آراءبحوث ودراسات

د. علي القره داغي يكتب: الخلاصة في الولاء والبراء

د. علي القره داغي
Latest posts by د. علي القره داغي (see all)

إن الولاء لا ينقطع بين المؤمنين ما دام الإيمان قائماً، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [1].

 

وأن هذا الولاء لا ينقطع بالمعاصي، ويدل عليه قوله تعالى في حق المؤمن القاتل لمؤمن آخر: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [2]، وقد ذكر المفسرون أن العافي هو أهل المقتول، والقاتل هنا قاتل بالعمد، وقال بعضهم، منهم ابن عباس رضي الله عنهما:” فالعفو أن يقبل الدية في العمد، فالآية نص على بقاء الأخوة الإيمانية حتى بعد القتل العمد الذي يعد من السبع الكبائر الموبقات[3].

 

وكذلك يبقى الولاء بين المؤمنين حتى ولو تقاتلوا فيما بينهم، فقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [4]، فقد أثبتت لهم صفة الإيمان وهم يقتتلون، وذلك في بداية الآية، ثم ختمها بإثبات الأخوة لجميع المؤمنين، ثم أكد ثالثاً بالإصلاح بين الإخوة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}[5]، فهذه الآيات وغيرها حجة قطعية على بقاء الولاء والأخوة، والولاء للمؤمنين حتى ولو ارتكبوا القتل، وفي ذلك حجة داحضة لقول الخوارج والجماعات المتشددة المكفرة للمسلمين لمجرد أي خلاف.

 

وإن مما لا شك فيه أن على المسلم أن يبغض المعاصي والذنوب الصادرة منه، أو من إخوانه في الإيمان، ولذلك فهو ينبذ ويبغض المعاصي، ولكن بغضه للمعاصي لا يجوز شرعاً أن يؤدي إلى بعض صاحبها المؤمن، بل يحبه في دائرة الإيمان، ويدعو له، ويدعوه إلى ترك العصيان وتغييره بجميع الوسائل المتاحة، حسب قدراته ـــ كما وردت في ذلك أحاديث صحيحة ــــ، فإن أهل الحق يفرقون بين المعاصي، وبين أصحابها، بل حتى بين كلمات الكفر وأصحابها، فقد تكون الكلمة كفراً، ولكن لا نستطيع الحكم على صاحبها بالكفر، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ* وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [6]، حيث إن سيدنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بريء من عملهم، ولم يتبرأ منهم، وقوله تعالى: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [7]، وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن البراءة اتجهت نحو العمل، وليس إلى الأشخاص، وقوله تعالى: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [8]، فالكلام موجه نحو العمل، وليس نحو الشخص، وقوله تعالى حكاية عن سيدنا نوح عليه السلام: {وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ*مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ}[9]، وكذلك فعل سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث لم يتبرأ من أبيه ومن معه في البداية، بل تبرأ من عمل المشركين، فقال لهم: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ*إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}[10]، ثم لما تبين له أنهم أعداء الله تعالى، ولا ينفعهم نصحه تبرأ منهم فقال: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [11].

 

وكذلك سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم، بذل كل جهده طوال أكثر من عشرين سنة مع هؤلاء المشركين الذين نقضوا العهود، وجادلوا واستمروا في محاولة اجتثاث الإسلام وأهله، ثم لما تبين له أنهم مصرون على قتالهم ونفاقهم تبرأ منهم، ونزلت سورة البراءة {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [12].

 

إن مما لا شك فيه أنه لا يجوز أن يكون للمسلم ولاء النصرة والمحبة لأعداء الله تعالى المحاربين، ولكن معظم آيات الله تعالى ركزت على أن تكون البراءة من الشرك، ومن محاربتهم لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، حيث وردت في حالتين البراءة من المشركين المعتدين.

 

جعل الولاء والبراء شعاراً بدعة عند بعض السلف:

 

ولكن مع كل ذلك لم يشتهر هذا المصطلح ( مصطلح الولاء والبراء) شعاراً للمسلمين إلا في عهد الخوارج الذين انطلقوا من تكفير المسلمين بالكبائر، ومخالفيهم في أصولهم، وبالتالي وجوب البراءة منهم، ووجوب قتالهم، ولذلك قال الإمام أحمد في رواية الإصطخري:” والولاية بدعة، والبراءة بدعة، وهم الذين يقولون: نتولى فلاناً، ونتبرأ من فلان، وهذا القول دعة فاحذروه”[13]، بل إنه حذر من هذا الشعار في كتاب السنة لابنه عبد الله بن أحمد، حيث جاء فيه:” حدثني أبي، نا معاوية بن عمر، نا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، قال:” كان أبوسعيد الخدري يقول:” الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، والإرجاء بدعة”[14]، وكذلك روى بسنده عن علي رضي الله عنه قال:” الإرجاء بدعة، والشهادة بدعة، والبراءة بدعة”[15]، وقال أيضاً:” حدثني أبي، نا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال:” اجتمعنا في الجماجم ــ منطقة قرب الكوفة ـــ أبو البختري، وميسرة، وأبو صالح، وضحاك المشرقي، وبكير الطائي، فأجمعوا على أن الإرجاء بدعة، والولاية بدعة، والبراءة بدعة، والشهادة بدعة”[16].

 

فلا يجوز أن يجعل ذلك شعاراً، وسيفاً لتكفير المسلمين والبراء منهم.

 

ولاء البر لغير المعتدين مطلوب:

 

وأما ولاء البر والإحسان لغير المسلمين المسالمين فثابت بالقرآن الكريم في قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [17].

 

وهاتان الآيتان الكريمتان جاءتا بعد الآيات التي افتتحت بها سورة الممتحنة، وهي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ*إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [18].

 

فقه الميزان:

 

هنا يبرز فقه الميزان بكفتيه الواضحتين، وهما ميزان الحرب والعداء والاجتثاث، حيث يقوم على الشدة والبراء لدرء الأعداء والقضاء عليهم، وميزان السلم والتعايش الذي يقوم على البر والعدل والإحسان[19].

 

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

هوامش

 

[1] – سورة التوبة (71)

 

[2] – سورة البقرة (178)، وتفسير الطبري للآية (178) من سورة البقرة.

 

[3] – روى البخاري في صحيحه (2766) ومسلم في صحيحه (89) وغيرهما بسندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ”.

 

[4] – سورة الحجرات (9)

 

[5] – سورة الحجرات (10)

 

[6] – سورة الشعراء (216،215،214)

 

[7] – سورة يونس (41)

 

[8] – سورة سبأ (25)

 

[9] – سورة هود (55،54)

 

[10] – سورة الزخرف (27،26)

 

[11] – سورة الممتحنة (4)

 

[12] – سورة التوبة (1)

 

[13] – طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسن الفراء (1 / 35)

 

[14] – كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل (ت 290هــ) بتحقيق د. محمد سعيد القحطاني، ط دار ابن القيم، عام 1406هــ (1 / 318) الأثر رقم (642)، قال ابن بطة في الإبانة الصغرى ص (223):”والشهادة أن يشهد لأحد ممن لم يأت فيه خير: أنه من أهل الجنة، أو النار، والولاية أن يتولى قوماً ويتبرأ من آخرين، والبراءة: أن يتبرأ من قوم هم على دين الإسلام والسنة”.

 

[15] – كتاب السنة، الأثر رقم (642)

 

[16] – المصدر السابق (1 / 326) الأثر رقم (669)، وقال محققه:” إسناده صحيح”.

 

[17] – سورة الممتحنة (9،8)

 

[18] – سورة الممتحنة ( 2،1)

 

[19] – يراجع: فقه الميزان، للدكتور علي محيي الدين القره داغي، ط. دار النداء، إستنبول 2018م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى