آراءمقالات

أنا وطلابي.. حكايات لا تنسى (4)

د. محمد عياش الكبيسي
Latest posts by د. محمد عياش الكبيسي (see all)

أنا وطلابي.. حكايات لا تنسى .. في رحاب الزرقاء.. حينما تلتقي القلوب

في آب سنة 1996 وأنا أغادر الحدّ العراقي متجها نحو عمّان لأول مرة أشعر بما يشبه الاختناق الشديد، أفكر بكل شيء تركته في العراق، وأفكّر كذلك بمستقبلي المجهول بالنسبة لي، فقد خرجت تحت الاضطرار دون أي ترتيب، لكن والدنا الكبير الدكتور عدنان الدليمي والذي كان قد خرج قبلي في ظروف مشابهة قد سمع بخروجي فاستقبلني في شقته المباركة وألح أن أسكن معه لحين قدوم أهله، وكانت فرصة للاستفادة من خبرته وتجربته الثرية والمتنوعة، وحين قدم أهله اعتذرت له واتفقت مع الدكتور صلاح بلال على أن نستأجر شقة ريثما تنجلي الأمور، فبقينا فيها سوية -ويا لها من أيام- فهو رجل قل نظيره ذكاء وحلما ودقة وعصامية إلى أبعد الحدود، هذا وكان شيخنا الجليل حارث الضاري قد وصل بعدنا إلى الأردن -ولأسباب مشابهة أيضا- لكنه استقر في أربد، وكنا قد رتبنا معه ومع بعض الأحباب رحلة خاصة إلى الحج في تلك السنة. ولا يفوتني هنا أن أنوّه بالجهود المتميزة والمتواصلة للأخ العزيز يوسف الأعظمي وإخوانه الأعزاء في تلك المرحلة الدقيقة من حياتنا.

في تلك الأيام يسر الله لي العمل في جامعة الزرقاء الأهلية وتعرفت على نماذج من الأساتذة -سبحان ربي كيف جمعهم في مكان واحد- لقد كانوا نموذجا فذا للصدق والهمة والأخوّة والإيثار؛ اسحاق الفرحان رئيس الجامعة،  وعبد اللطيف عربيات وفاروق البدران ومحمد عويضة وعلي الصوّا وعمر الأشقر ومحمد الحاج وعمر المكحل وجبر فضيلات وجمال حسّان وعبد الجبار سعيد وأحمد القضاة وعدنان عزايزة، إضافة إلى بعض الأساتذة العراقيين منهم عدنان الدليمي وعايش رجب الكبيسي وغيرهم.

أما الطلاب فقد كانوا بحق نموذجا متميّزا، وقد نشأت بيني وبينهم علاقة لا زلت أحس بروحها وأنسها وعظيم فائدتها، ويكفي أن أذكر منها بعض الشواهد السريعة:

كانت مجموعة منهم قد رأوا أن يأخذوا عندي بعض الدروس التأسيسية على طريقة آصفية الفلوجة، فكنت أستقبلهم في بيتي مساء، وكان بيتي قرب المدينة الرياضية، وذات يوم أعلنت الجامعات والمدارس تعطيل الدوام بسبب تراكم الثلوج، وانقطاع الطرق وتعطل المواصلات، لكنني فوجئت بالشباب وكأنهم يلبسون ملابس روّاد الفضاء -وحقيقة لا أدري كيف وصلوا- وكانت ليلة من أجمل ليالي العمر.

كان الأخ (سفيان) يسألني مبكرا عن جدولي في كل فصل  ليرتب ساعاته الدراسية بحيث يضمن لنا الذهاب والعودة سوية وبسيارته، وقد تعرفت على والده من خلاله فكان نموذجا للمسلم الودود والغيور.

ومن عجائب القلوب حينما تلتقي كان الأخ (سليمان الليبي) قد تعرض لمشكلة أقلقتنا كثيرا، فتواصينا مع بعض الأحباب بأن نجتهد في تلك الليلة بالدعاء، ويشهد الله أني تفرغت تلك الليلة لهذا الأمر، ثم في ضحى اليوم التالي كان الفرج، فالتقينا بسليمان -وما أسعدنا بذلك اللقاء-، قال لي: والله لقد رأيتك الليلة قبيل الفجر وأنت تطمئنني وتقول لي: اليوم سينتهي كل شيء، قلت: لعل تلك الساعة كانت ساعة إجابة، والله أعلم.

قدر الله لي أن أنتقل إلى قطر، لكن صلة الروح بطلاب الزرقاء لم تنقطع، فلقد دعوني مرة معهم في عمرة جماعية أسموها (عمرة المحبة)، ثم التقينا بعدها مرات ومرات.

في تلّة عالية من تلال اسطنبول أسمع صوتا حيّيا نديّا: (أستاذ كبيسي) التفت وإذا بتلميذي العزيز (محمد التركي) هكذا كنا نسمّيه حينما كان طالبا في الزرقاء، الآن هو دكتور ويدير مركزا علميا مرموقا، ومن خلاله تعرفت على والده وهو أحد أعلام تركيا علما وعملا، وقد اشتركت معهما في نشاطات علمية كثيرة ومتنوعة والحمد لله.

نائب المفتي العام لبلغاريا (بر علي) كان طالبا في الزرقاء كذلك، هو نموذج آخر للوفاء والنجاح، وقد زارني في قطر، وجمع لي في سفرتهم إلى اسطنبول  بعض الشباب البلغاريين المتميزين.

في مطار عمّان في رحلة -ترانزيت- وبعد سنوات من مغادرتي الأردن،  أصر أخي محمد عبد اللطيف وزملاؤه أن يزوروني في المطار ويسجلوا معي جلسة مصوّرة كانت حول أسماء الله الحسنى -على ما أذكر-.

معذرة أحبابي الكبار: المثنى عبد الفتاح وأحمد خميس وعمر وعامر وأرسلان وكل إخوانكم وزملائكم الأوفياء الأنقياء، فلم أغفل عن واحد منكم، وأعلم أنكم الآن أصبحتم أساتذة، فلكل واحد منكم قصة أعتز بها أيما اعتزاز، لكني في هذه العجالة أختار النماذج المناسبة وهي بلا شك تعبر عنكم جميعا.

أما تلك الصفوف من بناتنا المجتهدات المتميزات، فكل واحدة منهنّ كانت نموذجا يحتذى بها في القيم النبيلة والحرص الشديد على التعلّم، ويا ليت المقام يتسع لأكثر من هذا.

هذا وقد كانت مدة تدريسي في الزرقاء سنتين فقط، لكني أحتفظ بذكريات ومواقف وطرائف جميلة وكثيرة تكفي لمجلدات.

ولا يفوتني هنا أن أذكر أن كثيرا من أساتذة الزرقاء لا زالت تربطني بهم صلات متميزة رغم مضي السنوات الطويلة، وفي الصورة المرفقة تذكار جميل مع الأستاذ الكبير عبد اللطيف عربيات أمين عام الجامعة في رحلتنا العلمية إلى غرناطة بعد مغادرتي الجامعة بعشر سنوات تقريبا.

اللهم ارحم من قضى من أساتذتنا وطلابنا، وبارك اللهم  بمن بقي.

وبيننا دائما حق النصح والدعاء وهذا من جميل الوفاء

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى