بحوث ودراسات

«التنمية هي الحل» بين السلفية والليبرالية (2- 2)

د. محمد السعيدي
Latest posts by د. محمد السعيدي (see all)

فإذا كانت نهضة العلوم التقنية قد تقدمت لدى المسلمين في القرون الأربعة الأول في البلاد التي كانت الهيمنة فيها للتوجه العقدي السلفي وللدول المتبنية للمنهج السلفي ، فما الذي حدث وكيف توقفت هذه النهضة؟

وسأسوق الجواب على هذا التساؤل إجمالًا أولًا، ثُمَّ بشيء من التفصيل. أما الإجمال: فالسبب هو مخالفة أمر الله تعالى القاضي بالتفكر والبحث في عالم الشهادة والتسليم لله تعالى في عالم الغيب، حيث تعاظم أمر البحث في عكس ما أمر الله به وهو عالم الغيب وساد أوساطَ الأذكياء، وضَعُفَ البحث في عالم الشهادة.

أما التفصيل: فقد افتتن بالفلسفة اليونانية طوائف من الشباب في وقت مبكر، وبدأوا في الخوض في قضاياها التي كان منها: نظريات الطبيعة، وفرضيات ما وراء الطبيعة، وفرضيات علم المعرفة. فأما القسم الأول فقد وُفِّقوا فيه حيث نقلوه من كونه علومًا نظرية إلى حيز التطبيق عن طريق ما عُرِف فيما بعد بالعلم التجريبي، وهو موافق لما ذكرتُ آنفًا بأنه الأمر القرآني بالبحث في عالم الشهادة. وأما الثاني والثالث فقد بدأ بحثهم فيه ضعيفًا وغير طاغٍ على الجانب الأهم وهو العلم التجريبي، إلا أن المشكلة جاءت حين تطور الاهتمام بما وراء الطبيعة وخرج من حيز النقاش الفلسفي العقلي المحض لِيَتِم إدخاله عن طريق علم الكلام إلى الشرع الإسلامي فتصبح أقوال الفلاسفة جزءًا من الدين، وذلك على يد المعتزلة ومن بعدهم الأشعرية. هنا بدأ الانحدار والبعد عن العِلم التجريبي، فكما أدخل القديس أوغسطين وتوما الأكويني بعض الآراء الفلسفية اليونانية في الدين النصراني، تم إدخالُ مفاهيمَ يونانية وبراهمية ورومانية إلى الإسلام، وزَعْم أنَّ تلك الآراء هي التوحيد والدين الحقيقي؛ كنفي اتصاف الإله بالصفات، ونسبة خلق الأفعال إلى البشر والقول بالجبر، وغير ذلك من العقائد الماورائية والتي استشرس المعتزلة  ثم الماتوريدية والأشاعرة من أجل إقحامها في دلالات النصوص بدرجات متفاوتة.

هذا الانحراف لم يكن مؤثرًا كثيرًا في القرون الأربعة الأول لكون الخوض في تلك القضايا ظلَّ نخبويًّا كما أن علماء الشريعة لم ينخرطوا فيه بشكل كبير؛ ومَن دخلوا في هذا المجال منهم بقوا موضع انتقاص في هذه الجزئية، واعتُبِرَت من سقطاتهم كأبي بكر الباقلاني رحمه الله [تـ٤٠٣]. أما بعد فرض مذهب الأشاعرة سياسيًّا على يد السلاجقة في المشرق والموحدين في المغرب فقد بدأ بالفعل ذهاب الأجواء المُشجِّعة على البحث العلمي في عالم الشهادة، وهو بحق عصر بداية التوقف في علوم الفيزياء والكيمياء والفلك والصناعة، وذلك لأسباب عدة منها: انشغال أذكياء الأمة بهذا الجدل بشكل كبير حتى ألهاهم عن أبحاث عالم الشهادة مما جعل أبا حامد الغزالي رحمه الله وكان من عظماء الأشاعرة وأهل الكلام يقول عن علم الكلام: “والدليل على تضرر الخلق به: المشاهدة والعيان والتجربة، وما ثار من الشر منذ نبغ المتكلمون، وفشت صناعة الكلام مع نهي العصر الأول من الصحابة رضي الله عنهم عن مثل ذلك. ويدل عليه أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في المحاجة مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم –لا لعجز منهم عن ذلك– فلو علموا أن ذلك نافع لأطنبوا فيه، ولخاضوا في تحرير الأدلة خوضًا يزيد على خوضهم في مسائل الفرائض”. وقال أيضًا:”إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا محتاجين إلى محاجة اليهود والنصارى في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فما زادوا على أدلة القرآن شيئًا، وما ركبوا ظهر اللجاج في وضع المقاييس العقلية وترتيب المقدمات. كل ذلك لعلمهم بأن ذلك مثار الفتن ومنبع التشويش، ومن لا يقنعه أدلة القرآن، لا يقنعه إلا السيف والسنان فما بعد بيان الله بيان”.

ومن أسباب كوّن الانغماس في الكلام كان من أسباب التوقف عن   علوم التقنية : أن الأفكار الكلامية عن الله تعالى وعن القضاء والقدر وعن توحيد العبادة كانت منافذ كبيرة لدخول مذهب الحلول والاتحاد والفكر الباطني والتصوف الخرافي وتعظيم الميتين وسؤالهم من دون الله تعالى؛ فالقول بنفي الصفات عن الخالق عز وجل لزم منه إثبات الحلول والاتحاد، والقول بالجبر نتج عنه تشريع الخمول والتنبلة والدروشة ؛والفكر الهندي وضعف العناية بتوحيد الألوهية نتح عنه تشريع دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به.

هذا مع أن الأشاعرة الأولين وكبار أهل العلم من الأشاعرة المتوسطين والمتأخرين لم يكونوا يقرون كثيرًا من هذه البدع التي تسربت بين الناس؛ لكنْ مما لا أشك فيه: أن تلك الأقوال الفلسفية ودخولها في المذهب الأشعري كان له أثره في تمرير تلك الخرافات وإن لم يكن في إقرارها ابتداءً؛ كما أن الباطنيين الذين كان لهم صولة في القرنين الخامس والسادس كان لهم ارتباط بالرواقيين والأفلوطينيين من أتباع الفلسفة اليونانية والإسكندرية القديمة ؛وظل هذا الوضع يتفاقم حتى أطبقت الخرافة على العالم الإسلامي كله، ولم يكن الجو ملائمًا أبدًا في تلك الأحوال لنهضة علمية تقنية.

إذاً فالانبهار بالفلسفة اليونانية الأوربية ودخول بعض أفكارها إلى بعض المذاهب الإسلامية كان سببًا في توقف المنجزات العلمية الإسلامية عند حد معين؛ ولو أن المسلمين تخلصوا مبكرًا من أفكار البحوث الغيبية اليونانية واستمروا في تطوير علوم الطبيعة عند اليونان والهنود والصينيين وابتكار ما يوفقهم الله إليه بحيث تقتصر جهودهم على البحث في عالم الشهادة لكانوا وصلوا لمراحل من التقدم تُسْعِد الإنسانية، وربما كان بأكثر مما صنع الغرب؛ ولم يكن ليُخلِّص المسلمين من ذلك إلا الرجوع إلى فهم السلف رضي الله عنهم للكتاب والسنة وإلى تصوراتهم المأخوذة منهما عن الدين والكون والحياة؛ وقد قام ابن تيمية رحمه الله تعالى بحركته التصحيحية رغبة في أن تستقيم الحياة الدنيا كما أراد الله عز وجل لها، فتعود مهمة عمارة الأرض إلى مسارها الإصلاحي في ظل استعبادٍ صحيحٍ خالصٍ لله عز وجل؛ لكن هذه الحركة وإن بقي أثرها العلمي حتى يومنا هذا، إلا أن امتداد أثرها على المجتمع كان محدودًا مكانًا وزمانًا؛ وذلك بسبب استعداء الأشاعرة الذين يدَّعون العقلانية والمتصوفة دعاة الحب على ابن تيمية، وما دعا إليه من الرجوع للوحي ومنهج السلف في فهمه، وما دعا إليه من تحرير العقل من الخرافة وإلى بعث الاجتهاد المُحَرِّك لفقه الأمة. فعاد المسلمون بعده إلى ظلمة الخرافة وجمود الفقه وانحراف المعتقد، وكل ذلك زاد في ركود الأمة فيما كُلِّفت به من عمارة الأرض والاستخلاف فيها في جانب البحث في عالم الشهادة. وبدت عدة بوارق للإحياء الإسلامي الذي لا يكون إلا بالعودة لمنهج السلف لكن تلك البوارق يتم إطفاؤها من قِبَل المستفيدين من العيش في الظلام حتى جاء الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب واقترنت دعوته بالدولة الحامية لها الموسعة لمدى بلوغها فكان من ثمارها ما يعيشه العالم الإسلامي اليوم من تنوير فكري.

يتحدثالبعض عن كوّن الليبرالية لا تتناقض مع الإسلام كليًا أو جزئيًا ؛ ويؤسفني أن أقول: إن القول بأن الليبرالية تتوافق مع الإسلام كدين كليًا أو جزئيًا هو الوهم الكبير. ولعل ما حدا بعض الطيبين لأن يقولوا مثل هذا القول إنما هو توهمُهم أن الليبرالية هي التحرر من سلطة رجال الدين وما يسمونه في أوربا بالتخلص من الكهنوت والإكليروس، وهذا كما قلتُ وهم كبير؛ لأن تخليص الناس من السلطة الذاتية باسم الدين لمشايخ الطرق وسدنة قبور الصالحين هذا هو ما جاء به المنهج السلفي الذي جدد دعوة الإسلام بإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ فالإسلام الحق الذي جدده المنهج السلفي يأمر العباد بأن لا تكون عليهم سلطة إلا لله تعالى ممثلة في النص الشرعي من كتاب وسنة؛ أما علماء الشريعة فليس لهم سلطة على أحد وإنما لهم مكانة يفرضها مدى ما يحملونه من نصوص شرعية وما يملكونه من أدوات علمية في فنون الحديث وأقوال المحدثين لمعرفة درجة تلك النصوص من الصحة والضعف، وما يتقنونه من فنون اللغة وأصول الفقه لفهم تلك النصوص، وما رُزِقُوه من المَلَكَة لفهم النوازل الحادثة وتنزيل النصوص عليها، وقدرتهم على استنباط علل الأحكام المنصوصة ودراسة المستجدات وإيجاد العلل المناظرة لتنزيل الأحكام عليها.

من هنا يأخذ العلماء مكانتهم في المجتمع، كما يأخذ المهندسون والأطباء مكانتهم بقدر ما يحملونه من علم في اختصاصهم ومدى حاجة الناس لهم؛ بيد أن لعلماء الشريعة شرطًا ينبغي أن يوجد فيهم فإن تخلف ضَعُفَ قدرُهم ولو عظم علمهم؛ ألا وهو التقوى والورع الحاملان على مزيد من الطاعات واجتناب المعاصي وخوارم المروءات والتمسك بالأخلاق الطيبات مع سائر الناس وفي شتى المجالات؛ فعالم الشريعة إن خلا من ذلك أَسْقَطَ مكانته حتى لو اتسع فهمه وعلمه، وذلك أن الناس لا تُقَلِّدُ أمر دينها لمن لا يُقِيمُه في نفسه؛ فإن صح ذلك منه دانت له القلوب المُذعِنة لربها من تلقائها واتخذت من مكانته سلطة عليها لم يطلبها هو؛ بل لا يريدها ويتبرم منها ويَعُدُّها ابتلاءً من الله له واستدراجًا، فتراه وجِلًا من إقبال الناس عليه خاشيًا على نفسه من الاغترار بها أو الركون إليها. أما حين يفرح بالأتباع ويبذل الجهد في الاستكثار منهم فهذا من مهددات خلوص نيته لله، وقد تكون حاملًا له على اتباع رغباتهم وما يرضيهم عنه أكثر من حرصه على اتباع أمر ربه؛ وذلك مما يظهر للملأ وإن سعى العبد إلى إخفائه، ولن يلبث إن لم يدرك نفسه حتى يضعف الانقياد له والانصياع لرأيه، وكما قال الأول:

ومهما تكن عند امرئ من خليقةٍ وإن خالها تخفى على الناس تُعلمِ

فبما أن الليبرالية ليست هي ما يتوهمه كثير من الكتَّاب؛ فما هي الليبرالية إذًا؟

الجواب أن الليبرالية ظهرت في مطالع النهضة الأوربية كما أسلفنا في المقال الأول من هذه السلسلة ،ويسميها المؤرخون للفكر الأوربي بالتنوير، وكانت تعني عدم الالتزام بتفسيرات الكنيسة للدين وللكتاب المقدس، وهي بهذا التفسير الذي لم يطُل أمده كثيرًا لا يُمكن أن تَصلح لنا؛ وذلك لأنه لا يوجد لدينا تفسير للكتاب والسنة خاص بالعلماء، بل النصوص الشرعية إنما تُفسَّر ببعضها تارة وبدلالة اللغة العربية تارة أخرى؛ وإذا خالف التفسير هذين الأمرين فهو تفسير باطني أو مبتدع لا يجوز الأخذ به، وهذا بعكس الكتب النصرانية التي لم تكن الكنيسة تفسرها فيما يتعلق بقضايا العلم بمقتضى اللغة، بل بموجب أهواء المجامع الكنسية التي كانت الكاثوليكية تعتبرها وحيًا من الله تعالى، فالبابا عندهم ملهم من الله، وما تصل إليه المجامع الكنسية من قرارات هو إلهام من الله، وما فعله التنويريون الأوائل هو أنهم أنكروا أن يكون ذلك وحيًا وأعطوا أنفسهم حق التفسير، وهم في ذلك محقون، لكن هل يصلح ماذهبوا إليه عندنا؟ الجواب: لا؛ لأن المشكلة التي عانوا منها ليس لها وجود عندنا مطلقًا، وما يفعله الليبراليون من ادِّعاء وجود هذه المشكلة بين علماء الشريعة والكتاب والسنة هو كذب على الواقع والتاريخ؛ والمفارقة العجيبة هي أن ما كان يفعله القساوسة في كتابهم من تجاوز اللغة في تفسيره والإتيان بدعاوى لا تُقِرُها النصوص، هو ما يريد كثير من الليبراليين المسلمين فعله في الكتاب والسنة، وما كان يطلبه التنويريون الأوائل من الالتزام بالمدلول اللغوي الموافق للعقل في تفسير الكتب النصرانية هو ما يفعله علماء الإسلام أتباع منهج السلف  مع الكتاب والسنة! وليست بدعة الفهم التاريخي للنصوص والتي يتشدق بها بعض الليبراليين منا ببعيد، حيث يعمدون إلى إنكار قطع السارق ورجم الزاني بأن ذلك فهم قديم للنصوص ونحتاج فهمًا يوافق متطلبات العصر! فالحقيقة: أن الليبراليين المعاصرين أخذوا دور الرهبان في عهد التنوير الأوربي ، والعلماء هم أهل التنوير الحق والذين يريدون صيانة النصوص من عبث الأهواء.

ثم تطورت الليبرالية في أوروبا وتنوعت تنوعًا كبيرًا كثرت معه مذاهب الليبراليين، وكانت الحِقبة تأتي فيسود فيها نمط معين من الفكر الليبرالي ثم تأتي حقبة أخرى يعتبر فيها ذلك النمط تقليديًا والنمط الجديد هو الليبرالي، فليبرالي الأمس هو تقليدي اليوم؛ فقد كان الفكر الديكارتي هو السائد في القرن السابع عشر، وهو فكر يعتمد على الشك والبحث عن جديد، ويرى أن عملية البحث بعد الشك ستوصلك حتمًا إلى الدين والاعتقاد بالله باعتبارها معارف فطرية، فجاءت بعده حقبة الثورة الفرنسية التي أصبح فيها فكر ديكارت تقليديًا والفكر الإلحادي هو الليبرالي فظهرت العدمية والوجودية بمدارسها المختلفة والفرويدية وما كان لها من آثار في تبرير الانهيار الأخلاقي، ولازال الأوربيون حتى اليوم ينقسمون إلى تقليديين وليبراليين، فالتقليديون هم أصحاب المدرسة أو الفكر السائد، والليبراليون هم أصحاب المدرسة الجديدة. ومن اللطيف أنه في أوروبا يوجد أيضا مدرسة فكرية تسمى السلفية تدعو إلى العودة إلى التراث والارتباط به، ويمكن للقارئ أخذ معلومات أكثر عنها من كتاب تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم. والمُحَصِّلة مما تقدم: أن الليبرالية ليست فقط لا تتوافق مع الدين بل هي مضادة له، ومن يقول: إن الليبرالية تتفق مع الدين الإسلامي كليًا أو جزئيًا هو جاهل أو مغرر به، هذه هي الحقيقة. فإذا كانت هذه هي الليبرالية فما علاقتها بالتنمية؟

الجواب: تنحصر علاقة الليبرالية بالتنمية فقط في ذلك الظرف التاريخي الذي ثار فيه العقل الأوروبي متأثرًا بالحضارة الإسلامية على الجمود والخرافة الكنسية والهيمنة البابوية على العقول والأنفس والقلوب، وكانت أوروبا في حاجة إلى ذلك كي تنهض، أما في عالمنا الإسلامي فقد كنا في حاجة إلى أمر آخر وهو العودة إلى الدين الصحيح وهو ما تم فعلًا بدعوة الشيخ والإمام في الجزيرة العربية، وكان حريًا بهذه الدعوة أن تلقى القبول في جميع أنحاء العالم الإسلامي في ذلك الوقت المبكر الذي قامت فيه، وكان والله أعلم بما يكون،  لو تم ذلك لكان للأمة وللنهضة الحضارية شأن آخر.

أما الليبرالية فبعد إسقاطها للعرش البابوي استمرت علاقتها بتحرير الأخلاق والآداب والقِيَم من أي سلطة كانت، سلطة الدين أو رجاله، أو سلطة الدولة ورجالها ومؤسساتها، وعملت على تفكيك الأسرة وهدم المجتمع الرصين ، فالليبرالية الأوربية وحدها هي المسؤولة عن الانهيار الأخلاقي في أوربا وعن حلول الفلسفة البراجماتية مكان القيم الأصيلة التي توارثتها البشرية بجميع أديانها وجهاتها ، وكل ذلك هو ما يريد الغرب ولو بالقوة تصديره لجميع العالم . أما ما حدث من التنمية في أوروبا بعد انفلات العقل البشري من ربقة الكنيسة فنشاط إنساني طبيعي هو جِبِلَّة الإنسان إذا لم يحل بينه وبين مقدرات الأرض شيء، وبهذا النشاط الطبيعي الإنساني وصل الصينيون القدماء إلى ما وصلوا إليه من حضارة لا زال العالم يستفيد منها، وكذلك الهنود الأُول وقدماء المصريين والروم والفرس والعرب الأوائل. ويمكنك النظر إلى مخطوطاتهم وآثارهم العمرانية لتعرف مكانة تلك الأمم.

حظ الأوربيين أنهم جاءوا متأخرين وساعدتهم حركة الاستعمار على جمع ما كان عند الأمم من معارف وانطلقوا من حيث انتهى الناس، وليس لليبرالية علاقة بكل ذلك، فما هو إلا نشاط يقوم به البشر في كل زمان ومكان إذا توفرت له البيئة المناسبة. نعم ربما كان لليبرالية أثرٌ في اعتماد الربا كعمل اقتصادي سائغ ومخالفة الأصول النصرانية واليهودية التي تحرم ذلك ، وهذا المحرم الذي استباحه الغرب باسم الاقتصاد الرأسمالي هو الدمار المالي الذي يعاني منه العالم وليس الغرب وحده . إن الإسلام كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكما فهمه السلف الصالح ليس في حاجة إلى أي فكر وافد أو مصطلح جديد كي يدعو الناس إلى التنمية، إلا إذا كان المراد بالتنمية تحطيم الأخلاق والقِيَم وتعدي حدود الله، وهذا ما آُجِلُّ  الليبراليين السعوديين عنه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى