آراءمقالات

شموخ لا يليق إلا بكم يا شباب

Latest posts by د. محمد عياش الكبيسي (see all)

قبل كل شيء أقول لكم إنصافا وافتخارا: لو أن أقوى شعوب الأرض وأكثرها تماسكا وحماسا تعرّض لبعض ما تتعرضون له لاختفت معالمه وانهارت قيمه وانزوى كل فرد فيه لمعاناته واهتماماته الشخصية، أما أنتم يا شباب الأمة فقد أثبتم أنكم من طراز آخر، لقد تعلمت منكم أن روح الحضارة ليست درسا أكاديميا يلقيه الأستاذ في جامعته، أو مقالة يدبجها كاتب في صحيفته، إنها فعلا روح تسري عبر الأجيال لا تنكسر ولا تتوقف.

 

انظر لهذا الشاب الذي أهلكه التشرد من قرية إلى قرية ومن مخيم إلى مخيم في سوريا أو العراق فإذا التقيته صار يحدّثك عن هموم الأمة العامة وقضاياها المختلفة، يحدثك عن تعز اليمن وغزة فلسطين وعن مقاطعة البضائع الفرنسية وأهميتها في تأديب ذلك المتطاول على الإسلام.

 

أمس يتصل بي اخ عزيز من سوريا العزيزة يحدثني عن مشروع “أكاديمية مفكر” وعن البرامج التفصيلية التي تمكّن هذا الجيل من مواجهة التحديات بعلم ووعي وقيم متينة رصينة، وقبلها كان الاتصال من “أكاديمية فجر” والتي تلتقي في الطريق ذاته وهي أكاديمية سورية كذلك وقد عرفتهم كخلايا النحل لا تكل ولا تمل، ومن العراق الجريح أرى “الأكاديمية الدولية للقيادة والتنمية” والتي خرّجت المئات من الشباب؛ البنين والبنات ومن شتى التخصصات، و “أكاديمية إنسان” المعنية أساسا بتعزيز القيم وبث الوعي، وفي الفلوجة الشامخة حيث مدارسها التي بدأت تنهض من تحت الركام، وعن ذلك المبدع الذي تخصص في تنمية المهارات والقيم الجمالية بين الشباب، ومثل هؤلاء مؤسسات من الخليج العربي ومصر والجزائر والمغرب وتركيا، وغيرهم الكثير ممن يصعب حصرهم، إضافة للجاليات المسلمة في الغرب، ممن تعاملت معهم فوجدتهم عناوين ومضامين يجمعها الشموخ الذي لا ينحني ولا ينكسر مهما اشتدت المحن.

 

أجمل ما في هذه الأنشطة التي تكونت أساسا في ظروف استثنائية قاهرة أنها استعلت على النزعة القُطرية والعنصرية الضيقة، فالنشاط الواحد قد يجمع العراقي مع السوري والسوداني مع اليمني، واللبناني مع الأردني، وأذكر قبل سنتين قدمت دورة في العقيدة لمؤسسة مصرية تربوية فوجدت شبابا كأنهم يمثلون عالمنا الإسلامي كله، إن هذا الشعور وحده يكفي للاطمئنان على أن أمتنا بخير رغم ما أصابها، نعم نحن نمرض ونضعف، لكننا على يقين أن هذه الأمة أمة محمد ﷺ لا تموت، وستنهض ويشتد عودها من جديد بإذن الله.

 

وفي هذا الأسبوع ترددنا في الإعلان عن دورة علمية تخصصية وقد نصحنا بعض الإخوة أن لا نعلن وإنما يكون التسجيل بالتزكية والاختيار، فتجاوز العدد بهذه الطريقة المئتين، من مناطق وجنسيات مختلفة، وهذه مجرد نماذج محدودة جدا للحراك المبارك الذي يستقطب اليوم طاقات كثير من الشباب في حركة نهضوية تجديدية واعدة تحاول أن تسد الثغرات التي خلّفها التعليم الرسمي، وأن تعالج بعض الآثار التدميرية التي لا زالت تخلفها (الفوضى الخلاقة) المفروضة علينا وعلى أمتنا وحضارتنا ظلما وعدوانا.

 

إن هؤلاء الشباب الأبطال واعون تمام الوعي بمسؤولياتهم التاريخية والحضارية، ويعلمون أن كل ضربة تصيبنا لن تنال منا أبدا مادمنا نحتفظ بعقيدتنا وهويتنا وشموخنا وكبريائنا المشروع.

 

وإن وعي الأمة إنما يقاس حقيقة بمدى التفافها ودعمها لهؤلاء الشباب، ولو لم يجد الواحد منا إلا روحه فقدمها لهؤلاء الأحباب لما كان كثيرا في حقهم:

ما لي سوى روحي، وباذل نفسه  …   في حب من يهواه ليس بمسرف

 

وفقكم الله وحماكم أيها الشباب، وتقبل منا ومنكم، وبيننا دائما حق النصح والدعاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى