آراءمقالات

الرؤية الإستراتيجية في السيرة النبوية

Latest posts by د. علي الصلابي (see all)

هذا الحديث من أعظم ما يعبر عن الرؤية الإستراتيجية.. فمع أنه رسول الله المؤيد بالوحي والموعود بالتمكين..

إلا أنه عمل ضمن مسار طويل ضمن مراحل يربط فيها بين الأسباب والنتائج. بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام.

ففي الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهوَ متَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا؟

فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيجْعَلُ فِيهَا، ثمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيجْعَلُ نِصْفَينِ،

وَيمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، مَا يَصدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ،

وَاللهِ لَيتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» رواه البخاري.

 هذا وهو وأصحابه في مكة محاصرون مضطهدون مهمشون، وبقي هذا الأمر حتى قبيل أن ينتقل إلى المدينة المنورة…

التخطيط هو تحقيق الأهداف

لذلك يذكره رب العزة والجلال بضرورة الصبر وعدم التعجل مع المتعجلين، وأن عاقبة الصبر والتخطيط هو تحقيق الأهداف

((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يوقِنُونَ)) (الروم: 60).

خلال ذلك كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يصنع الروافع القيادية والرواحل التنفيذية،

ويضع الخطط والبرامج المرحلية بما يتوافق مع الغاية الكبرى والأهداف العظمى لرسالته،

والرؤية الكلية لمشروعه النهضوي، وبما يتناسب مع الإمكانيات والموارد.

ومع ذلك فإن النبي عليه الصلاة والسلام غادر الدنيا قبل أن تكتمل كل معالم الأهداف الكبرى….

وهو ما عمل عليه أصحابه الكرام وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي كان رفيق دربه وأمين سره والشخصية القيادية الثانية في المشروع الإيماني – النهضوي.

ولذلك كان ربنا تعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام مذكرا له بأن المشوار طويل لا يقف عند جيل من الأجيال بل يتطور مع امتداد الأجيال…

((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يرْجَعُونَ)) (غافر: 77).

الصديق يهضم هذه الرؤية القيادية

وكان خير من هضم هذه الرؤية القيادية للمشروع هو سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما بينا..

لذلك لم يهتز شعرة بموت نبيه وحبيبه ورفيق دربه، بل راح يبث الثبات فيمن حوله بقولته الشهيرة..

(من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت). وتلا قوله تعالى:

((وَمَا محَمَّدٌ إِلَّا رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (آل عمران: 144).

لنتذكر دوما أن المشاريع تحتاج إلى الصبر والرؤية الاستراتيجية والتخطيط المستمر. وقد تأخذ جهد أجيال حتى تصل إلى غاياتها وأهدافها.

والله من وراء القصد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى