آراءبحوث ودراسات

د. محمد عمارة يكتب: استحالة التمثيل الدرامى للأنبياء والمرسلين

Latest posts by د. محمد عمارة (see all)

يدور جدل حاد حول مشروعية التمثيل الدرامى للأنبياء والمرسلين.. ويقول الذين يحبذون هذا التمثيل: إنه ليس هناك نص شرعى ــ من الكتاب أو السنة ــ يحرم هذا التمثيل، الأمر الذى يجعله على أصل الإباحة، طالما أنه يحقق مصلحة ومنفعة بتقديم نماذج من الأسوة والقدوة التى تحبب للناس المثل العليا التى عاش لها وجاهد فى سبيلها هؤلاء الأنبياء والمرسلون.. وذلك فضلا عن تعميقها الإيمان الدينى عند المشاهدين..

 

ويضيف هؤلاء المحبذون لتمثيل الأنبياء والمرسلين ــ فى حوارهم مع الذين يمنعونه ــ: أن العالم من حولنا ــ فى الغرب ــ وعند الشيعة ــ قد أخرجوا العديد من الأفلام والمسرحيات التى مثلت العديد من الأنبياء والمرسلين، والتى لقيت استحسانا لدى جمهور عريض من المشاهدين.. فلماذا يقف الأزهر ــ باسم أهل السنة والجماعة ــ مع منع هذا التمثيل؟!.

 

ونحن ــ فى هذه الدراسة ــ نريد أن ننتقل بالحوار من إطار «المشروعية» التى هى موضع اختلاف، إلى إطار «الإمكانية» كى نجمع الفرقاء المختلفين على كلمة سواء.. فنجعل «المنطق» هو المرجع الذى يسلم به الكافة، وليس «الشرع» الذى فيه يختلفون.. ونجعل السؤال هو:

 

هل يمكن تمثيل الأنبياء والمرسلين؟.. وليس: هل من الشرع والمشروع تمثيل الأنبياء والمرسلين؟

 

وفى البداية، لا بد من تحرير مضمون مصطلح «التمثيل الدرامى»، الذى يدور حوله الحديث..

 

فالدراما Drama هى التمثيل والتشخيص والمحاكاة للواقع والأشخاص والملابسات والأجواء.. هى تصوير الشىء، أو تصوير صفات الشىء، أى محاكاة شىء من الأشياء بإبداع صورته ومثاله.

 

أما «التمثيلية» فإنها مصطلح مولَّد، لم تعرفه المعاجم اللغوية القديمة.. ولقد عرَّفها مجمع اللغة العربية فى (المعجم الوسيط) بأنها: «عمل فنى، منثور أو منظوم، يؤلف على قواعد خاصة، ليمثل حادثًا حقيقيا أو مختلقا، قصد العبرة».

 

وهذا التعريف للتمثيل والتمثيلية يؤكد على حقيقة من حقائق قواعد النقد الفنى الجاد، وهى أن العمل الفنى لا بد أن يتوخى ويتغيا مقاصد العبرة والاعتبار، أى لا بد أن تكون له رسالة أخلاقية، أى لا يقف فقط عند مجرد المحاكاة، أية محاكاة، فضلا عن أن يكون سبيلا لما يضر بمنظومة القيم والأخلاق التى تعارف عليها المجتمع، والتى يزكيها الدين، الذى هو المكون الأول للثقافة التى يتم فيها التمثيل.

وعلى هذا المبدأ الفنى والحقيقة النقدية ــ ارتباط الجمال الفنى والفن الجميل بالمقاصد الأخلاقية ــ اتفق وتوافق الفلاسفة والنقاد مع الدين.

 

فالتمثيل من الناحية الفنية المجردة هو مجرد «مهارة».. وهذه المهارة لا تكون جميلة ــ أى لا يعد التمثيل من الفنون الجميلة، ذات البهاء والحسن والزينة ــ إلا إذا تغيت هذه الفنون تحقيق العبرة، أى المقصد الأخلاقى المحمود.. وهذا هو معنى قول فيلسوفنا «ابن سينا» [370 ــ 428هـ 980 ــ 1037م]: «وجمال كل شىء وبهاؤه هو أن يكون على ما يجب له»(1)

 

ومع ابن سينا، فى هذا الربط بين الجمال وبين الأخلاق، يقف الناقد والأديب الروسى «بلنسكى» Belinsky [1811-1848م] عندما يقول: «إن الجمال شقيق الأخلاق، فإذا كان عمل فنى ما فنيا حقيقة فهو أخلاقى بنفس المعنى.. فإن الصور الإيجابية التى تعكس حياة الناس ونبلها وجمالها تفرض الاحترام والحب والإعجاب المخلص، وتعطى أنماط الأبطال الحقيقيين فى الحياة للقارئ والمتفرج متعة وبهجة جماليتين. أما الصور السلبية، فإنها تثير مشاعر الاستنكار الأخلاقى والاحتقار، التى ترتبط ارتباطا وثيقا فى طابعها بمشاعر الازدراء والاحتقار التى نحسها عندما ندرك ما هو قبيح ودنىء. ومن ثم فإن وحدة الجمالى والأخلاقى هى أساس الدور التربوى ودور التحويل الأيديولوجى اللذين تقوم بهما الفنون فى الحياة الاجتماعية»(2).

 

فنحن، بهذا التحديد لمرادنا من هذا المصطلح ــ «التمثيل» نريد أن يكون الحوار دائرًا حول هذا اللون من التمثيل.. التمثيل الذى يقدم محاكاة وتصويرا فيه من البهاء والحسن والزينة ما ينمى الإيجابيات النبيلة والجميلة فى واقع الحياة، وذلك حتى ينهض «الجمال الأخلاقى» بالدور الأساسى فى تربية المشاهدين لهذا التمثيل..

وبعد هذا التعريف، المتفق عليه، للتمثيل.. وبعد التأكيد على ضرورة أن يكون التمثيل فنا جميلا، أى أخلاقيا، يزكى القيم الأخلاقية.. نسأل السؤال الجوهرى:

هل يمكن تمثيل الأنبياء والمرسلين؟

 

إن التمثيل هو محاكاة الواقع.. فهل حياة الأنبياء والمرسلين مجرد واقع، حتى يمكن محاكاتها بالتمثيل؟.. أم أن فيها جوانب وعوالم خارقة للواقع، ومتجاوزة لهذا الواقع، تجعلها مستحيلة المحاكاة والتمثيل؟.. الأمر الذى يجعل تمثيلها تزييفا وتشويها يخرج بتمثيلها عن الصدق وعن المقاصد المبتغاة؟..

 

إن الأنبياء والرسل ــ مع أنهم بشر ــ يلح القرآن الكريم على تأكيد بشريتهم ــ فإن الوحى إليهم، وظهور المعجزات على أيديهم، قد جعل لهم أدوارا وأحوالا ومقامات اجتمع فيها الإلهى مع البشرى، وامتزج فيها الواقعى مع المعجز المفارق للواقع ولما كان الإلهى وأيضًا الإعجاز والمعجز المفارق للواقع وللمعتاد ــ وفيه تتمثل الجوانب الأعرض والأهم فى حياة الأنبياء والمرسلين ــ مستحيلا وعصيًا على المحاكاة البشرية والتمثيل الإنسانى، فإن تمثيل أدوار الرسل والأنبياء مستحيل، ومن ثم ممنوع.

 

إن الله ــ سبحانه وتعالى ــ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (الشورى: 11). وهو ــ سبحانه ــ يضرب الأمثال، لكن يستحيل علينا ــ نحن البشر ــ أن نضرب له الأمثال فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (النحل: 74).

 

والقرآن الكريم ــ مع أنه كلام عربى ــ هو إعجاز ومعجز، ولذلك استحال ويستحيل أن يكون له مثيل وتمثيل وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {2/23} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (البقرة: 23-24).

إنه كلام عربي، لكن الإعجاز فيه يجعله مستحيلا على المثل والتمثيل والترجمة.. التى تجوز على غيره من الكلام العربى غير المعجز.

 

وإذا كانت تجربة مسيلمة الكذاب [12هـ 633م] مع محاولة تمثيل القرآن الكريم ومحاكاته قد ذهبت مثلا على الهزل المضحك والضحك الهزلي.. فإن تمثيل الرسل

والأنبياء ــ وهم الذين امتزج المعجز والإعجاز ببشريتهم فى كثير من مواقفهم وأدوارهم وأحوالهم، قد يقودنا إلى ما هو أخطر وأكثر ضررا.

 

لقد كان الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ أمام تصرفات الرسول ? وقراراته، يتحسسون طريقهم إلى معرفة طبيعة الموقف والتصرف والقرار.. هل خالط فيه الإلهى والمعجز للبشرية والبشرى؟ فيكون السمع والطاعة، دون إعمال فكر أو قياس أو بحث عن الحكم والعلل والأسباب والمقاصد والغايات؟.. أم أن البشرية الخالصة هى التى تحكم هذا الاجتهاد فى التصرف والقرار؟.. ولذلك كانوا يسألون هذا السؤال الذى شاع فى كتب السنة والسيرة: يارسول الله أهو الوحي؟ أم الرأى والشورى والتدبير؟

 

وبناء على إجابته ? يكون موقفهم وتصرفهم.

 

أما نحن فلسنا فى موقعهم ولا فى موقفهم.. وليس بإمكاننا أن نفصل البشرى من حياة الرسل والأنبياء ــ عن الإلهى والمعجز، حتى نمثل هذا الجانب البشرى وحده.. مع الأخذ فى الاعتبار أن الإلهى والمعجز فى حياة هؤلاء الرسل والأنبياء هو الأهم.. بل هو المميز لحياتهم عن جمهور القادة والعظماء والمصلحين.

 

ولقد اجتمع وأجمع على هذه الحقيقة فقه وفكر أهل السنة والجماعة ــ وهم 90 % من الأمة الإسلامية ــ قديما وحديثا ــ.. اجتمعوا وأجمعوا على حقيقة أن الأنبياء والمرسلين ليسوا خالصى البشرية.. وأن حياتهم قد امتزج فيها الإلهى بالبشرى، والسماوى بالأرضي، والمعجز المفارق للواقع بالواقعي.. وفى ذلك قال الإمام القاضى عياض [476-544هـ 1083-1149م]: إن الأنبياء والرسل عليهم السلام وسائط بين الله تعالى وبين خلقه، يبلغونهم أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، ويعرفونهم بما لم يعلموه من أمره وخلقه وجلاله وسلطانه وجبروته وملكوته، فظواهرهم وأجسامهم وبنيتهم متصفة بأوصاف البشر، طارئ عليها ما يطرأ على البشر من الأعراض والأسقام والموت والفناء ونعوت الإنسانية.

 

وأرواحهم وبواطنهم متصفة بأعلى من أوصاف البشر، متعلقة بالملأ الأعلى، متشبهة بصفات الملائكة، سليمة من التغير والآفات، لا يلحقها غالبا عجز البشرية ولا ضعف الإنسانية، إذ لو كانت بواطنهم خالصة للبشرية كظواهرهم لما أطاقوا الأخذ عن الملائكة، ورؤيتهم ومخاطبتهم ومخالّتهم، كما لا يطيقه غيرهم من البشر.

 

ولو كانت أجسادهم وظواهرهم متسمة بنعوت الملائكة، وبخلاف صفات البشر لما أطاق البشر ومن أرسلوا إليهم مخاطبتهم قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً(الإسراء: 95).

 

فجعلوا من جهة الأجسام والظاهر مع البشر، ومن جهة الأرواح والبواطن مع الملائكة.

 

فبواطنهم منزهة عن الآفات مطهرة عن النقائص والاعتلالات(3).

وفى العصر الحديث قال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده [1266- 1323هـ 1849-1905م]: إن من لوازم الإيمان الإسلامى: وجوب الاعتقاد بعلو فطرة الأنبياء والمرسلين، وصحة عقولهم، وصدقهم فى أقوالهم وأمانتهم فى تبليغ ما عهد إليهم أن يبلغوه، وعصمتهم من كل ما يشوه المسيرة البشرية وسلامة أبدانهم مما تنبو عنه الأبصار وتنفر منه الأذواق السليمة، وأنهم منزهون عما يضاد شيئا من هذه الصفات المتقدمة.

 

وأن أرواحهم ممدودة من الجلال الإلهى بما لا يمكن معه لنفس إنسانية أن تسطو عليها سطوة روحانية.. إن لنفوسهم من نقاء الجوهر، بأصل الفطرة ما تستعد به، من محض الفيض الإلهي، لأن تتصل بالأفق الأعلى، وتنتهى من الإنسانية إلى الذروة العليا، وتشهد من أمر الله شهود العيان ما لم يصل غيرها إلى تعلقه أو تحسسه بعصا الدليل والبرهان، وتتلقى عن العليم الحكيم ما يعلو وضوحا على ما يتلقاه أحدنا عن أساتذة التعاليم، ثم تصدر عن ذلك العلم إلى تعليم ما علمت، ودعوة الناس إلى ما حملت على إبلاغه إليهم..

 

فهؤلاء الأنبياء والمرسلون من الأمم بمنزلة العقول من الأشخاص.. يعلمون الناس من أنباء الغيب ما أذن الله لعباده فى العلم به، مما لو صعب على العقل اكتناهه لم يشق عليه الاعتراف بوجوده.. يميزهم الله بالفطرة السليمة، ويبلغ بأرواحهم من الكمال ما يطيقون للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره، مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم لفاضت له نفس أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته، فيشرفون على الغيب بإذنه، ويعلمون ما سيكون من شأن الناس فيه، ويكونون فى مراتبهم العلوية على نسبة من العالمين نهاية الشاهد وبداية الغائب، فهم فى الدنيا كأنهم ليسوا من أهلها، وهم وفد الآخرة فى لباس من ليس من سكانها..

 

ثم يتلقون من أمره أن يحدثوا عن جلاله، بما خفى عن العقول من شئون حضرته الرفيعة بما يشاء أن يعتقده العباد فيه، وما قدر أن يكون له مدخل فى سعادتهم الأخروية، وأن يبينوا للناس من أحوال الآخرة ما لا بد لهم من علمه، معبرين عنه بما تحتمله طاقة عقولهم، ولا يبعد عن متناول أفهامهم، وأن يبلغوا عنه شرائع عامة، تحدد لهم سيرهم فى تقويم أنفسهم، وكبح شهواتهم، وتعلمهم من الأعمال ما هو مناط سعادتهم وشقائهم فى ذلك الكون المغيب عن مشاعرهم بتفصيله، اللاحق علمه بأعماق ضمائرهم فى إجماله، ويدخل فى ذلك جميع الأحكام المتعلقة بكليات الأعمال، ظاهرة وباطنة..

 

ثم يؤيدهم بما لا تبلغه قوى البشر من الآيات حتى تقوم لهم الحجة ويتم الإقناع بصدق الرسالة، فيكونون بذلك رسلا من لدنه إلى خلقه مبشرين ومنذرين(4).

 

تلك هى صورة الأنبياء والمرسلين فى عقيدة وفقه وفكر أهل السنة والجماعة.. وهى صورة غير خالصة البشرية، ومن ثم فإنها مستحيلة على المحاكاة والتمثيل.. بالمنطق الذى لا يختلف فيه العقلاء.

 

أما لماذا تم فى الفضاء الغربى ــ الأوروبى والأمريكى ــ تمثيل الأنبياء والمرسلين فى العديد من الأعمال الفنية، فإن السبب فى ذلك عائد إلى المرجعية الدينية للحضارة الغربية التى تؤمن بأسفار العهد القديم.. هذه الأسفار التى قدمت للأنبياء والمرسلين صورة مختلفة كل الاختلاف عن صورتهم فى القرآن الكريم وفى الفكر الإسلامي.. صورة خالية من المثالية المعجزة والإعجاز المثالي.. بل وهابطة ــ فى كثير من الأحيان ــ حتى عن صورة البشر الأسوياء!..

 

وعلى سبيل المثال:

 

فأبو الأنبياء إبراهيم ›.. يصوره القرآن فى صورة أبى الأنبياء.. والأمة والإمام.. والصالح المصطفى فى الدنيا والآخرة.. والأواب الحليم المنيب.. والصديق.. والأسوة الحسنة.. والناظر فى الملكوت ليقيم الدليل العقلى على التوحيد.. ومحطم الأصنام.. ومطهر البيت ورافع قواعده.. والممتثل لأمر الله أن يذبح ولده الوحيد والذى عليه سلام الله.. ومن صارت النار بردا وسلاما وعليه ــ [الأنعام: 84-86، الحديد: 26، والنحل: 120، 121، والبقرة: 124، 130، 260، 125، وهود: 75، ومريم: 41، والنساء: 125، والممتحنة: 4، والأنبياء: 57، 58، 66، 70، والصافات: 99 ــ 107، 108-111].

 

أما أسفار العهد القديم فإنها تتهم الخليل إبراهيم بالكذب.. والدياثة حرصا على الحياة، وطمعا فى عرض الدنيا ومتاعها!.. تتهمه بالتواطؤ مع زوجه سارة على الكذب.. وبالدياثة وإسلام زوجه الجميلة لمن يعاشرها فى الحرام، وذلك طمعا فى بقائه حيا، وطمعا فى الغنم والبقر والحمير والجمال والعبيد يعطيها له فرعون مصر مقابل زوجه الجميلة!! [سفر التكوين 12: 1-20].

 

ونبى الله لوط › الذى يصفه القرآن الكريم بالعبد الصالح، صاحب العلم والحكمة.. والناهى عن الفحشاء والمنكر.. والمتطهر.. الذى نجاه الله [الأنبياء: 74، 75، الأعراف: 80، 82، والعنكبوت: 32].

 

يصفه العهد القديم بالسكر والزنا بتدبير ابنتيه (سفر التكوين: 9: 30-38).

ونبى الله داود › الذى يصفه القرآن بالخليفة.. صاحب الزبور.. الأواب.. وصاحب الملك والحكمة والعلم وفصل الخطاب.. الذى سبحت معه الطير والجبال.. وصاحب الصناعات الثقيلة.. الذى يأكل من عمل يديه.. والمغفور له.. صاحب الزلفى وحسن المآب [ص: 26، 17، 18، 19، 20، 25، الإسراء: 55، والبقرة: 251، وسبأ: 10، 11].

 

تصوره أسفار العهد القديم فى صورة الفاسق الذى يتلصص على عورات الناس ومحارمهم.. والزانى بزوجة أوريا الحثي.. والمتأثر للتخلص من الزوج، ولنسبة ابنه ــ من الزنا ــ إلى الزوج المسكين.. والقاتل للزوج بالمكر والخديعة.. وذلك حتى يضم الزوجة ــ التى زنى بها ــ إلى حريمه ونسائه الكثيرات! [سفر صموئيل الثانى: 11-1-26].

 

ونبى الله سليمان › الذى يصفه القرآن الكريم بأنه صاحب العلم والفضل.. الذى علمه الله منطق الطير وآتاه من كل شىء.. والذى أعطاه الله ملكا لا ينبغى لأحد من بعده.. والشاكر لربه نعمه التى أنعمها عليه [النمل: 15، 16، 19، وص: 35-38، وسبأ: 12].

 

تصفه أسفار العهد القديم بابن الزنا ــ ثمرة زنا داود بزوجة أوريا الحثي.. والخارج على أوامر الرب.. وزير النساء، صاحب القلب الخاضع للنساء الوثنيات.. وعابد الأوثان.. والبانى النصب لعبادة الأوثان من دون الله! [سفر الملوك الأول 11: 1-11].

 

تلك هى صور الأنبياء فى أسفار العهد القديم ــ المرجعية الدينية للحضارة الغربية ــ وهى صورة االواقع ــ المزرىب، الذى يغرى بالمحاكاة والتمثيل!.

 

أما إجازة الشيعة وسماحهم بالتمثيل الدرامى للأنبياء والمرسلين فإنه راجع إلى جعلهم النبوة أدنى مرتبة من الإمامة، ولذلك أجازوا تمثيل الأنبياء، بينما لم يقتربوا من تمثيل أئمتهم المعصومين!..

 

لقد قالوا: اإن الإمامة قد امتازت على النبوة لأنها استمرت بأداء الرسالة بعد انتهاء دور النبوة.. فالنبوة لطف خاص، والإمامة لطف عامب(5).

 

وقالوا: إن قوة الوحى والإلهام تبلغ الكمال فى أعلى درجاته عند الأئمة، فيكون فى صفاء نفسه القدسية على استعداد لتلقى المعلومات فى كل وقت وفى كل حالة، فحتى توجه إلى شىء من الأشياء وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوة القدسية الإلهامية، بلا توقف ولا ترتيب مقدمات، ولا تلقين معلم، وتتجلى فى نفسه المعلومات كما تتجلى المرئيات فى المرآة الصافية غطش فيها ولا إبهام. ويبدو واضحا هذا فى تاريخ الأئمة، لم يتربوا على أحد، ولم يتعلموا على يد معلم من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم أنه دخل أنه دخل الكتاتيب أو تتلمذ على يد أستاذ فى شىء من الأشياء، مع ما لهم من منزلة علمية لا تجارى.. وما سئلوا عن شىء إلا أجابوا عليه فى وقته، ولم تمر على ألسنتهم كلمة (لا أدرى)، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة والتأمل، ونحو ذلك..ب(6).

 

ورفعوا علم الأئمة، ليس فقط على علم الأنبياء والمرسلين، بل حتى على علم الله!! فقالوا: اإن اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا، وإنما كان عند آصف منها حرف واحد، فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس، حتى تناول السرير بيده، ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين. ونحن [الأئمة ــ والمتحدث هو الإمام زين العابدين [38-94هـ 658-712م]- عندنا من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفا، وحرف واحد عند الله استأثر به فى علم الغيب عندهب(7)!

 

وقالوا: بتفويض الله للأئمة من أهل البيت الولاية التشريعية والولاية التكوينية، وذلك بمعنى أن زمان العالم بأيديهم، فلهم التصرف فيه إيجادا وإعداما، كما أن زمام الإماتة بيد عزرائيل، وأن الأئمة هم الوسائط فى خلق العالم، والعلة الغائية له كما أنهم سبب لطف الله تعالى وإفاضته على العالم واستمرار قيام العالم بهمب (8).

 

وقالوا ــ بلسان الخمينى [1320- 1409هـ 1902- 1989م]: اإن لأئمتهم عند الله مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبى مرسل.. وأن للإمام مقاما محمودا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات الكون(9).. وأن حساب الخلق على الأئمة، وإيابهم إلى الأئمةب (10)!

 

هكذا أله الشيعة الأئمة ــ ولم يؤلهوا الأنبياء والمرسلين ــ.. ولذلك أجازوا تمثيل الأنبياء والمرسلين، بينما امتنعوا عن تمثيل الأئمة المعصومين، الذين جعلوا لهم مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبى مرسل.

 

أما أهل السنة والجماعة، فلقد انطلقوا من القرآن الكريم الذى جعل الأنبياء والمرسلين بشرا يوحى إليهم قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف: 110).

 

فهم كاملو البشرية.. لكنهم ــ بالوحى والمعجزات ــ ليسوا خالصى البشرية.. لأنهم قد جمعوا الإلهى إلى البشرى.. والخارق للواقع إلى الواقع.. والسماوى إلى الأرضى.. والمتجاوز للطبيعى إلى الطبيعى.. وبعبارة القاضى عياض: فإن أرواحهم وبواطنهم متصفة بأعلى من أوصاف البشر، متعلقة بالملأ الأعلى، متشبهة بصفات الملائكة.. فجعلوا من جهة الأجسام والظواهر مع البشر، ومن جهة الأرواح والبواطن مع الملائكةب.. وبعبارة الإمام محمد عبده: افإنهم بمنزلة العقول من الأشخاص.. وهم فى مراتبهم العلوية على نسبة من العالمين: نهاية الشاهد وبداية الغائب، فهم فى الدنيا كأنهم ليسوا من أهلها، وهم وفد الآخرة فى لباس من ليس من سكانهاب.

 

لذلك، استحال تمثيل الأنبياء والمرسلين، لأن التمثيل محاكاة للواقع.. ونحن ــ بإزاء الأنبياء والمرسلين ــ أمام إعجاز مفارق للواقع، مستحيل على المحاكاة والتمثيل.

 

——–

(*) افتتاحية مجلة الأزهر – نشر بموقع المجلة، بتاريخ: 31 ديسمبر 2014م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى