آراءأقلام حرة

د. محمود حجازي يكتب: متعة العطاء

كلنا نعلم تشارلي شابلن، أشهر كوميديّ في تاريخ السّينما والذى ذكر كثيرا أنه من يقوم بإضحاك الناس ليس بالضرورة أن يكون سعيدا ولكنها الرغبة بجعل الأخرين سعداء ولو للحظات معدودة، ويذكر تشارلى شابلن قصة طريفة قائلا: عندما كنتُ صغيراً، ذهبتُ برفقة أبي لمشاهدة عرضٍ في السّيرك، وقفنا في صفّ طويل لقطع التذاكر، وكان أمامنا عائلة مكوّنة من ستة أولاد والأم والأب، وكان الفقر بادياً عليهم، ملابسهم قديمة لكنها نظيفة، وكان الأولاد فرحين جداً وهم يتحدّثون عن السيرك، وبعد أن جاء دورهم، تقدّم الأبُ إلى شبّاك التذاكر، وسأل عن سعر البطاقة، فلما أخبره عامل شبّاك التذاكر عن سعرها، تلعثم الأب، وأخذ يهمس لزوجته، وعلامات الإحراج بادية على وجهه, فرأيتُ أبي قد أخرج من جيبه عشرين دولاراً، ورماها على الأرض، ثم انحنى والتقطها، ووضع يده على كتف الرجل وقال له: لقد سقطتْ نقودك، نظر الرّجلُ إلى أبي، وقال له والدموع في عينيه: شكراً يا سيّدي، وبعد أن دخلوا، سحبني أبي من يدي، وتراجعنا من الطابور، لأنه لم يكن يملك غير العشرين دولار التي أعطاها للرجل.

ومنذ ذلك اليوم وأنا فخورٌ بأبي، كان ذلك الموقف أجمل عرضٍ شاهدته في حياتي،  أجمل بكثير حتى من عرض السيرك الذي لم أشاهده….

 

على صعيد أخر، كلنا سمعنا عن رد فعل لاعب كرة القدم المسلم عندما صدر قرار هدم مسجد بدولة أسبانيا، فقد قررت إحدى شركات العقارات إزالة أحد المساجد في مدينة الأندلس، بحجة أن عقد الأرض التي يقع عليها قد انتهى، وبالتالي فقد أصبح من حقها استخدامه لأي مشاريع أخرى حتى لو كانت غير دينية، في تلك اللحظات وجد المسلمون في تلك المدينة العريقة أنفسهم في حزن شديد، فهم لا يملكون المبلغ الذي يدفعونه لشراء الأرض التي عليها المسجد، كما أن الوقت لن يسعفهم لبدء حملة تبرعات من أجل جمعه، وفور وصول الخبر إلى النجم المالي فريدريك كانوتيه لاعب نادي أشبيليه، لم يتوان عن شراء هذه الأرض لمنع إزالة المسجد ودفع 500 ألف دولار للإبقاء على مكان العبادة الأول في الإسلام, وعند سؤاله لماذا قام بهذه الخطوة.

قال: إن الأرض قد عرضت للبيع. وأنا قمت بشرائها للإبقاء على المسجد، وقال صراحةً: نعم دفعت نصف مليون دولار من مالي الخاص لمنع إزالة مسجد في الأندلس، وسأدفع كل أموالي إذا تطلب الأمر ، أنا مسلم وديني هو حياتي، ولست لاعب كرة فقط  وأعتقد أن شراء أرض المسجد أفضل من كل ألقاب كرة القدم ودروع الدوري الأسبانى…

 

وأخيرا ,وبعد مرور عام على وفاة الملياردير “على بنات” وجب علينا أن نجل ذكرى هذا الرجل والذى قرر أن يتبرع بكامل ثروته من أجل فقراء المسلمين في العمق الإفريقي, لقد كان أمام منزله الأنيق في استراليا يصطف أسطول من السيارات المبهرة على رأسها واحدة تعد أقوى وأسرع سيارة في العالم “سبايدر فيراري” حيث تبلغ قيمتها وحدها 600,000 دولار، وفى يده سوار من الماس قيمته 70.000 دولار .

أما غرفته الخاصة فهي مليئة بالملابس، والحقائب، والأحذية الرياضية، والساعات، والنظارات، والقبعات، والأغراض الأخرى التي أعدت خصيصا له من قِبل أشهر بيوت الأزياء العالمية المقدر كل منها بآلاف الدولارات، ولكن حياة هذا الرجل المليئة بالثروة والرفاهية، انقلبت رأسًا على عقب حين تم تشخيصه بمرض السرطان من الدرجة الرابعة، وقرر الأطباء بأنه لن يعيش أكثر 7 أشهر، وهو الشاب البالغ من العمر 33 عام, ويقول على بنات:  “الحمد لله.. رزقني الله بمرض السرطان الذي كان بمثابة الهدية، التي منحتني الفرصة لأتغير إلى الأفضل، عندما علمت بالأمر شعرت برغبة شديدة في أن أتخلص من كل شيء أمتلكه، وأن أقترب من الله أكثر، وأصبح أكثر التزاما تجاه ديني، وأن أرحل من هذه الدنيا خاويًا على أن أترك أثرًا طيبًا وأعمالًا صالحة  تصبح هي ثروتي الحقيقة في الآخرة” فتحول هذا الرجل من أكبر تجار الدنيا، إلى التجارة مع الله، قرر أن يتبرع بكل ماله حتى ملابسه تبرع بها، ثم أنشأ المؤسسة الخيرية “المسلمون حول العالم” لخدمة فقراء المسلمين حيث قامت المؤسسة الخيرية ببناء المنازل والمساجد والمدارس وآبار المياه والمراكز الطبية وبيوت تأوي الآرامل والأيتام؛ كما قام ببناء أول مقبرة للمسلمين في توجو بالإضافة إلى الإمدادات الطبية والغذائية، وقد سئله البعض قائلين: بعدما علمت حقيقة الدنيا، سيارتك الفارهه كما تساوي؟ فقال: لا تساوي في قلبي قيمة نعل حمَّام، وإن ابتسامة طفل فقير أفضل عندي من هذه السيارة، ثم يقول: إن اللحظات التي قضاها في إفريقيا مع فقراء المسلمين هي الأسعد في حياته على الإطلاق ، سعادة لا يمكن شراؤها بالمال، ولا يمكن أن تعوضها وسائل الرفاهية الباهظة الثمن، وانتقل على بنات إلى جوار ربه فى 29 مايو عام 2018 بمدينة سيدنى الأسترالية…
 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى