آراءبحوث ودراسات

د. محمد السيد عبد الباسط يكتب: مفهوم التنمية البشرية

Latest posts by د. محمد السيد عبد الباسط (see all)

التنمية من النمو مصدر نمَا [(1)] وتعنى الزيادة، والبشرية أي التي تُعنى بتطوير البشر، والمعنى المصطلحي لا يختلف عن المعنى اللغوي، فالتنمية البشرية هي تطوير وتغيير وتنمية (مفاهيم، وقناعات، ومهارات،  ومعارف وسمات الإنسان)؛ ليتمكن من تحقيق ما يريد من خلال: الاستفادة من تكثيف آراء الخبراء في المجال محل التنمية البشرية.

   ونقصد بـ «المفاهيم»:

المفهوم هو: الصورة الذهنية للفرد عن الشيء، سواء كان المفهوم صحيحًا أو خاطئًا، فمفهوم الأبوة كمثال قد يراه البعض هو الإنفاق على الأولاد، وقد يراه آخرون أنه الاهتمام بتعليمهم، وقد يراه صنف ثالث أنه تحقيق التربية الشاملة. [(2)]

 

وترجع أهمية تشكيل المفهوم الصحيح أنه هو المشكل للمعرفة الصحيحة للشيء، ومن ثم التصرف الصحيح تجاه هذا الشيء، وهناك قاعدة بين العلماء تقول: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره» ومعنى هذه القاعدة أنه قبل الحكم على شيءٍ ما، لا بدَّ من معرفته معرفةً تامةً، وتصوره تصوراً دقيقاً، حتى يكون الحكم على ذلك الشيء مطابقاً لواقعه.

 

و«القناعة» بفكرة هي التسليم بصحة هذه الفكرة، وهي إما اعتقاد سلبى مقيد مثل: أنا أخاف الحديث أمام الناس، أو اعتقاد إيجابي محفز مثل: أنا أستطيع التحدث أمام الناس بثقة [(3)]، وترجع أهمية تشكيل القناعة في إيجاد الحافز على الفعل أو تقويته، وكلما زادت القناعة قوي الحافز، وفى الحديث الشريف عن ابن عباس -رضي الله عنهما- «أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دخل على أعرابي يعوده قال: وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا دخل على مريض يعوده فقال له: لا بأس طهور إن شاء الله قال: قلت: طهور، كلا بل هي حمى تفور، أو تثور على شيخ كبير تزيره القبور، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): فنعم إذا».[(4)] وقد كان على الرجل أن يتلقى دعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن يقول آمين، فيستفيد منه، لكن الرجل كان ذا قناعة مختلفة، وقد مات فعلا.

 

حضر طالب رياضيات محاضرة في إحدى الجامعات في كولومبيا، وجلس في آخر القاعة، (ونام بهدوء، وفي نهاية المحاضرة استيقظ على أصوات الطلاب، ونظر إلى السبورة، فوجد أن الدكتور كتب عليها مسألتين، فنقلهما بسرعة، وخرج من القاعة، وعندما رجع البيت بدأ يفكر في حل هاتين المسألتين، كان حل المسألتين صعبا، فذهب إلى مكتبة الجامعة، وأخذ المراجع اللازمة، وبعد أربعة أيام استطاع أن يحل المسألة الأولى، وهو ناقم على الدكتور الذي أعطاهم هذا الواجب الصعب !!وفي محاضرة الرياضيات اللاحقة استغرب أن الدكتور لم يطلب منهم الواجب، فذهب إليه وقال له: يا دكتور لقد استغرقت في حل المسألة الأولى أربعة أيام، وتمكنت من حلها في أربع أوراق، تعجب الدكتور، وقال للطالب: ولكني لم أعطكم أي واجب!! والمسألتان اللتان كتبتهما على السبورة هما نموذجان للمسائل التي عجز العلم عن حلها [(5)]!!

 

أما «المهارات» فهي عقلية كمهارة التخطيط، أو حركية كلغة الجسد، و«السمات» هي الصفات والأخلاق.

 

وتختلف طرق تكوين القناعات عن المهارات عن السمات عن المعارف، فالقناعات تقوم طرق تكوينها أو تغييرها على النقاش غالبا، بهدف إجراء عملية تصديق، ويفيد النقاش في معرفة التغذية المرتدة التى تنبئ عن حدوث الإقناع، ويستخدم المدرب في ذلك طرقًا عديدة.

 

بينما تُكتسب المهارات من خلال ثلاثة أمور: الأول المشاهدة بغرض التقليد، والثاني الأداء المماثل، والثالث التكرار، انظر كيف تعلم قاتل أخيه مهارة الدفن، قال الله تعالى {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [(6)] وقد يبني المدرب الخطوة الأولى على عدة خطوات يحددها للمتدرب، ويدربه عليها خطوة ثم أخرى، ثم يدربه على المهارة مكتملة، وفى الأداء المماثل يتدخل المدرب لتعديل نقاط الضعف في أداء المتدرب، ويفيد التكرار في رفع نسبة كفاءة أداء المهارة حتى يؤديها المتدرب بدرجة مقنعة.

 

أما السمات فهي الأصعب اكتسابًا، وعلى واضع البرنامج التدريبي أن يحدد السمات التي يتطلبها النجاح في تحقيق الهدف التدريبي، مثل المرونة و الدقة و التركيز، ويعمل على إكساب المتدرب ذلك بطرق مختلفة.

 

أما «المعارف» فهي المعلومات المجردة، ويكفى إحاطة المتدرب بها.

 

أهمية التنمية البشرية:

 

إن الاعتماد على تكثيف آراء الخبراء فى أمر ما، والتدريب عليها يعنى الأداء الأفضل المطلوب دائما، بما يحقق أهداف البرنامج التدريبي، بما يعود على الفرد بالنجاح في المجال الذي اختاره.

 

مجالات التنمية البشرية:

 

يمكن القول أن هناك مجالين رئيسيين للتنمية البشرية هما:

1-     مجال تطوير الذات: ويتعلق بعادات الفرد وطريقة تفكيره، ومشاعره…إلخ.

2-     المجال الإداري: أي ما يتعلق بوظائف الإدارة مثل: التخطيط الاستراتيجي، والمتابعة والرقابة، والتحفيز…إلخ

قد يحتاج المتدرب دورة فقط، وقد يحتاج برنامجًا تدريبيًا متكاملا، والبرنامج هو عدة دورات، مثل: برنامج تدريب المدربين الذي يهدف لجعل المتدرب مدربًا جيدًا، فيضم: دورة الإقناع، دورة العرض والتقديم، دورة الاتصال الفعال…إلخ.

 

علاقة التنمية البشرية بالإسلام:

 

إن الهدف النهائي للتنمية البشرية إتقان الأداء، وشريعتنا الإسلامية دفعت للتميز والإتقان في العمل، وأمرتنا بالبعد عن الإهمال والتقصير، وأخبرتنا أن عملنا معروض على الخالقِ سُبحانه وتعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، ويقول النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم): «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، إن النية في إحسان العمل وإتقانه طريق لرضا الله تعالى، وما أحوج أمة الإسلام – وقد تخلفت حضاريًا على النحو المعروف الآن – أن تحرص على الإتقان في كل شيء بما يوفر الوقت والجهد والمال، ويحقق الاستثمار الأمثل لمواردها البشرية وغيرها.

 

شبهة:

 

ربما يرى البعض أن التنمية بهذا المفهوم تعنى «القولبة» في إطار محدد، أو وفق تفكير محدد، ولكن ما يتم التدريب عليه هو في حد ذاته يتصف بأمرين: أنه رأى أو طريقة من متخصص في المجال موضع التدريب، والثاني: أنه تكثيف لآراء مجموعة المتخصصين والخبراء، وليس خبيرًا واحدًا، كما أن ما يتم التدريب عليه لا ينفى تطويره، أو إعادة تركيبه أو إضافة اللمسات الشخصية عليه، بل هو فقط مجرد بداية.

 

تحذير:

 

إن مجال التنمية البشرية الحديث علم غربي، ويحاول المجتهدون أسلمته، وذلك بالإضافة إليه، واستبعاد ما لا يتفق مع الإسلام منه، وقد أدلى فيه الكثيرون بدلوهم، ومنهم الهنود، لكنهم أضافوا بعض ما يصطدم بالإسلام، وكذلك فعل آخرون، لذلك يجب أن لا يُقبل ما في التنمية البشرية إلا بعد عرضه على ميزان الشرع الشريف، فمجال التنمية البشرية على النحو الموجود الآن خير عظيم يستفاد منه، خالطه شر، لا بد من الحذر منه.

 

هوامش

 

[(1)] – المعجم الغنى، ( ن، م، و )

[(2)] – أ.د. عفانة، حسام الدين، الحكم على الشيء فرع من تصوره، شبكة سألونك الإسلامية، http://yasaloonak.net/2016/09/، اطلع عليه بتاريخ 3/6/2018.

[(3)] – جرار، وفاء مأمون (2012)، قناعاتنا تشكل حياتنا،

http://www.alukah.net/social/0/39405/#ixzz5HOddF0yo، اطلع عليه بتاريخ 3/6/2018.

[(4)] – الإمام البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم 5332

[(5)] – القناعة السلبية، https://bahlmbyom.wordpress.com/2013/01/، اطلع عليه فى 3/6/2018.

[(6)] – القرآن الكريم، سورة المائدة، آية 31.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى