آراءمقالات

حكم إِطلاق النار في الهواء

Latest posts by د. محمد الفرا (see all)

الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَبَعْدُ..

فَإِنَّ إِطْلَاقَ الأَعْيِرَةِ النَّارِيَّةِ فِي المُنَاسَبَاتِ؛ كَالأَفْرَاحِ، وَالنَجَاحِ، وَالجَنَائِزِ، حَرَامٌ شَرْعاً، لَا يَجُوزُ لِلمُسْلِمِ الإِقْدَامُ عَلَيْهِ؛ لِلأَسْبَابِ الخَمْسَةِ التَالِيَةِ:

إيذاء للمسلمين

1- إِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تَتَضَمَّنُ إِيذَاءً لِلمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛

فَقَدْ تَتَسبَّبُ فِي مَقْتَلِ مَعْصُومٍ، أَوْ إِصَابَتِهِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ، وَسَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ اسْتِحْقَاقِ العَذَابِ الأَلِيمِ،

قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بهْتَانًا وَإِثْمًا مبِينًا} [الأحزاب: 58].

ترويع المسلمين

2- إِنَّ تَرْوِيعَ المُسْلِمِ حَرَامٌ ومِنَ الكَبَائِرِ،

وَإِطْلَاقُ النَّارِ فِي الهَوَاءِ لَا يَخْلُو مِنْ تَرْوِيعٍ لِلنِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ وَالمَارَّةِ؛

فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ:

حَدَّثَنَا أَصْحَابُ محَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ،

فَقَالَ ﷺ: (لَا يَحِلُّ لِمسْلِمٍ أَنْ يرَوِّعَ مسْلِمًا)

(أبو داود: 5004)،

وَعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأمِّهِ)

(مسلم: 2616).

النهي عن حملِ السلَاحِ مَكشوفاً

3- لَقَدْ نَهَى الإِسْلَامُ عَنْ حَمْلِ السِّلَاحِ مَكْشُوفاً؛ خَشْيَةَ أَنْ يؤْذِيَ المُسْلِمِينَ دونَ قَصْدٍ؛ لِحَدِيثِ أَبِي موسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

(إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا، أَوْ قَالَ: فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ أَنْ يصِيبَ أَحَدًا مِنْ الْمسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ)

(البخاري: 452، ومسلم: 2615).

كَمَا نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنْ الإِشَارَةِ بِالسِّلَاحِ إِلَى المسْلِمِ؛ خَشْيَةَ أَنْ تَزِلَّ يَدُهُ؛ فعَن أَبِي هرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

(لَا يشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حفْرَةٍ مِنْ النَّارِ)

(البخاري: 7072، ومسلم: 2617)؛

فَكَيْفَ بِمَنْ يَسْتَعْمِلُ السِّلَاحَ، وَيطْلِقُ النَّارَ فِي الهَوَاءِ، وَبَيْنَ الأَزِقَّةِ، وَفِي الطّرُقَاتِ؟!

إِهدار لِلمَالِ فِي غيرِ وَجهِهِ المشروعِ

4- إِنَّ إِطْلَاقَ النَّارِ فِي الهَوَاءِ فيهِ إِهْدَارٌ لِلمَالِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ المَشْرُوعِ، وَهَذَا تَبْذِيرٌ محَرَّمٌ، نَهَى اللهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ:

{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 27].

امتلاك السلاح للدفاع عن الدين

5- إِنَّ امْتِلَاكَ السِّلَاحِ إِنَّمَا شرِعَ لِلدِّفَاعِ عَنِ الدِّينِ، وَالذَّبِّ عَنِ النّفُوسِ وَالأَعْرَاضِ، وَإِنَّ تَوْفِيرَهُ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ مِنَ القوَّةِ الَّتِي أمِرنَا بِإِعْدَادِهَا،

فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ عَبَثاً وَلَهْواً، وَإِلَّا أَضْحَى اسْتِعْمَالاً لِلسِّلَاحِ فِي غَيْرِ مَقْصِدِهِ، وَفِي ذَلِكَ كفْرَانٌ لِلنِّعْمَةِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

الخلاصة

وَبِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ: فَإِنَّ مطْلِقَ النَّارِ فِي الهَوَاءِ آثِمٌ شَرْعاً، وَضَامِنٌ لِكُلِّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ المسْتَهْتِرِ بِأَرْوَاحِ النَّاسِ وَممْتَلَكَاتِهِمْ،

وَإِذَا أَدَّى إِطْلَاقُ النَّارِ فِي الهَوَاءِ إِلَى إِزْهَاقِ نَفْسٍ -لَا قَدَّرَ اللهُ- فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ القَتْلِ شِبْهِ العَمْدِ، الَّذِي تغَلَّظُ فِيهِ العقُوبَةُ؛

ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَمَّدَ إِطْلَاقَ النَّارِ دونَ حَاجَةٍ مَشْرُوعَةٍ، مَعَ عِلْمِهِ المسْبَقِ أَنَّهُ مَظِنَّةُ تَلَفِ النّفُوسِ.

كَمَا أَنَّ الجِهَاتِ القَضَائِيَّةَ وَالشّرَطِيَّةَ مطَالَبَةٌ شَرْعاً بِمَنْعِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الرَّعْنَاءِ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ مَفَاسِدَ تؤْذِي النَّاسَ فِي أَرْوَاحِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ،

وَمَعْلُومٌ أَنَّ وَاجِبَ السُّلْطَانِ هو حِفْظُ مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ؛ بِجَلْبِ المَنَافِعِ لَهُمْ، وَدَفْعِ المَفَاسِدِ عَنْهُمْ،

وَالسَّمَاحُ لِلسُّفَهَاءِ بِإِطْلَاقِ الأَعْيِرَةِ النَّارِيَّةِ فِي المُنَاسَبَاتِ المُخْتَلِفَةِ فَسَادٌ كَبِيرٌ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى