آراءبحوث ودراسات

د. علي السباعي يكتب: مناهج الاستدلال (1)

Latest posts by د. علي السباعي (see all)

.تصور لو أنّ لك أحد الأصدقاء أصابه صداع شديد، فتناول بعض مخففات الألم (براسيتمول أو نحوها) لتخفيف الصداع، ولكن مع تناول الأدوية إلا أنّ الصداع لازال على ما هو عليه، فقرر صديقك هذا أن يكفر بالطبّ كله وينبذه نبذ النّواة!، وحينما سألته عن سبب ذلك؟ أجابك: حياتنا كلها والأطباء يقررون أن (البراستمول ونحوه) هو مخفف للصداع، ولكنني اكتشفتُ أنّ هذه أكذوبة لا حقيقة لها!. لا يشك عاقل بأنّ هذا الإنسان قاصر الإدراك والوعي أليس كذلك؟ لأنّ (البراستمول) صحيح أنه مخفف للصداع، لكنّ هذا الصداع الذي يعاني منه هذا الإنسان، قد يكون سببه سرطان!، أو قرحة، أو تسوس أسنان، أو احتقان في الحنجرة، وعدد ما شئت من الأسباب. ومن الذي يحدد نوع هذا الصداع؟ الطبيب المختص أليس كذلك؟ ولماذا الطبيب؟ لماذا لا يكون المهندس المعماري مثلا؟ لأنّ الطبيب هو الذي أحاط علما بمعظم (القواعد الطبية) التي من خلالها يستطيع أن ينطلق لتشخيص المرض، ومن ثم صرف الدواء المناسب. أليس هذه المُسلمات التي كنت أبينها هي محل إجماع بين العقلاء وأشباه العقلاء؟

تمام، هناك حالة من إلحاد وارتداد عن الدّين تصيب بعض النّاس هذه الأيام، ولها أسباب كثيرة، لسنا معنيين بتعدادها والرّد عليها، إنما الذي يعنيني أنّ هناك من يزعم أنه ارتد أو ألحد بسبب بعض الأيات في القرآن متعلقة بالسيف، أو بعض الأحاديث في البخاري تخالف العقل والمنطق ومتناقضة ونحو ذلك. وهذا موجود حتى في صفحتي، من أراده فليراجع بعض التعليقات على بعض المناشير السابقة. وأنا لا يعنيني إلا هذا الصنف الأخير، لأنني أتحدى هؤلاء المرتدين والملحدين جميعا أن يقول بأنني تركت الإسلام بسبب عيب في الإسلام. تريد أن ترتد وتكفر استجابة لرغباتك وشهواتك، فذاك شأنك، فجهنم لك بالمرصاد. أما أن تريد أن ترتد وتكفر ثم تنسب ردّتك وإلحادك بسبب عيب في الإسلام، فهذا دونه خرط القتاد، أنت حالك كحال المريض الذي ذكرناه في صدر هذا المقال، قرأت حديثا أو مجموعة أحاديث ولم تسلك المسلك العلمي لفهم هذه الأحاديث، ولم ترجع إلى العلماء الذين أحاطوا بـ (القواعد الشرعية)، فضللتَ ضلالا مبينا، وتريد أن تلغي الإسلام، كما يريد ذلك المخبول أن يلغي علم الطب، وكلاكما يعاني من قصور في الفهم ليس إلا.

سأكتب بعض المقالات، لن تتجاوز العشر إن شاء الله، لأبين بعض الأدلة على صحة الإسلام، وأنه دين خالد، وأنه قد قامت الأدلة العقلية والشرعية والمنطقية على صحته، خلافا لدين اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا القائم على الخرافات والتناقضات، وما سأذكره من أدلة، هي أدلة مختصرة جدا، ومع ذلك أتحدى الملحدين والمرتدين جميعا أن يردّوا عليها، حتى أبين لهؤلاء المرتدين أنهم إذا ماتوا على ردتهم، فليس لهم من دليل ولا حجة يلقون بها الله، إلا الأباطيل والأوهام (ليهلك من هلك عن بيّنة). وعلى الله قصد السبيل.

لنتصور أننا في زمن ما قبل اختراع الـ (سّيارة)، ولم يشاهد أحد منا (سيارة) من قبلُ، ولم يسمع بها، فجأة استيقظ الناس فوجدوا في ميدان الشهداء (سيارة) وبجوارها شخص يزعم أنه (مُرسَل) من صانع هذه السّيارة. هؤلاء الناس يجهلون كل شئ عن (السّيارة)، كيف تشتغل؟ ما هي السرعة القصوى؟ كيف تتحرك؟ كيف تقف؟ ..إلخ. ويجهلون كل شئ عن الـ (صانع) أيضا، اللهم إلا ما رأوا من بديع صنعته، وجمال إبداعه، ودقة تصاميمه، من خلال تأملهم في (صنعته = السيارة). هذا الشخص الذي يزعم أنه (مُرسَل) من الـ (صانع) يقول للناس، أنا أعرف كل شئ عن هذه (السيارة) كيف تشتغل، وكيف تتحرك، وكيف تقف…إلخ وأعرف كل شئ عما يريده منكم الـ (صانع) كي تحافظوا على هذه (السيارة) وكي تستمر معكم أطول فترة ممكنة وهلم جرّا، فهنا جميع العقلاء وأشباه العقلاء يجمعون على التالي:

أولا: يجب على هؤلاء الناس أن يتأكدوا بـ (أدلة يقينة) من أنّ هذا الشخص (مُرسَل) من الـ (صانع) فعلا. ومن العبث الدخول في نقاشات جانبية مع هذا الشخص حول الـ (سيارة) قبل التأكد من أنه (مُرسَل) من الصانع.

ثانيا: فإذا ثبت بـ (أدلة يقينة) أنّ هذا الشخص (مُرسَل) من الـ (صانع) فوجب عقلا ومنطقا التسليم له فيما يقول، لأن الجميع يجهل تماما هذا (المنتج = السيارة) وكذلك الجميع يجهل الـ (صانع) أليس كذلك؟. فلو قال هذا الـ (مُرسَل) أنّ هذه (السيارة) حتى تتحرك لابد أن نضيف لها وقودا، فيعترض معترض من الناس فيقول، بل يجب أن نضيف لها ماء!. مع أنّ كلام هذا المعترض أقرب للعقل والمنطق، قياسا على الدواب التي يركبها البشر قبل هذه (السيارة) مثل الجمال والحمير والبغال والبقر ونحو ذلك، فكل هذه الدواب تتحرك إذا سقيناها ماء وليس وقودا، ومع ذلك قول (المُرسَل) هو الصواب، مع أنه لا يوافق المعقول الذي تعوّد عليه الناس. والعلة فيما تقدم، أنّ هذا (المُرسَل) قد أحاط علما بهذا (المنتج = السيارة)، وهذه الإحاطة بهذا المنتج قد أمده بها الـ (صانع). وعموم الناس لا يعرفون شيئا عن هذا المنتج.

إخوة الإلحاد، شنو رايكم في الكلام السابق؟ محل اتفاق بين المؤمنين والملحدين والعقلاء وأشباه العقلاء أليس كذلك؟ ولا عندكم كلام ثاني؟ وقياسا على ما تقدم:

البشر جميعا، يجهل (المُنتج = الكون) ويجهل أيضا (الصانع = الخالق). وهذه مُسلّمة يتفق عليها جميع عقلاء البشر، الملحد منهم والمؤمن، والدليل على ذلك، أنّ البشر منذ آدم إلى يومنا هذا وهم كل يوم يكتشفون شيئا جديدا في هذا (المنتج = الكون). وكل يوم والعلماء يغيرون آراءهم وأقوالهم كلما ظهرت لهم أدلة جديدة في المجالات كلها، الطب، الفلك، الجولوجيا..إلخ وما كان بالأمس من المُسلمات صار اليوم من المُضحكات، وهكذا. أمّا (الصانع = الخالق) فقد تاهت عقول البشر فيه بدون (الرّسل). وصل بالبشر أن جعلوا إلها للحرب وإلها للمطر وإلها للحب…إلخ. وهؤلاء الذين يقولون بهذه الأقوال السخيفة، هم فلاسفة اليونان والأغريق، والذين هم في حسّ العالم الغربي عباقرة العالم!.

ونحن في هذا التيه والضلال، جاءنا شخص، وقال أنه (مُرسَل) من (الصانع = الخالق) لأبين لكم كل شئ عن (الصانع = الخالق) وكذلك عن (المُنتج = الكون). والمقصود ما يتعلق بمصيرهذا الكون؟ ولماذا خُلق؟ وما نهايته؟ وإلى أي شئ سنصير؟ وحقيقة الجنة والنار، ونحو ذلك. فماذا علينا أن نفعل؟ يجمع العقلاء وأشباه العقلاء على التالي:

أولا: يجب على الناس جميعا أن يتأكدوا بـ (أدلة يقينة) من أنّ هذا الشخص (مُرسَل) من (الصانع = الخالق) فعلا. ومن العبث الدخول في نقاشات جانبية مع هذا الشخص قبل التأكد من أنه (مُرسَل) من (الصانع = الخالق).

ثانيا: فإذا ثبت بـ (أدلة يقينة) أنّ هذا الشخص (مُرسَل) من (الصانع = الخالق) فوجب عقلا ومنطقا التسليم له فيما يقول، لأن الجميع يجهل تماما هذا (المنتج = الكون). وكذلك الجميع يجهل (الصانع = الخالق) أليس كذلك؟. فمهما قال هذا (المُرسَل) من كلام لا تدركه عقولنا، فوجب التسليم به، لأننا نجهل تماما (المُنتج = الكون) وكذلك (الصانع = الخالق). فمثلا، حينما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم قتلى بدر وقال “هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟” فقال له عمر كيف تكلم في ناس ماتوا؟ فقال له النبي عليه السلام “هما يسمعوا في كلامي أحسن منك”. أو أنّ هناك ملائكة نزلت تقاتل يوم بدر…إلخ، فهنا لو تجيب اينشتاين ونيوتن واديسون وغيرهم وتعطيهم مختبر يحتوي على الأجهزة المتطورة ويبقوا عشر سنوات مش حتوصل عقولهم لأن يفهموا أو يستوعبوا الكلام هذا، وأنا أيضا لا يمكن أن نستوعب أو نقبل بهذا الكلام، واللي خلاني نقبل الكلام هذا حاجة واحدة بس، وهو أنّ الذي اخبر بهذا الخبر ثبت عندي على وجه اليقين أنه رسول من الله.

الآن نصل الى القول، بأنّ عليك أن تتأمل فيما كتبتُ لك، فأي نقاش قبل إثبات أنّ (محمدا مُرسل من الله) فهو عبث وضياع للوقت وخلاف المنهجية العلمية في البحث أليس كذلك؟ ولك أن تقول أنني أشك في أنّ محمدا رسول الله! ولو كنتُ مكانك ـ عياذا بالله ـ فلن تكون معركتي إلا هذه القضية، فإن استطعت أن أثبت أنّ “محمدا مدعيا للنبوة” فقد كسبتُ كل شئ، وإن فشلت، فكل التفريعات التي بعدها لا قيمة لها. فهل اتفقنا على أصل النقاش؟ وأريدك أن تراجع هذا المقال مرارا، فإن كان عندك اعتراض على كلمة فبينها لي، ولك أن تترجم هذا المقال إلى جميع اللغات وترسله إلى جميع الجامعات الشرقية والغربية، فإن استطاعوا ردّه بالعقل والمنطق، فلك عليّ وعد أن ألتحق بركاب الملحدين، ما رأيك؟ حتى تعلم أننا على بيّنة من ديننا ونستطيع أن نحاور الدنيا كلها ونحن مرفوعي الرأس.

أخيرا، الإخوة الذين يؤمنون بصحة القرآن والإسلام، لكن عندهم اشكاليات في البخاري ومسلم، ويقولون بأنّ فيهما روايات تخالف العقل والمنطق، وفيهما أساطير وخرافات…إلخ. أنا لا أريد منكم في هذا المقال إلا أن توافقونني على نقطة واحدة فقط، وهي أنّ (المُرسَل) الذي أرسله (الصانع = الخالق) سيخبرنا بأشياء، بعضها نستطيع إدراكها بعقولنا، والبعض الآخر لن تسوعبه عقولنا، وفي كلا الحالتين يجب التسليم والتصديق. وهذه قضية قد بيّنتها لك بأدلة عقلية ومنطقة في ثنايا هذا المقال، فإن أبيتَ إلا الجدل واتباع الهوى، فإني مضطر لأن أقول لك، بأنك مخلوق من ماء مهين، ومن هذا قدره عليه أن لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الذي خلقه من هذا الماء المهين، فكيف له بعد ذلك أن يتطاول ويريد أن يحيط علما بحكمة الله في هذا الكون؟! وأرجو أن يكون ما تقدم واضح لديك؟.

يضيق بعض النّاس ذرعا بأحاديث البخاري ومسلم، ويستطيع الإنسان من خلال ما يكتبه هؤلاء أن يحصر مشكلتهم في معالم محددة، يقول أحدهم “وأول أركان تلك المنظومة هي أحاديث ـ البخاري ومسلم ـ التي يضعها إخوتنا السلفيون ومن رأى برأيهم في مرتبة القداسة وهي التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. المثير للإستغراب أن لا تكاد تخلو صفحة من تلك الكتب من حديث غريب إما يناقض حديثا آخر وإما نصا قرآنيا وإما يتناقض مع العقل المجرد…” انتهى.

وسوف أعلق على هذا الكلام السابق، وهو ردّ على كل من يقول بقوله:

لو سألنا هذا الكاتب لماذا آمنت بالقرآن وكفرت بـ (السُنة = البخاري ومسلم). فجوابه سيكون كالتالي بناء على كلامه أعلاه:

أولا: في السُنة كلام يخالف العقل وقد ذكر بعضها ـ في مقال آخر ـ كيف أن أبا هريرة يتكلم مع العفاريت، وحديث الدجال حي يُرزق، و”الخرافات وحكايات الجان والأفاعي الناطقة والإله الذي يسكن في السماء السابعة وينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ليتفقد أحوال العباد ، وقصة الشمس التي تختفي كل ليلة وتذهب لتسجد تحت العرش ثم تعود لتشرق على الناس في اليوم التالي…” انتهى كلامه.

وخلاصة القول أن في السُنة أشياء تخالف العقل ولذلك يجب ردها عند “كاتبنا”، نقول وبالله التوفيق إن “مناط الحكم = العلّة أو السبب” الذي بسببه رددت السُنة متحقق في القرآن أيضا، ففي القرآن أشياء كثيرة جدا تُخالف العقل مثل العصا التي تنقلب إلى أفعى، ومثل نملة تتكلم، وهدهد يُحذّر، وهناك من أُلقي في النار ولم يحترق، وهناك من ضرب بعصاه البحر فانفلق، وهناك من ضُرب ببعض بقرة فقام حيا بعد موته، وهناك عفريت قال أنه سيأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس قبل أن يقوم الإنسان من مقامه، وهناك ملائكة تعرج إلى السماء في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وهناك من نام في كهف أكثر من ثلاثمائة سنة ثم استيقظ بعد ذلك ليشتري بعض حاجياته من سوق المدينة، وغير ذلك من الأمور الكثيرة جدا ـ ربما أكثر من السُنة ـ التي لا يقبلها العقل.

فإن كنت سترد السُنة من أجل أن بها أمور تخالف العقل فوجب عليك ردّ القرآن أيضا لتحقق نفس (المناط = العلّة) في القرآن أيضا. (وهذه واحدة، وأنا في انتظار الأخوة الذين يردّون السّنة ويقبلون القرآن بناء على هذا التعليل السابق أن يردوا علي هذه النقطة).

ثانيا: في كلامه السالف أعلاه ذكر أن في السُنة أحاديث يناقض بعضها بعضا ” لا تكاد تخلو صفحة من تلك الكتب من حديث غريب إما يناقض حديثا آخر…إلخ”.

أقول، وكذلك في القرآن يوجد آيات “يناقض بعضها بعضا” على على حد تصوره وزعمه:

ـ يقول الله تعالى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد).

ـ ويقول الله في القرآن نفسه (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون).

فظاهر هاتين الآيتين أنهما متناقضتين تماما، فالأولى تأمر المؤمنين بقتل المشركين في أي مكان، والثانية تدعو إلى إعطاء المشركين الأمان حتى يسمعوا كلام الله. والأيات مثل هذه كثيرة جدا في القرآن، راجع الأيات الواردة في الخمر والربا وقتل النفس…إلخ. وأرجو أن لا ندخل في أن الأية الأولى المقصود بها كذا والثانية كذا، عند ذلك سنقول لك نفس الشئ الحديث الأول المقصود به كذا والثاني كذا وهكذا.

فإن كنت سترد السُنة من أجل أن بها أحاديث يُناقض بعضها بعضا في ظنك، فوجب عليك ردّ القرآن أيضا لوجود نفس القضية أيضا. (وهذه الثانية، وأنا في انتظار الأخوة الذين يردّون السّنة ويقبلون القرآن بناء على هذا التعليل السابق أن يردوا علي هذه النقطة).

خلاصة ما تقدم:

أنا أريد أن أقول، بأنّ من ردّ السنة، بزعم أنّ فيها أساطير وخرافات وأشياء تخالف العقل، أو بزعم أنّ في السنة أحاديث متناقضة، فإنّ هذه المزاعم موجودة في القرأن، فوجب عليك عقلا ومنطقا أن ترد القرآن أيضا، أما التفريق بينهما فهو مخالف للعقل والمنطق. وهذا كلام موجه للذين يؤمنون بالإسلام والقرآن ولكن عندهم اشكالات مع السّنة. أما الذين يردون القرآن والسّنة معا = الملحدين فسيأتي الحديث معهم في قابل المقالات إن شاء الله.

سيأتي في المقالات القادمة إن شاء الله مزيد حديث عن الأحاديث والسّنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى