آراءبحوث ودراسات

د.علي السباعي يكتب: ما وراء قطار القطيط

Latest posts by د. علي السباعي (see all)

أحدث منشورًا لي على صفحتي الشخصية بالفيس بوك، والذي جاء تحت بعنوان “عندك بديل؟” حراكا ملحوظا في صفحات الفيسبوك، ما بين مؤيد ومعارض ومتحفّظ وشاتم وهلمّ جرا، ولست في هذا المقال بصدد تتبع كل قول وقائله، وأصارحكم القول أنني لم أجد شيئا مما كُتب ذو قيمة علمية يمكن مناقشته بطريقة منهجية علمية، بل عامة ما قرأته هو إحداث زوبعة ودعوة للمبارزة في غير الميدان الذي أقف فيه!، وقد راسلتُ بعض الأصدقاء، وكتبتُ لبعض من انتقدني في صفحات بعض الأصدقاء أن يجمعوا لي أهم ما يرونه يستحق الرد، حتى أراجعه، فلم أجد إلا ما قرأته بنفسي، وهو لا يستحق الرد كما أسلفت ـ ويعلم الله الذي لا تخفى عليه خافية ـ أنني بعد أن كتبتُ مقالا طويلا قد أتى على كل ما ذُكر بالخصوص، اتصل بي بعض أهل الفضل والمكانة وطلب مني الإعراض عن الموضوع من باب عدم إحداث مزيد من الفرقة، فنزولا عند طلب هؤلاء الأفاضل تركت الرد، إلا أنني رأيت أن أخذ منه بعض الفقرات التي تلخص ما أردتُ قوله لمن كان له أدنى درجات العقل.

يقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، وهو من كبار العلماء في العالم الإسلامي، حينما سئل ـ كما في المقطع المرفق ـ عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وهل يجوز للمسلم الأمريكي أن يصوّت للرئيس الذي يُعتقد بأنه أنفع للمسلمين؟ فأجاب “أنا أرى أن ينتخبوا من هو أنفع للمسلمين ولا حرج في هذا”. ومعلوم لكل من يملك أدنى درجات العقل، أنّ كل رؤساء أمريكا بلا استثناء قد نزل بلاؤهم وبأسهم بالمسلمين، لكن لو وُجد من ضرره 100% وأخر 99.99 لكان دعم الأخير من محتّمات العقل ومقتضيات الشرع كما بين الشيخ العثيمين رحمه الله.

وما ذكره الشيخ العثيمين رحمه الله هو المعمول به في أمريكا وأوروبا بالنسبة للجاليات المسلمة هناك. فالجالية المسلمة في كندا مثلا، تدعم وبكل قوة رئيس الوزراء الحالي، وقد كان رئيس الوزراء الكندي السابق عنصريا متطرفا ضد المسلمين، وهنا أريد أن أضع لك كلاما مهما بين أقواس أرجو أن تنتبه له أخي الكريم:

(رئيس الوزراء الكندي الحالي ـ النصراني! ـ حينما يزور المراكز الإسلامية ويفطر مع المسلمين في رمضان، هل يقوم بذلك قربة وطاعة؟ أم أنه ينظر لهذه الشريحة من المسلمين الكنديين هي مجموعة من الأصوات التي يجب كسبها كي تساعده في تحقيق أهدافه السياسية؟ وهل الجالية الإسلامية في كندا حينما تدعم رئيس الوزراء هذا، تدعمه لأنه سيقيم لها خلافة راشدة على منهاج النبوة؟ أم تدعمه لأنه سيذهب عنها ـ ولو بنسبة بسيطة ـ شبح العنصري الذي قبله أو ربما من سيأتي بعده؟ فإذن بالمسطرة والقلم: رئيس الوزراء الكندي له مصلحة في أصوات المسلمين، والجالية المسلمة في كندا لها مصلحة في دعم هذا الرئيس. فالتقت المصالح وكل واحد باقي على دينه وفكره ومنهجه ولونه وحتى قبيلته “1”).

لو تقرأ ما كتبته لك ما بين قوسين أخي الكريم بقلب حاضر، بعيدا عن هواجس التخوين، وخوفك من سياط الجلادين الذين سيتهمونك بأنك خنت دماء الشهداء وبدّلت وانحرفت، لو فعلت ذلك سيظهر لك واضحا جليا معنى قولي “قطار قطيط”. والتفتَّ بعد ذلك إلى تلك الجلبة والفوضى التي أحدثها القوم بعين الشفقة والرحمة، ولأدركت بعد ذلك أنهم أضاعوا أوقات الناس هدرا سامحهم الله. فمنهم من انتصب شامخا ليزأر بين الناس مذكرا بثوابت العقيدة والشريعة والثوابت الوطنية ودماء الشهداء، ارفق بنفسك واتهم فهمك، وتواضع قليلا، وانزل درجة أو مجموعة درجات من برجك العالي وأحلامك، وعش واقعك بمصداقية وقدّر امكانياتك بواقعية ولا تحمل الناس ما لا يحتملون:

وكم من عائب قولا صحيحا:: وآفته من الفهم السقيم.

وألخص لك القول أخي الكريم لمزيد من التسهيل:

(هل تجد في قطيط (2) أي مصلحة إضافية عن الموجود الحالي؟ ولو بنسبة 0.01%؟ فإذا كان الجواب نعم؟ فراجع ما ذكرته لك في المقال. وإذا لا ترى في قطيط أي مصلحة فالزم ما أنت فيه وانتظر مددا من السماء لعلها تمطر ذهبا!. وأريد أن أضيف لك شيئا مهما، قطيط مصلحته كلها قائمة على “الجالية المسلمة في كندا = أقصدك أنت يا من تريد مشروع قطيط”. فهل تستطيع أن تحقق بعض أهدافك وبعض مصالحك من شخص يرى مصلحته كلها فيك؟). ياودي بعد هكي معاش عندي ما نقول.

بقي نقطة مهمة، وهي قول البعض، ما الفرق بين دعم “اتفاق الصخيرات” وبين “دعم قطيط”؟

أقول وبالله التوفيق:

تصور أخي الكريم أنك تمتلك مزرعة أنت و”إخوانـ” ك، تقدر هذه المزرعة بمليون دينار، فجأة وبدون مقدمات بدأ إخوانك يطالبونك بضرورة بيع المزرعة بمئة ألف دينار، وقع خلاف بينك وبين إخوانك، أنت تريد بيع المزرعة بمليون وهم مصرون على مائة ألف، فذهب كل واحد منهم تصرف في نصيبه، فصارت المزرعة مقطعة الأوصال، جزء مبيوع، وجزء ماتت فيه الحياة، وجزء تهدم فيه البنيان وهكذا، بعد أن كانت مزرعة مرتبة موحدة، دارت الأيام، وجئت اليوم أنت لبيعها بـ عشرة آلاف دينار، وهذا هو أقصى سعر يمكن أن تجنيه من هذه المزرعة المدمرة. فمن المُلام هنا، إخوانك الذين دمروا المزرعة؟ أم أنت الذي تحاول أن تنقذ ما تبقى من تلك المزرعة؟.

حينما كان معك حكم المحكمة، ومعك الكتائب والبلديات ومؤسسات المجتمع المدني وشريحة كبيرة من المجتمع وكنت تبسط جناحيك على معظم الأراضي الليبية وهلم جرّا، ذهب كل واحد منكم لبيع نصيبه بثمن بخس، المجلس البلدي الفلاني يريد حصته، والنواب المقاطعين الفلانيين يريدوا حصتهم، والحزب الفلاني يريد حصته، والكتيبة الفلانية تريد حصتها، والقبيلة الفلانية تريد حصتها، والمدينة الفلانية تريد حصتها وهلم جرّا، فشقيتم الصف وشتتم الشمل، وهذا مقصد “ليون وكوبلر” من الاتفاق، وتركت لي بعد ذلك بؤسا وغلاء وطوابير وعجزا الخ، ثم تأتي تلومني اليوم وتقول لي ما الفرق بين “الصخيرات” و “القطيط”؟ ومن ألجأني لهذا الخيار غيرك؟ وهل ما أقوم به الآن إلا ترقيعا ولملة لجراحي منك ومحاولة الحصول على أقل مصلحة بعد أن ضيعتمونا بـ “اتفاقكم” المزعوم؟

أخيرا: بقي لي عليك عتاب أنت أخي الكريم يا من تريد أن تركب في أي قطار، أنت اليوم تبحث عن حل ومخرج لما أنت فيه، فلما تتخذ قرارك تقوم بالتوقيع والتفويض المطلق على ورقة بيضاء لمن اخترته، وهذه هي المصيبة الكبرى والطامة التي أورثتنا كل ما نحن فيه، أعطيت تفويضا مطلقا لـ “مصطفى عبد الجليل، محمود جبريل، المؤتمر، زيدان، البرلمان، حفتر، السراج…إلخ”. ولو أنك حاسبت هؤلاء على وعودهم قبل وصولهم!، لما كان حالك هكذا.

ولعلك تسألني، وماذا عليّ أن أفعل؟

أقول مختصرا، إن كنت تريد أن تركب قطار القطيط، فعليك بالتالي:

1ـ عليك أن تستحضر أن القطيط محتاج إليك أكثر من حاجتك أنت إليه، فلا تعطيه تفويضا على بياض، اليوم وليس بعد أن يصل.

2ـ لابد من اختيار ممثلين عن المناطق، ولنقل عن طرابلس إحدى عشر ممثلا، يتم اختيارهم من طرفك أنت ـ يا من ستعطي دعمك للقطيط ـ كل منطقة تختار من سيمثلها في مشروع القطيط، ولنقل منطقة طرابلس المركز ثلاث ممثلين، سوق الجمعة ممثلين، عين زارة ممثلين، بوسليم ممثلين، حي الأندلس ممثلين.

3ـ إياك أن تقع في الخطأ القاتل الذي وقعت فيه في السابق، فاختيار هؤلاء الممثلين لا يعتمد على طول القيام وكثرة الصلاة أو أن يكون من عائلة متدينة أو أبا لشهيد أو مجموعة شهداء أو حضر الجبهات أو مصاب في القتال أو يظهر في الاعلام أو متكلم جيد أو يحمل شهادات أو عضو في ناسا إلخ إياك ثم إياك أن تقع في هذا الخطأ القاتل. ببساطة أنت من منطقة “المنصورة” في طرابلس مثلا، عليكم أن تجتمعوا وتبحثوا عن “القوي الأمين” أما الأمين فتنظروا في المنطقة من الشخص المشهود له بأنه لم يسرق ولم يفجر وصاحب سيرة حسنة ولابد أن يكون مُجرب، بمعنى أنه جُرب في منصب أو جُرب في بيع وشراء أو جُرب في مشكلة وقعت في المنصورة ويكون قد خرج منها أمينا صادقا نظيف اليد، أنت تستطيع أن تصل إلى هذا الشخص بكل سهولة ويسر في منطقتك. أما قويا، فلابد أن يكون عنده نباهة وقدر من الذكاء الذي به يعرف كيف تسير الأمور.

4ـ عندك 11 ممثل عن طرابلس الأن، أنت اخترتهم على عينك، وكل منطقة ومدينة تفعل الشئ نفسه، هؤلاء الممثلين سيكتبون كل ما يعد به القطيط في ورقة واضحة المعالم مفهومة، يستطيع أن يقرأها ويفهمها كل من يحسن القرآة والفهم، وهؤلاء الممثلين يتواصلون ـ وأنت من ورائهم محيط ـ مع القطيط بعد ذلك لوضع جدول زمني قابل لتطبيق ما وعد به القطيط.

5ـ فاستمرار دعمك من عدمه بمقدار تنفيذ ما يعد به القطيط، وبمقدار تنفيذ ما هو موجود ومكتوب عند الممثلين الذين اخترتهم أنت بنفسك، بهذه الطريقة تستطيع أن تقيس الأمور بالمسطرة والقلم، وتستطيع أيضا أن تُلزم القطيط وتجعله يضعك بجوارك في قاطرة قطاره يستشيرك في كل صغيرة وكبيرة، أما التفويض المطلق كما وقع معك في مشروع السرّاج فمردّه إلى القاع الذي أنت فيه الآن لا محالة.

ولا يفوتني هنا أن أسجل إعجابي بإبداع بعض الإخوة والأخوات أيضا، تجده لسنوات يتابع ما تطرح وما تكتب وما تقول معجبا به مؤيدا له، ويشهد الله في عليائه أنه يحبك في الله، ثم في لحظة وبدون سابق انذار يضعك في خانة ممن خنت الله ورسوله أو ممن اشترى بدماء الشهداء ثمنا قليلا!. وآخرون يرون أن لك طرحا مميزا وبعد نظر، ثم فجأة وبدون سابق انذار يرونك مراهقا سياسيا متذبذبا متقلبا، بناء على معطيات قد تكون ناقصة أو مشوهة أو غير دقيقة والله المستعان. فإلى هؤلاء جميعا، سامحكم الله وغفر لكم، والله لا نريد لكم إلا الخير، ولا أتمنى لكم إلا السعادة ـ حتى لو اختلفنا ـ وما أقوم به من جهد متواضع، هو قربة أتقرب بها الى الله، ومحاولة مني لكسر هذا الحال الذي وصلنا إليه، وتخفيفا عن المواطن الذي أرهقته الرزايا والبلايا، ولست والله أسعى لمكسب دنيوي، معاذ الله أن أشتري بدماء الناس وعرقهم ومعاناتهم ثمنا قليلا، والله من وراء القصد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ يمكن الاستفادة من الإخوة الليبيين في الجالية الإسلامية في كندا، لاسيما النشطين في الفيسبوك للاستفادة من هذه التجربة، والتأكد منهم في قضية هل حينما يقومون بدعم “رئيس الوزراء النصراني!” ويركبون في قطاره، هل يتخلون عن دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم ومطالبتهم بالشريعة وأن “تكون المصدر الوحيد للتشريع”؟. الأستاذ خالد الغول ومن “أُعجب!” بقوله يمكن الاستفادة منه في هذا الجانب باعتباره ليبيًّا ومتابعا ومهتما بالشأن الليبي، وفي ذات الوقت هو مقيم في كندا وعايش ما ذكرته عن تجربة الجالية المسلمة في كندا.

2ـ ولا قيمة ولا وزن هنا لديانة قطيط ولا لمقدار تمسكه بثوابته ولا بزوجته ولا بعلاقاته مع اليهود أو الأمريكان…إلخ. المسألة متعلقة بكم أستطيع أن أستفيد منه؟ وكم يمكن أن يستفيد مني؟ وأريد أن أذكركم جميعا، في 17 فبراير لما كانت مصلحتكم في إسقاط القذافي استعنتم بالجميع، بدأ من صواريخ التوماهوك الأمريكية مرورا بساركوزي الفرنسي انتهاء بشلقم وجبريل والترهوني وشمام وزيدان وشاتمي الله والرسول وشربة الخمور والقتلة والمجرمين وسارقي المال العام وهلم جرا، أليس كذلك؟ أم نسينا؟ (هل كنتم تسألون هؤلاء عن عقيدة زوجاتهم؟ وعلاقاتهم باليهود؟ قيسها بالمسطرة والقلم وخليها عندك!).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى