عنده ٤٠ سنه يوجه الناس للشر ثم بعد الدعوة يهتدي، فيوجه الناس للهداية، فيستوي هو والقديم الذي سبقه بالدعوة.

ليس هناك رسوب في الدعوة.. أما في التعليم يوجد قابليه للرسوب والنجاح.

كل داعي معلم، وليس كل معلم داعي، ففي الحديث قال: قال رسول اللهﷺ: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون علي معلمي الناس الخير أو كما قال. كل فضائل التعليم يأخذها الداعية ولو كان قليل العلم.

الطب علم قضاء الحاجة، وممكن أن تتعلمه من الكفار.. أما الدعوة علم القيام علي المقصد.

مهنة الطب ليست لتحقير المريض، ولكن رحمة له، وليست الدعوة لتحقير الناس وتصنيفهم: هذا فاسق.. هذا مبتدع.. هذا كافر.. بالفطرة (يا قوم اتبعو المرسلين).

العلماء مثل الذهب النادر.. والدعاة مثل الذهب الشائع.. وكل الأمة ذهب إذا قامت علي الدعوة.

الداعي لا يطلب منزله اجتماعية: (وقال إنني من المسلمين)

الداعي لا يطلب شهره في زمانه، بل بعد موته (واجعل لي لسان صدق قي الآخرين) فالداعي الذي يطلب شهرة تسقط دعوته.

إبليس (عليه لعنة الله) بفساد فطرته ندب نفسه لإفساد البشرية، وما كلفه أحد بذلك، وما سأل عن شرعية عمله.

وصاحب يس بجمال فطرته ندب نفسه لهداية البشرية، ما أحد كلفه، وما سأل عن شرعية عمله.

وكذلك الداعي بجمال فطرته يندب نفسه، ويضحي بماله ونفسه ومركزة وشهرته وجاهه من اجل هداية الخلق.

الصحابة الكرام ما سألوا الرسولﷺ عن الدعوة أفرض كفاية أم فرض عين؟ بل دعوا إلي الله عز وجل بجمال فطرتهم.

من السابق نفهم أنه إذا كانت الدعوة ثقيلة علي المسلم، إذاً فطرته تحتاج إلي طهارة لأنها ملوثه.. والدعوة الانفرادية تطهر ذلك.

إذا جاءت الصفات، تأتي الصفات بمعني: أن الصفات تولد الصفات وتنشرها فمؤمن يس تأثر بصفات الدعاة، فأصبح داعياً.

  • الكفار نظروا إلي دنيا الأنبياء فلم يهتدوا، ولكن لو نظروا إلي صفاتهم لتغير الحال وقبلوا الهداية.

بساطة الدعوة والداعي جعلت الناس ما يفهمون مقصد الدعوة:. (وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ۚ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا).

الداعي معروف بليله إذا نام الناس.. ونهاره بدعوته وكرمه وأخلاقه مع من يدعوهم.

الداعي يغزو الدنيا كلها مثل ربعي ابن عامر يقول لرستم: إن الله ابتعثنا!

الداعي مثل الغواصة تغوص في الماء ولا يدخل فيها الماء، فهو يغوص في أهل الباطل، ولا يدخل فيه الباطل.

الداعي لا يعبأ بكيفية موته، ولكن كيف يحي الدين ولو بسبب قطرات دمه، مثل: غلام الأخدود.

اللهم وفقنا لجهد حبيبك، علي منهاج حبيبك، حسب مرضاتك..

اللهم صلى وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى