آراءبحوث ودراسات

د. علي السباعي يكتب: «ورفعنا لك ذكرك»

Latest posts by د. علي السباعي (see all)

تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام قضية عامة تمس دينهم وأصل عقيدتهم،

تلكم الإساءة التي نطق بها سفيه فرنسا المدعو ماكرون، وهي إساءة متكررة منذ مبعثه عليه الصلاة والسلام، وليست وليدة اللحظة.

سأسجل بعض ما ظهر لي من هذه المحنة في هذه النقاط التالية:

 

أولا:

إمام الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، ليس بحاجة إلى ثناء البشر جميعا، برّهم وفاجرهم،

وليس بحاجة إلى أن يدافع عنه أحد من أهل الأرض قاطبة، فإنّه عند الله بمقام لم يبلغه الأولين ولا الآخرين،

وإنّه في الملكوت الأعلى عظيم شأنه، صاحب المقام المرفوع، والحوض المورود، وإنّ الخلائق كلها يوم الفزع الأكبر ترجو شفاعته،

من هو في أعلى المقام كآدم ونوح وسائر الأنبياء والمرسلين إلى أخبث وأكفر البشر كفرعون وهامان وأبوجهل وماكرون وسائر المجرمين،

وما بينهما من برّ وفاجر، فالله أغناه عن الخلق أجمعين، وحسبه عليه الصلاة والسلام قول الله تعالى:

 {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}.

وكل عباد الله جميعا، أولهم وآخرهم وإنسهم وجنّهم لو كانوا على أفجر قلب رجل واحد في عداوة محمد، ما ضرّ ذلك محمدا صلى الله عليه وسلم شيئا.

إنما هذه الإساءات التي تنطق بها، بين الحين والآخر، أفواه الكافرين هي ابتلاء للمؤمنين، وتمحيص للمنافقين، ومحق الكافرين.

 

ثانيا:

هذه الهبّة الإيمانية، والحماس المتقد، الذي قامت به الجموع المسلمة، على اختلاف ثقافاتهم وأحوالهم، محمودة عند الله، ومطلوبة شرعا.

 

والذين لا يعذرون عوام المسلمين بجهلهم عليهم أن يضعوا في حسبانهم مثل هذه الهبة الإيمانية،

وأعني هنا سلالة الخوارج الذين كفّروا شرائح كبيرة من المسلمين بسبب وقوعهم في بعض ما حرّم الله، ما كبُر منها وما صغر، لجهلهم.

 

ثالثا:

هذا الإجماع والاجتماع الواقع بين المسلمين اليوم يجب أن يفهمه الدعاة ويفقهونه جيدا،

ويجب عليهم وجوبا لا مناص عنه أن يجمعوا المسلمين على مثل هذه القضايا التي يفقهونها ويفهمونها،

وعدم التعرّض لقضايا تفرقهم وتشتتهم،

وأنا أتكلم عن واقع زماننا هذا، الذي دهم فيه العدو ديارنا، واستحل بيضتنا، وانتهك عرضنا، وسرق خيراتنا.

فالأمة في عمومها قد غلب عليها الجهل بحقيقة دينها،

وحسبك أن تعلم أنّ طائفة تنسب نفسها للإسلام تطعن في عرض نبينا الطاهر، وترمي أمّنا عائشة بالإفك،

ومع ذلك، عموم المسلمين يرونهم من أهل القبلة، بل بعضهم يرونهم حماة الدّين والمدافعين عنه،

مع أنه من المقرر شرعا وعقلا ومنطقا، أنّ الطعن في العِرض أشد كفرا وأكبر إجراما من الرسوم الساخرة.

فإذا كانت هذه الواضحات البيّنات تخفى على عموم الناس،

فكيف بمسائل الأسماء والصفات، والكفر والإيمان، وتفاصيل السّنة والبدعة..إلخ.

ومن هنا تعلم يقينا، أنّ بعض المذاهب والمدارس تخدم العدو من حيث تدري أو لا تدري،

وإن كان غالب روّاد تلك المدرسة غرضهم نصرة «التوحيد» و تجريد «السّنة».

فخلاصة القول هنا، أنّ واقعنا يستدعي جمع الناس على القضايا العامة التي تساهم في دحر العدو وإخراجه من ديار المسلمين،

وعدم الخوض في قضايا تفرقهم وتشتت شملهم وتُذهب ريحهم.

 

رابعا:

في الوقت الذي نرى فيه عوام الناس، ومن ظاهره التقصير في أمر الله،

يقبلون على نصرة رسول الله عليه السلام، كل بحسب حاله، منهم من يشارك في مظاهرة، ومنهم من يقاطع منتجات فرنسا،

ومنهم من يفتح الصفحات لنصرته..إلخ،

نجد علماء ودعاة وخطباء وجماعات محسوبون على السّنة والسلف يقابلون هذا الاعتداء على مقام النبوة بالبرود،

بل ذهب كثير منهم إلى التخذيل عن نصرته عليه الصلاة والسلام بحجج مختلفة، وكلام ساقط، لا قيمة له ولا وزن

{أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ}.

 

خامسا:

الإيمان ظاهر وباطن كما لا يخفى، فالظاهر كالصلاة والصيام والحج ونحو ذلك، والباطن كحب النبي عليه السلام،

وحب شرعه، والتوكل، والإخلاص، ونحو ذلك.

ونحن في هذه الدنيا أُمرنا بالحكم بالظاهر فقط، أما حقيقة الإيمان فهذا باب انفرد به الله جل جلاله،

ومن أراد أن يحكم على الناس، باطنا وظاهرا، فعليه أن يكون عليما بظاهرهم وباطنهم، ومن زعم ذلك فقد كفر بالله العظيم.

وكم من إنسان ظاهره الصلاح، وهو في الباطن من أكفر خلق الله،

وكم من إنسان ظاهره العصيان وهو في الباطن من أتقى خلق الله {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.

والأمثلة على ما تقدم في السيرة والواقع أكثر من أن تُحصى، ومن عقائد المسلمين «نرجو للمحسن النجاة، ونخاف على المسئ الهلاك».

 

سادسا:

هذه المشاعر الهياجة، والحمية الإسلامية الثائرة، فرصة سانحة للعلماء والدعاة والخطباء والوعاظ

لتوجيهها إلى سنّة النبي عليه الصلاة والسلام وشرعه ودينه،

بالخطب والندوات واللقاءات والمؤتمرات ونحو ذلك، بدلا من جلد المسلمين واتهامهم في دينهم!.

(أعني هنا الأدعياء الذين ينسبون أنفسهم للعلم).

 

سابعا:

تأمل أخي الكريم، في طول العالم الإسلامي وعرضه، ومع حالة الغضب والهيجان عند المسلمين،

وعلى اختلاف درجات إيمانهم، فمنهم التقي الورع، ومنهم الفاجر الفاسق،

إلا أنّه لم يجرؤ أحد منهم على استنقاص نبي الله عيسى أو أمه الصديقة مريم بنت عمران صلوات الله وسلامه عليهما!.

مع أنّ المنطق عند غالب الناس، تسب والدي أسب والدك، تسب قبيلتي أسب قبيلتك، تسب مدينتي أسب مدينتك، تسب الأهلي أسب الإتحاد،

ولو أنّ مصريا أهان ليبيا، لانهال الليبييون شتما في مصر كلّها، وهكذا. وهنا مع أنّ الألم شديد جدا، وهو النيل من نبينا عليه الصلاة والسلام،

ومعلوم أنّ النيل من عيسى أو أمه يؤلم النصارى كثيرا، إلا أنّ أحدا من المسلمين لم يفعل ذلك.

فهذا إن دل على شيء إنما يدل على أنّ الإسلام أقام الأنبياء والمرسلين جميعا مقام التقدير والاحترام، خلافا لدين النصارى الذي تلاعبت به يد البشر!.

 

ثامنا:

الزعماء الغربيون إذا وقعوا في أزمة أو محنة وأرادوا الخروج منها، وجّهوا الجماهير إلى ما يثيرهم ويحشدهم،

ولن يجد هؤلاء الزعماء أفضل من الإساءة إلى الإسلام عموما، والنيل من نبينا عليه السلام خصوصا لحشد جماهيرهم،

ولو تأمل المتأملون في الحروب الصليبية التي وقعت لوجدوا هذا المعنى ظاهرا جليّا.

 

أخيرا:

الإسلام دين محكم، ولا مكان فيه للفوضى والعشوائيات، والأصل عصمة الأنفس، وما يقوم به بعض المتحمسين هنا وهناك من قتل أو تفجير لا يمت إلى الإسلام بصلة،

فأحكام السيف في ديننا منضبطة بأحكام شرعية غاية في الدقة. وخير الهدي، هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى