آراءبحوث ودراسات

د. منير لطفي يكتب: الرّجُل الأُمّة

Latest posts by د. منير لطفي (see all)

كلمة طيّبة نبتَت في ريف مصر، وشجرة طيّبة ارتوَت بنور الوحي؛ اقتدى والدُه بامرأة عمران، فعزم قبل ولادته على تسميته محمّدا، وبيَّت النيّة على نذْره لدراسة العِلم الشريف الذي تفيض أنهاره في أروقة الأزهر جامعا وجامعة، ثمّ ذهب الوِزرُ وثبَت الأجْر بعد أن وفَّى الوالدُ بالنذْر، فاستوى النبْتُ على سوقه، وصار دوحة فكريّة مبارَكة، تُبرِز هداية السماء فتُجلِّيها أمام ناظرَي مَن جهل، وتَدحض الشبهات والأباطيل فتصفع بها وجه مَن تطاول وبغَى..ذلكم هو المفكر العلامة محمد عمارة الذي رحل عن عالمنا مساء جمعة الثامن والعشرين من فبراير 2020م عن عمر ناهز  88 عامًا..

اللهم ارحم د. محمد عمارة

مدحه رئيس رابطة علماء المسلمين (القرضاوي) بقوله: “هو أحد مجدّدي القرن الخامس عشر الهجري، الذين هيأهم الله لنصرة الدين الإسلامي من خلال إجادته استخدام منهج التجديد والوسطية، ومن خلال صولاته وجولاته القوية في تعرية أعداء الإسلام”. ووصفه المفكّر التونسي راشد الغنوشي بأنه كاسحة ألغام أمام الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية، ثمّ عَدَّ نفسه تلميذا من تلاميذه الكُثر، وثمرة مِن ثمار مدرسته الفكرية الإسلامية. وقد منحتْه الدولة جائزتها التشجيعية عام 1976م عن كتابه (دراسة الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي)، بينما أهدتْه جمعية أصدقاء الكتاب في لبنان جائزتَها عن كتابه (دراسة الأعمال الكاملة لمحمد عبده) وذلك في عام 1972م.

 

نشأ في أحضان أسرة زراعية متوسّطة؛ فحفظ القرآن قبل الحُلُم، ودرس في الأزهر حتى أتمّ تعليمه الثانوي، ثمّ شدّ مئزر العلم ورحل إلى قاهرة المعزّ؛ فالتحق بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، والتي تدرِّس العلوم الشرعية بأسلوب حداثي تجديدي راق له عن الأسلوب الأزهري العتيق، وفيها حصل على درجة الليسانس، ثمّ درجتي الماجستير والدكتوراه في تخصّص الفلسفة الإسلاميّة، ليطلِّق عندها الوظيفة العموميّة التي اعتبرها نوعا من الرقّ وضربا من العبوديّة، ومتخِّذا بذلك أخطر وأهمّ قراراته الحياتيّة، وهو التَفرّغ للعمل الفكري والمشروع الحضاري الذي اختطّه لنفسه بعدما لمس حاجة الأمّة الماسّة إليه، ووجد في نفسه ميلا إلى الانشغال به؛ وهو المشروع الذي عبّر عنه من خلال مقالاته في الجرائد والمجلات، وإسهاماته في التأليف والتحقيق، ومشاركاته في شتى وسائل الإعلام ومنابر الدعوة، وعضويّته في مجمع البحوث الإسلامية، ورئاسته لتحرير مجلة الأزهر على مدار أربع سنوات. وفي هذا كلّه، كان متبنِّيا لقضايا الحريّة والعدل الاجتماعي، وناهِجا نهج التجديد والنهضة والإحياء، وعلى تماسّ مباشر مع القضايا الوطنية والتحديّات العالمية، ومترصّدا للشبهات العلمانية والدعوات التنصيريّة واللادينيّة.

 

وبالطبع كانت القراءة زاده وراحلته في هذا المشوار الثري، بدءا بالتوجيه الذي تلقّاه على يد شيخه في المرحلة الابتدائية بضرورة اللجوء إلى القراءة الحرّة، ومِن ثمّ إقدامه على اقتناء باكورة كتبه، وهو كتاب النظرات للأديب الأريب مصطفى لطفي المنفلوطي. مرورا بتلك الغنيمة الباردة التي هبطت عليه في الزمان والمكان المناسبيْن؛ وذلك حين جادت عليه السماء بمكتبة عامرة قوامها أربعة آلاف كتاب، خلَّفها أحد شيوخ قريته بعد وفاته، وكيف أنه تقبَّلها قبولا حسنا، واشتراها مِن الورثة بأربعين جنيها نقَدَها لهم على دفعات بنظام التقسيط المريح، ثمّ اتّخذ منها قاعدة للبناء الفكري ومحطة للتكوين الثقافي، نظرا لما احتوتْه مِن أمّهات كتب التراث في الفقه والتصوّف، وذخائر الأدب العربي نظما ونثرا، والمترجَمات الغربية في الأدب والعلم، إضافة إلى كبريات المجلات العريقة مثل الرسالة والأزهر والعروة الوثقى. وفي هذا يَذكر أنه كان يجلس تحت شجرة الجميز القريبة من منزله، فيقرأ ويقرأ حتى تتداخل الكلمات وتتراقص السطور أمام ناظريْه، فيغمضهما، ويَعمَد إلى إراحتهما نزرا يسيرا، ثمّ يقبض من جديد على الشغف والنّهم، ويواصل إبحاره في محيط القراءة والاطّلاع!

 

وفي هذا أيضا يَذكر أنه كان دائم الاطلاع في شبابه على جريدة المصري، وكان مَعنيّا بالباب الذي يُنوِّه بإصدارات الكتب الحديثة، ليتخيّر من بين تلك الإصدارات ما يُريد، و يبادر بطلبها عبر البريد. ويضيف أنّه كان على موعد دائم مع معارض الكتب السنويّة، فيدّخر لها المال ويعدّ لأجْلها القوائم، ثمّ يبكِّر يوميا إلى مقرّ المعرض، ويعود بحمل بعير من الكتب. ويَروي أنه عندما باشر العمل السياسي في بداية الخمسينيات، تردّد في الاختيار بين الدخول في حزب مصر الفتاة أو الالتحاق بجماعة الإخوان المسلمين، ولكن الذي رجّح كفّة مصر الفتاة، أنّه لمس في طلاب الإخوان ضيق الأفق، لأنّ قراءتهم قاصرة على كتب بعينها، بينما هو عاشق للفكر والثقافة، ويقرأ في كلّ الألوان، ويرفض تضييق نطاق الفكر والتثقيف.. وكأني به يحذو حذو الرافعي والعقاد في السير على طريقة الجاحظ الذي لا يستثني، وينصح بقراءة كلّ ما تطاله اليد وتقع عليه العين.

 

وكما قرأ أمّهات الكتب وصاغ من رحيقها شهدا، فقد قرأ القامات من البشر باعتبارهم كتبا مفتوحة وأفكارا تسير على قدميْن، ثمّ اقتفى أثرهم ونهج نهجهم؛ فنراه قد نهل من  كبرياء العقاد، وعصاميّة طه حسين، وإصلاحيّة محمد عبده، وروحانيّة الغزالي.

 

ولقد ناله ما نال غيرَه من طلّاب المجْد ودعاة الحريّة؛ فاعتقله النظام الناصري لمدة خمس سنوات ونصف إبّان دراسته الجامعية (1959-1964م)، وتأخّر بذلك تخرّجه الجامعي سبع سنوات طوال. وبرغم ما تعرّض له في حبسه من سلب الحرية وامتهان الكرامة، إلّا أنها كانت فترة خصبة أحياها بالقراءة والتأمّل، ووقف من خلالها على أكذوبة اليسار الذي انتمى إليه وبُهر بشعاراته الجذّابة والبرّاقة ردحا من الزمن، ومِن ثَمّ بدأ توجهّه الإسلامي الذي عُرف به  وبرز فيه وأخلص له بقيّة عمره، وفيه اختار أن يكون مستقلا؛ يمدّ يده لجميع الحركات والجماعات العاملة في الساحة الإسلامية، دون أن ينتمي تنظيميا لأيّ منها، فكان طيرا حرّا لا يُحجِّر الواسع ولا يقيِّد المطلَق.

 

ولأنّ الزارعَ لا بد يوما حاصد؛ فقد أثمر هذا التفرّغ الذي اختاره وتلك العزلة التي فرضها على نفسه، كمًّا كبيرا من المؤلَّفات التي ناهزت المائتيْن وأربعين مؤلّفا، بين كتاب وكتيِّب، وتُرجم بعضُها إلى اللغات الإنجليزية والإسبانية والروسية والكردية؛ بدأها في عام 1958م بكتابه عن القومية العربية وهو مازال طالبا في الجامعة، وسطّر منها أربعة داخل محبسه. وقد اهتمّ في جلّ تلك المؤلَّفات بقضايا الفكر الإسلامي قديمه وحديثه، وصاغ من خلالها مشروعا حضاريا إسلاميّا وسطيّا جامعا، وردّ بها على مشاريع التغريب التي علا صوتها وكثر دُعاتها، كما تَرجم فيها لثلّة من روّاد النهضة أمثال الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي والغزالي، ولعلّ أبرز كتبه؛ كتاب (الصحوة الإسلامية والتحدِّي الحضاري) و(الإسلام وحقوق الإنسان) و(المعتزلة وأصول الحكم) و(تيارات الفكر الإسلامي) و(الإسلام والمستقبل).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى