آراءأقلام حرة

د محمد علي المصري يكتب:  نعم.. هو من عند أنفسنا!

Latest posts by د. محمد علي المصري (see all)

 

نعم.. هو من عند أنفسنا!

وضرب الله مثلاً: قرية.. كانت آمنة مطمئنة.. يأتيها رزقها رغدا من كل مكان! فكفرت بأنعم الله!! فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون..

 

نعم.. إنه كفر نعمة الله تبارك وتعالى، التي قد تبدأ بعدم استشعار تلك النعمة، بالالتفات عن لَحْظ فاقديها، لمعرفة (الفرق) بين المتنعم وغيره، وقد تبدأ بإقرار المتنعم بتلك النعمة، واستشعاره بها، لكنه ومع مرور الوقت (يعتادها): (فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم)، فيعتقد أن هذه النعمة والفضل محض استحقاق له، أو أنه حَصَّل تلك النعمة بعلمه وجهده (إنما أوتيته على علم عندي).

 

وقد يتطور كفر النعمة إلى جحد وجودها، فيتساءل الإنسان: أين تلك النعمة التي تتحدثون عنها، وهو أثر لعدم استشعارها منذ البداية، أو للاعتياد بعد الإقرار بوجودها، فيحصل له إنكار لوجودها من أصلها، ومن ثم يطالب بإيجادها!! فيضطرب السامع! كيف نوجدها وهي موجودة محسوسة مشاهدة، لكن كفر النعمة طمس على أعين من جحد بها.

 

فتأتي الفاجعة (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)، الجوع والخوف، وأي جوع أكثر من تفويت الأرزاق وسحقها، ومنعها عن أصحاب الحاجات والمعوزين؟ وأي جوع من منع القطر عنهم، ولو جزئيا، فيصبحون من بعد التنعم في شظف من العيش، ويجاهدون للبقاء على قيد الحياة، وأي خوف من انتشار المرض الذي لم يكن في أسلافهم؟ وأي خوف من أن يعلو البلاد والعباد مستبد طاغٍ من تلكم بغير التسبيح له نكلوا به وسجنوه وعذبوه، وفي النهاية .. أعدموه! واي خوف من أن يعدم الناس بيتا يأويهم، حتى وإن كانوا لا يجدون خبزا ولا طحينًا، لكنه المكان الذي يهجعون إليه بعد (الكفاح) من أجل البقاء، فعدموه أيضا!

 

فيتصايح الناس… ما هذا ؟!! ماذا يحدث؟!!!!

 

فتأتي الإجابة هادئة.. (قل: هو من عند أنفسكم)!!!

 

ووالله ليس هذا تقريعًا ولا توبيخًا، فلا وقت له في الحقيقة، لكنه تقرير لقانون إلهي مضطرد، يسري على الفرد، رجل أو امرأة، في محيط عائلته، في محيط مجتمعه، المرأة مع زوجها، الرجل مع زوجته، مع والديه، مع أبنائه، والأبناء مع والديهم.. إنهم النعم التي تتقاطر تترى، حتى يحصل الاعتياد، فالإنكار!

 

كما يسري على المجتمعات ككل، قُرًى ودُولاً، وبقدر الإنكار تحدث الإصابة بلباس الجوع والخوف، وهذا القَدْر يتفاوت كمًّا، من جهة عدد المنكرين في المجتمع، ومن جهة مقدار هذا الإنكار فيبدأ بالتململ، والتأفف بغير تصريح، ثم يتطور إلى التصريح على استحياء، ثم بالتبجح والتصايُح! فتأتي العقوبة على (مقاس) الإنكار (ولا يظلم ربك أحدًا)!

 

وتظهر صورة من صور الخوف والتخويف بحصول (الكوارث) غير المعتادة، والأمور التي تُصَعِّب الحياة، فتضيق النفس، وتستشعر الخطر: (… تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم)، وهذه الكوارث والإشكالات والمنغصات الحياتية في ذاتها (آيات) مرسلة من الحق تبارك وتعالى(وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها، وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا)!

 

لكن العجب أن هذه الآيات الواضحات بدلا من ترد (من كفر بنعمة الله) إلى صوابه، فيرجع، ويصلح، ويقرُّ؛ يمعن البعض في التمادي والتحدي، ويُصرُّ أنه اختار الطريق (الصحيح)، والبعض الآخر يتراجع ويئوب، فيظهر أن ما ظاهره العذاب والتضييق؛ هو محض لُطْف من الله تبارك وتعالى ليرجع العبد إلى صوابه، فإن رجع فليتعبر هذا التضييق نعمة ومُرشدًا، وإنها من (تربية) الحق لعباده: (ولتصنع على عيني)، ولردِّهم إلى رُشدهم …

 

وإن لم يرجع العبد إلى صوابه؛ فقد أقام الحق تبارك وتعالى عليه الحُجَّة، ويصدق فيه قول الحق: (ونخوفهم؛ فما يزيدهم إلا طغيانًا كبيرًا)، وإذا اتفقنا على أن هذه الآيات (رُسُلاً) من الحق تبارك وتعالى فقد يصدق فيهم قوله (رسلا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حُجَّة بعد الرسل)، فتكون هذه الرسل (الطبيعية)، لطيفة ربانية لبعض العباد لردهم إلى الجادَّة، وحُجَّة إلهية على البعض الآخر لاستنفاذ موعود الله تبارك وتعالى بحملهم إلى الطاعة، دون حتم وتسيير، بل إرشاد وتخيير.

 

فاللهم نسألك أن ترينا طريق الحق، وتقيمنا فيه، وإذا ضللنا فالطف بنا يا مولانا في آياتك التي تردنا إليك، واجعلها سببًا في الرد إليه، ولا تجعلها حُجَّة علينا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى