آراءمقالات

العُمرة في شهر رمضان

Latest posts by د. علي الصلابي (see all)

مجالس رمضانية مع فضيلة الشيخ الدكتور سلمان العودة، الجلسة الرابعة والعشرون، 24 رمضان 1441هـ

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «العمرةُ إلى العمرة، كفارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ، ليس له جزاءٌ إلا الجنة».

وهذا الفضل العظيم للعمرة عامٌّ في كل حين، وأما في رمضان، فإن فضلها يتضاعف؛ حتى قال علماء الأحناف بندبها في هذا الشهر خاصة؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: «ما منعك أن تحجِّي معنا؟». قالت: كان لنا ناضِحٌ، فركبه أبو فلان وابنه -لزوجها وابنها- وترك ناضحًا ننضح عليه. قال: «فإذا كان رمضانُ اعتمري فيه؛ فإن عمرةً في رمضان حجةٌ». وفي رواية: «فإن عمرةً في رمضان تقضي حجة معي».

ويا له من فوز أن تكون كمَن حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف معه بعرفة، وبات معه بمزدلفة، وأفاض بصحبته إلى منى، وطاف بجواره وسعى، كما هو المفهوم من ظاهر الحديث.

وإن مما يثلج الصدر أن نرى إقبال المسلمين على العمرة في هذا الشهر الفاضل من بلاد العالم كافة، حتى ليكون المشهد لرائيه مباشرة أو عبر الشاشة عِبرة ومظهرًا من مظاهر الاجتماع على الخير، والعِزَّة لهذا الدين، وسعة انتشاره ولو بُعث صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، فرأى هذه الجموع الغفيرة تَؤُمَّ البيتَ، وتصلِّي خلف إمام واحد، تقوم وتركع وتسجد وتقعد وراءه؛ لسرَّه ذلك، فحمدًا لله على ذلك وشكرًا.

وقفات مع العمرة:

– حكم العمرة، وهل هي واجبة؟

إن القول بعدم الوجوب هو مذهب مالك وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، والشافعي، وكأنه المذهب القديم له.

والظاهر – والله أعلم- أن هذا هو الراجح؛ وذلك لأن القرآن الكريم نصَّ على وجوب الحج، ولم يذكر العمرة. وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر وجوب الحج، وأكَّده كما في حديث: «أيها الناسُ، قد فرض اللهُ عليكم الحجَّ، فحجُّوا». وحديث: «بُني الإسلامُ على خمس..». ولم يذكر العمرة.

أما الأحاديث الواردة في العمرة، فهي قسمان:

أحاديث وردت في وجوب العمرة، وأحاديث وردت في عدم وجوب العمرة، وكلها لا تخلو من مقال.

وأمثل ما ورد في هذا الباب، ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، على النساء جهاد؟ قال: «نعم، عليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه، الحجُّ والعمرةُ». وهذا الحديث -وإن كان ظاهر سنده أنه جيد- إلا أن لفظه الآخر عن عائشة رضي الله عنها في «صحيح البخاري» ليس فيه ذكر العمرة، وهو مشهور، قالت: يا رسولَ الله، نرى الجهادَ أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لكُنَّ -وفي رواية: لَكِنَّ- أفضل الجهاد حجٌّ مبرورٌ». ولم يذكر فيه العمرة.

وهذا يعكِّر على لفظ العمرة، فلعل زيادة العمرة في الحديث من قبيل الشاذ أو المعلول. فالأحاديث الواردة في إيجاب العمرة أو في عدم إيجابها ضعيفة، فيرجع الأمر إلى البراءة الأصلية؛ إذ الأصل براءة الذمة من إيجاب العمرة، ثم إن أعمال العمرة ليس فيها زيادة على ما في الحج، ففيها الطواف والسعي والحلق أو التقصير، وهذه هي أعمال الحج، ولذلك جاء في الحديث: «دخلت العمرة في الحج». وعليه: فالعمرة سنة، وليست واجبة.

– بعض المعتمرين يهملون أهليهم الذين استرعاهم الله إياهم، فقد يسافر الأب والأم إلى مكة للعمرة، ويتركان الأولاد في البلد دون رقيب، وقد يكونون من الصغار الذين لا يدركون، أو من المراهقين الذين يخشى أن ينـزلقوا في مهاوي الخطأ بسبب استفزاز شياطين الجن والإنس لهم، وكفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع مَن يعول!

وقد يحدث الخطأ بصورة أخرى، وهي أن بعض الناس يسافرون بأهليهم إلى مكة، ثم يعتكف الأب في الحرم، أو يقضي غالب وقته فيه، ويغفل تمامًا عن مراقبة أبنائه وبناته، أو مشاركتهم والقرب منهم، مما ينتج عنه انفصالهم وانشغالهم بما لا يتفق وحرمة المكان وشرف الزمان.

حقًّا.. إن اصطحاب الأبناء إلى البلد الحرام فرصة جميلة للتربية والإعداد والتواصل مع البنات والأولاد، وربطهم بتاريخ الإسلام، وشعوب المسلمين، وهذا يتطلَّب إحساسًا بالمسؤولية، وإدراكًا لأهمية التنشئة، وبذل الوقت والجهد والعاطفة لها.

والبعض من أئمة المساجد، ومن المصلحين، ومن سائر الموظفين الذين تتوقَّف مصالح الناس على وجودهم في مواقعهم وحضورهم لخدمة المستفيدين، يتركون ثغورهم، ويَؤمُّون مكة ليعتمروا ويقضوا العشر الأواخر فيها، والواجب أن يرابط هؤلاء على ثغورهم العظيمة، ففيها من المصالح المتعدِّية ما هو أكثر عائدة وفائدة وأجرًا لـمَن احتسب وفهم مقاصد الشريعة وقواعد أحكامها.

وكثير من الأئمة يتركون مساجدهم أوقاتًا طويلة، ويذهبون للعمرة والاعتكاف، والناس بأَمَسِّ الحاجة إليهم، خاصة في هذا الشهر؛ لصلاة التراويح والقيام والعناية بشؤون المسجد في شهر رمضان، فهو موسم جوهري عظيم، ويمكن للإمام أن يذهب وقتًا قصيرًا، إذا وجد مَن يخلفه ويقوم مقامه، وابدأ بنفسك ثم مَن تعول.

– أما عن تكرار العمرة في السفر الواحد، فلم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه ذلك، إلا ما كان من أمر عائشة رضي الله عنها؛ فإنها أحرمت بحجٍّ وعمرة في نسكها، ثم لم يطب خاطرها حتى قالت: يا رسولَ الله، يرجع الناسُ بحجة وعمرة، وأرجع بحجة! وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلًا سهلًا، إذا هويت الشيء تابعها عليه، فقال لعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: «اذهب بها؛ فأعمرها من التَّنْعِيم». فخرجت عائشةُ رضي الله عنها واعتمرت. فتكون عائشة رضي الله عنها حينئذٍ أحرمت بعمرتين في سفر واحد، وهذا دليل على جواز إحداث أكثر من عمرة في سفر واحد، ولو لم يكن جائزًا، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليطيع عائشة، ولا ليجاملها في أمره.

وقد نص بعض السلف على أن بقاءه في مكة وطوافه بالبيت وصلاته فيه، أفضل من عمرته.

وعليه: فتكرار العمرة في السفر الواحد غير مستحب، ولكن لا تثريب على مَن فعله، وبخاصة مَن يأتي من مكان بعيد، ويريد أن يعتمر عن والديه المتوفين ونحو ذلك، فلا حرج وإن تقارب زمن العمرة. أما تكرار العمرة في أسفار متعددة، فلا حرج فيه، ولو كانت متقاربة.

– أما صفة العمرة: فهي الإحرام من الميقات، ثم الطواف بالبيت سبعة أشواط، ثم السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم الحلق أو التقصير، والحلق أفضل، وعند السفر يستحب له طواف الوداع إذا طال مكثه في مكة.

وجدير بالمؤمن أن يتفقَّد قلبه عقب كل عبادة؛ ليرى أثرها على نفسه، مع استحضار سعة رحمة الله وعظيم فضله، وجزيل عطائه، ورحمة الله قريب من المحسنين.

في رمضان تتجلَّى آثار العبادة على الصائم، من خُلُق حسن، وبرٍّ، وتواضع، وإحسان، ولين، ورحمة، فـ «الراحمون يرحمهم الرحمن».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى