آراءمقالات

واجب المسلم في وقت الأزمات

Latest posts by د. فتحي أبو الورد (see all)

تمر بالدول والجماعات أزمات من زمن إلى آخر، وتقع بهم الفتن والابتلاءات الحقبة تلو الأخرى،

تلك سنة من سنن الله في الناس والحياة، ثم سرعان ما تنجلى وتنكشف،

ويظهر لكل فرد بعد ذلك صواب مسلكه، أو عكس ذلك، ويعرف تماما هل أكل من الدنيا أم أكلت منه؟

وهل عاش فيها أم عاشت فيه؟ وهل كان مع الله أم كان مع هواه؟

وعندما تلتبس عليك الأمور، وتختلط لديك المتداخلات، وتغيب عنك البينات في أوقات الأزمات يتوجب عليك ما يلي:

–  الجأ إلى الله بالدعاء واطلب منه العون والهداية إلى سبيل الرشاد والسداد، وادع للمختلفين أن يجمع الله قلوبهم، وأن يؤلف بينهم.

– أحسن الظن بإخوانك المسلمين، وتجنب الغيبة والنميمة، وتحاش الغمز واللمز، وابتعد عن أكل لحومهم؛

فإن حرمتهم  ثابتة سواء كنت توافقهم أو تخالفهم، وإن مخالفتك لهم لا تبيح لك أعراضهم

«أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه».

– ذكر كل من له عقل ودين أن يكف لسانه إلا من قول بخير، وأن يمسك عن الاسترسال فيما لا علم له به إلا أن يقول: الله أعلم .

قال عقبة بن عامر قلت يا رسول الله: ما النجاة ؟ قال: أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك.

وليعلم من يريد أن يعلم أن فصاحة لا تغذيها الحكمة ضررها أكبر من نفعها، وأن لسانا فصيحا لا يضبطه دين ولا خلق ولا أدب يهدم ولا يبني.

وليتذكر من يريد أن يتذكر مارواه ابن مسعود حين كان على الصفا يلبي ويقول: «ا لسان قُلْ خيرا تغنم، وَاسكت عن شر تسلم، من قبل أن تندم».

فقيل له: يا أبا عبد الرحمن أهذا شيء تقوله، أو شيء سمعته؟ فقال: لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه».

– ليكن ارتباطك بالمبادئ لا بالأشخاص، وبالدعوة لا بالداعية، وبالفكرة لا بالمفكر ؛ لأن الأشخاص يتغيرون ويتقلبون،

والحي لا تؤمن عليه الفتنة، واعلم أن دين الله غالب، وأن دعوة الله منصورة، وأن دوام الحال من المحال، وقد مضى رسولنا الكريم إلى جوار ربه،

والإسلام داخل الجزيرة العربية لم يخرج منها، ولم تتوقف دعوة الله من بعده،

الدعوة تتمدد شمالا وجنوبا وشرقا وغربا

ولم تتراجع الرسالة التي أرسى دعائمها، فامتدت الدعوة من بعده شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وتعاقبت الفتوحات:

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ

وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} آل عمران 144 .

– ابحث عن الحق، وتجرد في طلبه، ثم قف الموقف الذي ينجيك بين يدي ربك، وقد قال رجل لعلي بن أبى طالب:

أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير على الخطأ وأنت على الصواب؟ فقال: إنه ملبوس عليك، اعرف الحق تعرف أهله.

وقال رجل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إن ابن المبارك قال كذا، فقال: إن ابن المبارك لم ينزل من السماء.

— عظم الشورى في حياتك، واجعلها مبدأ في طريقك، وانطلق منها في قراراتك، وقدر من يعظمها،

ويلتزمها وينصاع لنتائجها، فإن في الشورى بركة، وما تشاور قوم إلا هدوا إلى أرشد أمرهم، وهي أصل في الاجتماع، وفريضة في التشريع،

وهي ملزمة عند جماهير أهل العلم، وقد اجمع رواة السنة والسيرة أنه ما كان أحد أكثر  تشاورا  لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو المؤيد بالوحي.

— إياك والمشاركة في الشائعات، وترديد الأراجيف بوعي أو بغير وعي، واحذر ان يتخذك الشيطان بريدا لنشر البلبلة،

وزعزعة النفوس؛ فإن أكبر ما يهدم المؤسسات والشركات والهيئات ترديد الشائعات.

لا تتبعوا الهوى

– احذر أن تتبع الهوى، وسارع بالأوبة إن كنت كذلك؛ فإن الشجاعة أن تعود من الخطأ إلى الصواب، واعلم أن الهوى قتال،

وأول ذلك أنه يجعل صاحبه غير عادل «فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا»

وثاني ذلك أنه يضل عن سبيل الله: «وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه» ص 26.

– تدبر في عاقبة كلامك، ومآلات حديثك، ولا تشع أخبارا من شأنها أن تضعف عزائم المسلمين، أو تنال من وحدتهم،

حتى وإن كنت على قناعة بها. فليس كل ما يعرف يقال، وليس كل كل ما يقال حضر أهله، وليس كل ما حضر أهله حان وقته.

كونوا عوامل بناء

– كن عامل بناء في أمتك لا معول هدم، وناشد الحكماء والعقلاء أن يعملوا من أجل وحدة الأمة، وادع المتنازعين أن يلينوا لإخوانهم،

وما كان من حق للفرد على المستوى الشخصي فله أن يتنازل عنه لله، ومن أجل الصالح العام، ومن أجل الوحدة،

ولأن نجتمع على كثير من الحق خير من أن نفترق على الحق كله،

وما واقعة تنازل الحسن بن على عن الخلافة من أجل وحدة المسلمين منا ببعيد،

وحدث يومها الوفاق، والتأم الشمل، وسمى ذلك العام عام الجماعة.

– اعلم أن التاريخ حدثنا أن الصحابة الكرام اختلفوا فيما بينهم إلى حد الاقتتال، وهم في ذلك بشر ليسوا معصومين،

ومع ذلك لم ينف القرآن عنهم صفة الإيمان، وأمر بالإصلاح بين الطائفتين المتنازعتين «فأصلحوا بينهما» الحجرات 9.

وبقي الصحابة كما هم خير القرون، بشهادة المعصوم، أشداء على الكفار، رحماء بينهم، بتزكية الخالق في علاه،

وهم ألين الناس قلوبا وأبعدهم عن التكلف، واختارهم الله تعالى وزراء لنبيه صلى الله عليه وسلم.

– لا تسارع فى إلقاء التهم جزافا، ولا تعجل في إصدار الأحكام  دون تثبت أو ترو، فكر كثيرا قبل نطقك وتذكر قوله تعالى

{ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}، وألزم لسانك الصمت إلا من دعاء بالهدى،

وتذكير بالتقى، فكثيرا ما يندم الإنسان على الكلام، وقليلا ما يندم على الصمت.

– ليتذكر من كان له قلب حي قوله تعالى:

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الأنفال 46.

وليفر الجميع من سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي، حين قال: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه».

أسأل الله أن يجمع قلوبنا على الهدى والتقى وخير العمل وعمل الخير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى