آراءبحوث ودراسات

«التنمية هي الحل» بين السلفية والليبرالية (1- 2)

Latest posts by د. محمد السعيدي (see all)

التنمية هي الحل، ومن ذا الذي يُمكن أن يُخالف في ذلك إذا علم أن مصطلح التنمية مرادف لمصطلحٍ قرآني هو الاستعمار في الأرض الذي هوالغاية من خلق الإنسان على هذه البسيطة؛ لأن الغاية المطلقة من خلق الإنسان هي الاستعباد لله وهي غابة يُشاركنا فيها الجن ،كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:٥٦]، أما الغاية من خلق الإنسان على هذه الأرض خاصة، والتي لا يشاركنا فيها الجن ولا غيرهم من المخلوقات فهي عمارة الأرض حيث قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:٦١]أي: “وجعلكم عُمَّارًا فيها” كما يقول الطبري (١٥ /٣٦٨) ولأجلها أمَدَّ الله بني البشر بالقوى الذهنية والبدنية وسخر لهم كل ما حولهم وما فوقهم وما تحتهم من مقدرات الأرض والفضاء؛ وهذا الاستعمار هو أحد مدلولات الاستخلاف الوارد في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:٣٠] ومن واجبات المُسْتَخْلَف في عمارته لما مُكِّن عليه من الأرض أن يقوم بالحق ويتبع سبيل الله تعالى في كل جوانب حياته كما قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص:٢٦]. وسبيل الله تعالى هو إصلاح هذه الأرض وعدم إفسادها كما قال عز وجل: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:٥٦]. وعلى هذا فالتنمية هي الحل فعلًا، وكيف لا تكون كذلك وهي مراد الله عز وجل، وبها قوام الدين والدنيا، يَرغَدُ عيشُ الناس وينتشر الأمن وتُسْتَثْمر خيرات الأرض وتزدهر القوة الاقتصادية والعسكرية والصناعية؛ فتستكفي الدولة بمواردها وتستقوي على خصومها وتتقدم على منافسيها، وتصبح الأجواء أنسب ما تكون لتحقيق مقاصد الشرع بحفظ الكلياتِ الخمس ضروريِّها وحاجيِّها وتحسينيِّها. فالتنمية هي الحل ، ليست مبدأً ليبرالياً كما يُوهِمُنا البعض ؛ بل قيمة قرآنية نبوية قطعية الثبوت مستنبطة من نصوصٍ قطعيةِ الدلالة. أما التنمية حين يغادر طالبوها سبيل الله تعالى فإن مآل تنميتهم -وإن ظهر منهم الإصلاح في جوانب- إلى نقض غزلهم والإفساد على أنفسهم وعلى غيرهم وذلك من جانبين: الجانبُ الأول جانب قَدَرِيٌّ؛ حيث أخبر تعالى عن سنته في أخذ الأمم التي تخالف سبيله في وقت ذروة فرحهم واغتباطهم بما هم عليه، وعلى ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة يكفي منها في هذا المقام هذه الآية: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]. أما الجانب الآخر فجانب كَسْبِيٌّ؛ إذ إنَّ مخالفةُ قانون الله تعالى تؤدي حتمًا إلى وضع الأشياء في غير مواضعها؛ الأمر الذي ينقلب معه الإصلاح حتمًا إلى إفساد: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: ١١-١٢]. وتنزيل ذلك على الواقع الغربي يَسِيرٌ جدًا لمن تتبع واقعهم الاجتماعي والاقتصادي وكيف أن مشكلاتهم في هذين الجانبين تتَّسع وتعيَا بها خططهم الإصلاحية.

يتوهم البعض في طغيان الفلسفات الحديثة : أن الليبرالية هي التنمية، وهي التي وصل العالم بها لما وصل إليه من العلم والتقنية والتقدم والرقي. وأمانةً أقول: إن الليبرالية كانت حقاً السبب الأول لكل ما يعيشه العالم اليوم من جوانب تقدم صناعي وتقني وزراعي وقانوني، وهي كذلك السبب في كل ما يعيشه عالم الْيَوْمَ  من جوانب فساد ديني وأخلاقي وقِيَمِي واجتماعي وبيئي.

فلا يشك مؤرخٌ أنه لولا فرانسيس بيكون و ديكارت ،وأضرابهما من رواد الليبرالية الأُول لَمَا حصلت أوربا على ما حصلت عليه من التقدم في علوم التكنولوجيا والطب والفلك وغيرها وذلك: أن العقل الأوربي كان مُحَاصَرًا بتعاليم الكنيسة الصمَّاء والتي حالت بينه وبين التفكير، واستعبدته استعبادًا حال بينه وبين النظر إلى كل ما يحيط به إلا من خلال الثقوب التي يتيحها له الآباء والقساوسة والكرادلة؛ لكن الليبراليين الأُول طالبوا بتحرير العقل من تابوت الكهنوت وتحرير كتابهم المقدس من تفسيرات الكهنة، عندها بدأوا ينظرون إلى ما حولهم بعقل علميٍّ ناقد متسائل، فانفتحت لهم مغاليق الكيمياء والفيزياء وأقاموا على نتائج ذلك البناء العلمي الهائل الذي أنتج ما نعايشه اليوم من المخترعات التي خالطت حياتنا.

لكن السؤال هنا: كيف نشأت الليبرالية تلك؟ وكيف تسنَّى للعقل الغربي أن ينفتح فجأة ويبني هذه الحضارة؟ إن القول بأن العقل الأوربي استيقظ فجأة ودون أسباب كما يُحَاول أكثر مؤرخي النهضة صُنعه من أمثال “هيربرت فيشر” في كتابه أصول التاريخ الأوربي الحديث لَأمر مثيرٌ للسُّخرية، فهم يحاولون ربط هذه النهضة بأثينا وإسبارطة وقونية قبل أكثر من ألفي عام؛ ليزعموا أن الذي حصل هو مجرد نومةٍ طويلةٍ استغرقت كل تلك المدة، ثم استيقظ العقل الأوربي فجأة ليلتفت إلى تراثه اليوناني القديم ثم يعاود النهوض، هكذا ببساطة! إن المؤرخين الأوربيين يهملون عمدًا السبب الرئيس في يقظتهم والمَعِين الأول لاستفادتهم وهو التأثر بالمسلمين عبر الجِِوار للأندلس وبشكل أكبر عبر الحروب الصليبية؛ حيث خرج إلى الشام ومصر منهم مئات الآلاف من الأمِّيين الجهلة محاربين؛ ليجدوا أمامهم مدنًا مرصوفة مرتبة عامرة بالمدارس والمكتبات والمستشفيات والمصحات والمختبرات وشعوب قارئة كاتبة راقية في أخلاقها وتعاملها؛ ومن هناك بدأت رحلة الانتقال لتتحول القيادة الحضارية من المسلمين إلى الغرب؛ حيث بدأت إرهاصات ظهور الليبرالية من القرن الثالث عشر الميلادي ويعد “روجر بيكون” [تـ١٢١٤م] وهو من أوائل الأوربيين الذين بدأ بهم التدريج نحو إعلان التمرد الكامل على الكنيسة.

أصبحت الليبرالية في وقتها في القرن الخامس عشر ضرورة فكرية للأوربيين؛ إذ إن آراء الكنيسة في العلم والكون والحياة كانت مُخجلة، ولا يُمكن لعقل استفاد رحابة التفكير من الشعوب المسلمة المجاورة أن يتوقف عندها. كانت فكرة نفي القداسة عن المعلومات السائدة والتي تبناها فرانسيس بيكون و رينيه ديكارت ، وفكرة الاستقراء عند بيكون، والشك عند ديكارت مستفادتين بشكل واضح من علم الكلام عند المسلمين، وكانتَا مدخلًا للبدء بالعلم التجريبي الذي هو الآخر مستفاد من الفيزيائيين والفلكيين والكيميائيين والأطباء المسلمين: لقد كانت الليبرالية في بدايتها ضرورة لأوربا؛ لأن أوربا لو بقيت تعتمد تفسيرات الكنيسة للعهدين القديم والجديد، والقليل من فلسفة أرسطو التي أدخلها بعض آباء الكنيسة إلى الدين النصراني ثم أُضْفِيَت عليها القداسةُ، لو بقيت أوربا تعتمد ذلك لاستمرت حتى اليوم تقتل كل مُخترِع ومُكتشف أو تُلزمه بالتوبة كما فعلوا مع كوبر نيكوس و جاليليو.

عد القرن الخامس عشر وما أعقبه لم تقف الليبرالية الأوربية عند تصحيح الأخطاء في الديانة النصرانية بل استمرت نظرية الشك الديكارتي مؤثرة على كل من عاصره ومن جاء بعده وكانت بوابة لإنكار الدين بالكلية ، وفار طوفان هذه النظرية ليتجاوز المعامل والأفلاك ويغمر كل حركة العقل البشري من الإهيات حتى الأخلاقيات فتم جحد الإله وإنكارالأخلاق والعبث بالآداب،حتى أدى هذا الاستغراق في نظرية الشك  إلى الواقع الاجتماعي الحاصل الآن والمهدِّد للجنس الأوربي بكامله بالانقراض ؛كما أن تَوَسُّعها شمل الاقتصاد ،فأدى إلى انقراض الاقتصاد الطبيعيالذي عاش مع ابن آدم عشرات القرون من  السنين  وحلت مكانه الرأسمالية والشيوعية بكل ما فيهما من عيوب خفية وظاهرة، وما أديتا وتؤديان إليه من مضار أنتجت استعمارًا وحروب إبادة ومفاسد لا تحصى على البيئة والحياة الفطرية والتوازن الخِلقي والبيئي والاقتصادي .

ثم يأتي السؤال الأهم: إذا كان المسلمون هم المحرك القوي للتقدم الأوربي الذي نشهده بجميع أشكاله، فلماذا لم يتقدم المسلمون، ولماذا لم يصنعوا السيارة والطائرة والقطار وغيرها من المخترعات التي تُسَهِّل حياتنا الآن؟

الجواب أعطيك إياه بإيجاز ، ثم بتفصيل ، الجواب المختصر :أن الذي حال بينهم وبين ذلك التقدم التقني هو الانزياح الحضاري نحو الأمم الأخرى ، ومنهم اليونان تلك الأمة التي يعتبر الغرب نفسه خطأ وريثاً حضارياً لها .

أما الجواب بالتفصيل : فأن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم جاءا بتعاليم عظيمة جعلت استعباد الإنسان في هذه الأرض لله؛ وقَيَّدته بتعاليم تضبط حياته وجميع تعاملاته في يومه وليلته، لكنها مع هذا فتحت له مجالًا رحبًا في العلم والتفكر فيما خلق الله مِن حولهم وفي أنفسهم والبحث في كل ذلك واستكشافه. وكل ذلك لا يمكن أن يتسنى إلا في عالَم الشهادة ؛ وعالم الشهادة هو ما يدركه الإنسان بحواسه الخمس أو بعضها، سواء أكان ذلك مباشرة فيما يراه الإنسان أو يسمعه أو يبصره أو يُحسِّه أو يشمُّه، أم بوسائط كالكائنات الدقيقة التي لا تُرى ولا تُسمع إلا بوسائط مجهرية ومخبرية .

أما عالَم الغيب وهو ما كان فوق السماء من مخلوقات وعوالم، أو ما لا يمكن إحساسه أو مشاهدته وما ليس لمعرفته طريق سوى الوحي فقد نهى القرآن الكريم عن تتبُّعه ،وأمرَ بالتسليم فيه لما يخبر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:٣٦]. فإذا بحث الإنسان وتفكر وتدبر في عالم الشهادة وصل إلى نتائج تزيده معرفة بنفسه وبالكون مِن حوله، فيستطيع بما يصل إليه من معرفة خصائص الأشياء أن يخترع ما يجعل حياته أيسر وأفضل، وعمرانَه للكون أشد وأقوى وأنفع؛ لأن أدوات الوصول إلى الحقائق موجودة لديه في عالم الشهادة  وهي الحواس الخمس وما انبثق عنها من آلات ؛ أما عالم الغيب فلا يزيده البحث فيه إلا عناءً وتشتُّتًا واضطرابًا واختلافًا؛ لأن الإنسان لا يملك أيَّ أداة تمكنه من الوصول للحقيقة في هذا العالم سوى ما نص عليه الله تعالى في كتابه ؛ فالوسيلة الوحيدة للتعرف على عالم الغيب هي النصوص الشرعية لا غير .

وقد عمل المسلمون بهذه الحقيقة، وهي الاقتصار في البحث العلمي على عالم الشهادة وحسب؛  والتسليم لله تعالى فيما يتعلق بعالم الغيب، طيلة سيادة الفهم السلفي للإسلام وذلك في القرون الأربعة الأُوَل ؛ وهي الحقبة ذاتُها التي ظهر فيها كبار النابهين في التاريخ الإسلامي في الطب والصناعة والفلك والرياضيات والهندسة والعمارة؛ وكان الجو العلمي والسياسي في تلك العصور يخضع فكريًّا لسيادة في حاضرة الخلافة وما تهيمن عليه من الأمصار للمنهج السلفي باستثناء الحقبة القصيرة ما بين آخر عهد المأمون وأوائل عهد الواثق والتي لا تتجاوز بضع عشرة سنة؛ وكانت حُرٌِية البحث العلمي في عالم الشهادة لا يعيقها فتوى شرعية ولا قرار سياسي؛ نعم: إن معظم من طارت أسماؤهم في الآفاق من هؤلاء الباحثين لم يكونوا على منهج السلف واعتقادهم؛ كالكندي وجابر بن حيان والبيروني وابن سينا؛ لكن أجواء حرية البحث العلمي التي عاشوها هي المسؤولة عن ظهورهم وغزارة إنتاجهم، فلم يعترض فيما أعلم أحد من علماء الشريعة على أيٍّ من هؤلاء في أبحاثه وأعماله الفلكية والطبية والرياضية؛ وإنما اعترضوا على بعضهم في آرائهم فيما يتعلق بما وراء الطبيعة،  أي في عالم الغيب ؛ فحينما كان البيروني وابن سيما وأضرابهما يتكلمون في عالم الغيب الذي لا يملكون أداوات البحث فيه كانت الردود والاعتراضات تأتيهم ، وحين كانوا يبحثون في الفيزياء والطب والرياضيات كانت طريقهما العلمية تمشي دون تعثر.

والماورائيات آراء مخالفة للقطعي من الشرع المعلوم من الدين خلافه بالضرورة ؛ أما نتائج أبحاثهم فيما لا يتعارض مع قطعي النصوص فلم تكن أبدًا محل خصومة معهم أو تأليب ضدهم حتى لو لم تكن محل اتفاق معهم.

وخير مثال على ذلك رأي أبي الريحان البيروني في كون الأرض تدور على محورها لا أعرف -وأنسب عدم المعرفة لنفسي- أحدًا كفَّره بهذا القول أو حال بينه وبين نشره؛ بل كان البيروني من المقربين من البلاط الغزنوي وهو بلاط سنِّي معروف برفع راية التدين وإعلاء شأن علماء الدين والجهاد في سبيل الله. وعلى كل الأحوال فبروز أمثال هؤلاء المناوئين لمنهج السلف في الاعتقاد بعلومهم التجريبية في جو علمي أشد ميلًا إلى المنهج السلفي إنما هو شهادة نَيِّرة للحرية العلمية التي كان يُوَفِّرُها العلماء لمثل هذه الأبحاث التجريبية حتى ولو أتت على أيدي مناوئين لمنهجهم. والذي ينبغي الالتفات إليه: أن أول حادثة -قتل بتهمة الفلسفة وربما كانت الأخيرة-إن ثبتت تاريخيًّا وحسب علمي أنها لم تثبت-كانت على يد دولة الموحدين التي جلبت المذهب الأشعري إلى المغرب؛ مع الدعاوى العريضة بالعقلانية لدى الأشاعرة ومن تبعهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى