آراءمقالات

مع المستشرقين

Latest posts by د. محمد الشرقاوي (see all)

هيَّأَ اللهُ لي -دون تخطيط مني- أن أحتك بمستشرقين كثر، ينتمون إلى جل مدارس الاستشراق في الغرب ..ونشأت بيننا علاقات علمية وفكرية وإنسانية أحيانا.

 

وسبيل ذلك: (مؤتمر الدوحة الدولي لحوار الأديان)، ولذلك قصة طريفة:

لقد تعاقدتْ معي جامعة قطر الحكومية أستاذا معاراً من جامعة القاهرة ، وقد أسندوا لي رئاسة ( قسم أصول الدين ) لست سنوات متتابعة .

 

وأتذكر أنه بعد تسلمي عملي في الجامعة، تقدمتُ بمشروع متكامل لإنشاء (مركز لحوار الأديان والحضارات، ينبثق عنه مؤتمر دولي سنوي لحوار الأديان والحضارات) في جامعة قطر، وقد سُرَّ به صديقي عميد الكلية أ.د. عبد الحميد الأنصاري.

 

ومرّت ثلاثة أشهر، نسيتُ خلالها هذا المقترح ، وفوجئتُ بدعوة لي لزيارة الديوان الأميري وتقديم عرض مفصّل عن المشروع.. واصطحبتُ معي صديقي أ. د. يوسف الصديقي وكيل الكلية ..وقابلنا هناك رجل مثقف محترم (أصبح فيما بعد وزيرا للخرجية ثم وزيرا للدفاع).. وأنصت لي باهتمام كبير.. وتناقشنا طويلا وتفصيلا حول نقاط عديدة، ثم ودعنا الرجل بأدب جم، وقال لي: أهنئك بهذا المشروع المهم، وأتوقع أن يحصل على الموافقة النهائية قريبا، لتبدأ اجراءات التنفيذ العملي.

 

– وبعد بضعة أشهر عرفتُ أن الدولة قد وافقت على المشروع، وأن يبدأ بتنظيم أول مؤتمر دولي لحوار الأديان والحضارات في الدوحة.

 

وكان هذا أول مؤتمر يعقد ويجتمع فيه علماء أديان من دول العالم، ومن العالم العربي.. وأتذكر أنه حضر شيخ الأزهر أ.د. محمد سيد طنطاوي والبابا شنودة بابا الكرازة المرقسية في مصر.. والأنبا يوحنا قلته والقس صفوت البياضي (وهما صديقان لي).. وحضر عدد كبير من العلماء والباحثين ورجال الدين المسيحي من الملل والمذاهب المسيحية الكبرى والصغرى في العالم، كما حضره عدد من المستشرقين.

 

وبدأت عجلة المؤتمر تسير بانتظام برعاية الدولة التي وضعت كافة الإمكانات التمويلية والدبلوماسية واللوجستية -بلا حدود- لإنجاح المؤتمر، الذي اقترحتُ تسميته: (مؤتمر الدوحة الدولي لحوار الأديان)، وكان دولياً بكل ما في الكلمة من معنى ..فقد كنا ندعوا للمشاركة فيه أكثر من 200 عالم ومستشرق سنويا .

 

وكنت -تقريبا- المسئول العلمي والفني للمؤتمر.. الذي أقترح موضوعه ومحاوره.. وأقترح أسماء المشاركين فيه.. وكنت أكتب مسوَّدة التوصيات.. إلخ .

 

وحقق المؤتمر ناجحا نجاحا كبيرا، وكان علماء الأديان والمستشرقون ينتظرون دعوتهم للمشاركة فيه، وكانوا يرحبون بذلك ترحيبا عظيما (نكتة: دعونا مرة أحد العلماء اليهود من أمريكا للمشاركة، فطلب 10 آلاف دولار، فضحكتُ وقلت: اكتبوا له.. هو الذي عليه أن يدفع لنا.. ولم نستكمل إجراءات دعوته ومشاركته)!!

من هنا احتككتُ بعشرات ومئات من علماء الأديان في العالم، ومن المستشرقين، على اختلاف دولهم ومدارسهم، ونشأت -بطبيعة الحال- بيننا علاقات فكرية وعلمية، وزرت كثيرا منهم في جامعاتهم ومراكز بحوثهم في بلادهم.

 

ومن خبرتي الشخصية:

أن المستشرق إنسان نشأ في بيئة ثقافية وعلمية ودينية وسياسية واجتماعية مختلفة بالمطلق عن البيئة العربية والإسلامية، كما أنه ورث ميراثا ثقيلا من دراسات المستشرقين المسمومة والملغومة، ضد الإسلام والمسلمين. رأيتُ أن هذا حال كثير منهم !!

ورأيتُ أن واجبنا أن نتفهم هذه الحقيقة وأن نتعامل معها بحكمة وبصيرة وتدرج وبعد عن التعصب وضيق الأُفق والشنآن.

 

وأن ننطلق في نقاشنا من:

غرس الثقة وتبادل المشاعر الإنسانية الحسنة، والتعويل على العقل والمنطق، ورأيتُ أن ذلك يمثل طريقاً سديداً يجعل المستشرق يتنبه إلى خلل بعض أحكامه وتصوراته، ومجافاة بعضها للمنهج العلمي الرصين، وبع جانب منها عن الموضوعية.. وبعضهم أتيحت له الفرصة -ربما لأول مرة- أن يتناقش مع علماء مسلمين موضوعيين أذكياء، يبتغون مصلحة الإنسانية كلها ونفعها.

 

لاحظت بنفسي أن بعضهم، عندما يرجع إلى بلده يشرع في تأمل أفكاره وإعادة تقييمها وغربلتها، وكان بعضهم يتمتع بشجاعة أدبية، تجعله يصرح بتعديل بعض أفكاره وأحكامه وتصوراته.

 

سار المؤتمر الناجح لسنوات.. إلى أن فوجئنا أن الدولة قد دعت علماء يهود من داخل إسرائيل، فلم نستحسن ذلك، ولم نقره!! وأعتقد أن هذا التطور كان بداية لتراجع المؤتمر؛ لأن التوظيف السياسي للعلم والعلماء يفسد العلم ويضر بالسياسة أيضا.

 

بعد فترة، قدمت استقالتي من العمل في جامعة قطر لبعض الأسباب، ورجعت لطلابي وزملائي وأساتذتي،.. والعمل رئيساً لقسم الفلسفة الإسلامية في جامعة القاهرة لست سنوات أيضا.

 

هامش:

كنتُ قد تقدمتُ بنفس المقترح إلى زميلي عميد كلية دار العلوم في جامعة القاهرة ، لتأسيس مركز لحوار الحضارات والأديان، في الجامعة، يكون مقره (كلية دار العلوم)، وكان العميد ذكياً في رفضه للمقترح ؛ حيث أحاله إلى لجنة تضم زميلين فاضلين لا علاقة لهم بالمؤتمرات والمراكز العلمية، ولم يشاركوا البتة في أي مؤتمر دولي أو محلي من قبل، فرفضا المشروع.. وأبلغني زميلي العميد الرفض القاطع!، ثم سافرت بعد ذلك بشهور، وكان ما كان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى