آراءبحوث ودراسات

د. علي السباعي يكتب: فاسألوهم إن كانوا ينطقون!.

Latest posts by د. علي السباعي (see all)

كتب أحدهم مقالا بعنوان “العدالة والبناء.. مسارات صائبة في مفترقات أضاعت الكثيرين”. جعل من الحزب رأس حربة في قيادة ثورة فبراير، وحماية مكتسباتها، وأنّ الحزب وقيادته لهم نظرة إستراتيجية بعيدة المدى، عجز الآخرون عن فهمها إلا مؤخرا!. يقول كاتب المقال “لم يفهم تيار الثورة ما يقوم به صوّان وحزبه من مناورات ذكية وعمل سياسي أصيل لكشف وإحباط كل مخططات الثورة المضادة..”. الحقيقة، لا أريد أن استعجل بالحكم على ما تفضل به كاتب المقال، من حيث الصواب والخطأ، ولكن في الوقت ذاته سنستعرض بعض الحقائق التاريخية التي مرّت بها أحداث ما بعد فبراير، لنجعل القارئ الكريم هو الذي يحكم بنفسه. فأقول وبالله التوفيق.

 

أولا: من أخطر المنعطفات الكارثية التي حلّت بفبراير وأهلها هي مخرجات “لجنة فبراير” والتي كانت بمثابة أكبر هدية تُقدم للثورة المضادة، وغالب ما نعانيه اليوم من فوضى واحتراب هو مخرج من مخرجات تلك اللجنة. هذا المنعطف الخطير كان الحزب أحد أهم داعميه!. فكيف يُقال بعد ذلك أنّ الحزب يقوم بـ “مناورات ذكية وعمل سياسي أصيل لكشف وإحباط كل مخططات الثورة المضادة؟!”. أليس هذا ما جرى؟ وإن كنتم في شكٍ من قولي (فاسألوهم إن كانوا ينطقون).

 

ثانيا: اتفاق الصخيرات جاء نتيجة لمخاض من الأحداث، ويعتبر مقاطعة مجموعة من النوّاب لمجلس نواب طبرق هو الأساس لكل ما جاء بعده من حوارات واتفاقيات. وهذه نقطة في غاية الأهمية، إذ لم يكن الخلاف بعد عملية “فجر ليبيا” خلافا سياسيا، بل كان الخلاف عسكريا فقط، وكانت الشرعية كلها = حكومة وبرلمانا، قد هاجرت إلى طبرق. ولولا أن قيد الله مجموعة من النواب عارضت هذه الهجرة، لظل الخلاف بين مجموعات مسلحة = فجر ليبيا، وبين الشّرعية = برلمان طبرق وحكومته. ولم يكن “ليون” يقابل في بداية حواراته إلا النوّاب المقاطعين. وكل ما جاء بعد هذه الحوارات والاتفاقيات وصولا إلى الصخيرات، فهو قائم على مقاطعة تلك الثلة من النواب لجلسات طبرق، فعمل هؤلاء النوّاب ـ وأنا أحدهم ولا فخر ـ هو حجر الأساس الذي قام عليه إبطال مخرجات لجنة فبراير التي باركها ودعمها الحزب، وإن كنتم في شكٍ من قولي (فاسألوهم إن كانوا ينطقون).

 

ثالثا: رجع “المؤتمر الوطني” إلى الواجهة السياسية، وقد كنتُ من أشد المعارضين لرجوع المؤتمر للحياة السياسية مرة أخرى لأسباب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها (1)، وشكّل حكومة الإنقاذ برئاسة “عمر الحاسي” وهذه الحكومة أيضا منعطف خطير في مسيرة فبراير، وذلك للأسباب التالية:

 

ـ الحاسي تبرأ من العملية العسكرية التي أوصلته إلى رئاسة حكومة الإنقاذ.

ـ الحاسي أوجد بينه وبين المؤتمر الوطني شرخا كبيرا من يومه الأول، حيث أراد الحاسي أن يؤدي القسم أمام “مجلس النواب” وليس أمام “المؤتمر الوطني”.

 

ـ الحاسي أوجد شرخا عظيما بين أكبر مدينتين من مدن الثورة، حيث أنه تعرّض لموقف شخصي من بعض ثوار إحدى المدن، فشعر بالإهانة، فقام بعدها بنقل كل ثقله إلى مدينة أخرى، ومكّنها في كل مفاصل حكومة الإنقاذ، فكان ردة فعل المدينة الأولى أن قامت بعزل المدينة التي دعمها الحاسي عن طرابلس بالكامل!. وعمل الحاسي الانتقامي هذا لا تزال آثاره السلبية بين المدينتين إلى يومنا هذا.

ـ الحاسي، عوضا عن أن يُشكل حكومة إنقاذ، قام بتشكيل حكومة عدد وكلائها (120) وكيل!، ولم يراعي المرحلة الحساسة التي تمر بها فبراير، فكان غاية همّه إرضاء جميع المدن والمناطق والتشكيلات والجماعات والأصحاب! على حساب الوطن وفبراير، ولم يراعي قط، الكفاءة والمعايير المهنية في اختيار المسئولين، ففي حكومته، وعلى حين غفلة من أهل ليبيا، وجدنا وكلاء وزارات بل وبعض الوزراء لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بالمناصب التي تقلدوها (2).

 

حكومة الحاسي مستثناة من النقد والاعتراض، فلا يمكن بحال من الأحوال أن تجد متطرفا يتطرق لحكومة الحاسي!، قلبوا صفحاتهم وما يسطرون، لم يتركوا إنسانا قد شارك في الشأن العام، إلا ورموه بالعمالة والخيانة، وحينما يمرون على حكومة الحاسي يقفزون بحركة بهلوانية بعيدا عنها وعن نقدها، مع أنّ هذه الحكومة تقلدت السلطات وهي في عنفوان ثورة فبراير كما سيأتي، وهكذا هم المتطرفون ليس عندهم من الإنصاف شئ، بل لا يعرفونه ولا يهتدون إليه سبيلا. فالحاسي ومستشاره المُقرّب! لم يُقدموا أي عمل يمكن أن يًوصف بأنه إنجاز لصالح فبراير، وأنا أتحدى مستشار الحاسي، الذي لم يسلم أحد من قلمه، تخوينا ورميا بالعمالة، أن يخرج للناس ويحدثهم عن أي إنجاز قام به هو ورئيسه. فمناقشة الأدلة والحقائق بعلم وأدب هو عنها قصير، أما السب والهمز واللمز فله اليد الطولى، وإن كنتم في شكٍ من قولي (فاسألوهم إن كانوا ينطقون).

 

رابعا: الاتفاق السياسي جاء في ظروف غير الظروف التي نعيشها اليوم، كانت تلك الظروف والأحوال كلها لصالح فبراير، إلا أنها لم تُستغل استغلالا صحيحا. ويمكن حصر تلك المعطيات والظروف في النقاط التالية:

 

ـ يعتبر أكثر من 80% من المساحة الجغرافية لليبيا كانت تحت سيطرت قوات فبراير.

ـ كل مؤسسات الدولة كانت خالية من أتباع النظام السابق، وأتباع المجرم حفتر.

ـ غالب المدن الليبية كانت تتظاهر وتخرج في السّاحات داعمة لقوات فبراير.

ـ غالب المجالس البلدية كانت داعمة لقوات فبراير.

ـ كان الانقلابيون في وضع ضعيف جدا.

 

من خلال المعطيات السابقة، كان الاعتراض على الاتفاق السياسي والسعي له أساسا، وكان من الممكن الخروج باتفاق أفضل من هذا الاتفاق الموجود اليوم بكثير. قد يقول قائل بأنّ المجتمع الدولي كان ضاغطا على قوى فبراير. أقول، بأنّ الأمر لم يكن كذلك، بدليل أنّ الحزب كان موافقا على المسودة الرابعة، ولكن حينما لحقت بعض قوى فبراير بالحوارات، وقامت بالضغط لصالح فبراير تم الاستجابة لمطالبهم فكانت المسودة الأخيرة، فاستجابة المجتمع الدولي لضغط قوى فبراير دليل على أنه كان يمكن أن يكون أحسن مما كان!. والفرق بين المسودة الرابعة والمسودة الأخيرة يعرفه الحزب جيدا، فكان من الممكن جدا أن تكون نتائج الحوارات أفضل بكثير، لو كان الذين استعجلوا بالحوار قاموا برصّ الصفوف، وتأمين المناطق التي تسيطر عليها قوات فبراير، وإحكام السيطرة على الموانئ والحقول النفطية، والمعابر والحدود والمطارات، ونحو ذلك من الإجراءات، وكل ما تقدم كان متيسرا وفي متناول اليد. ولكن الذين استعجلوا بالذهاب للحوار ـ ومنهم الحزب ـ أحدثوا شرخا عظيما في صف فبراير، السياسي والعسكري والإعلامي والساحات والبلديات وهلم جرا، بلغ لاحقا إلى حد الاقتتال والتخوين والخطف والقتل والتهجير، وبعد أن كان أنصار القذافي وحفتر بعيدا عن مؤسسات الدولة، صاروا بعد الاتفاق أصحاب قرار ونفوذ وتوجيه في داخل طرابلس نفسها، ولازالوا إلى يوم الناس هذا أصحاب شوكة ونفوذ، وغير ذلك من الأعمال التي لا تخفى. وهذا هو مقصود “ليون” ومن وراءه المنظومة الداعمة له من الاتفاق السياسي، ولم يُقدم اتفاق الصخيرات إلا الضعف والهوان والفرقة لصف فبراير، منذ اليوم الذي تم فيه التوقيع إلى 4/4. وإن كان له من فائدة فستكون من بعد هذا التاريخ إن أحسن الناس استغلاله!.

 

خامسا: يقول صاحب المقال “استمر الطرف الثوري المعارض للاتفاق، والذي يتهم الحزب تارة بالحماقة، وتارات أخرى بالعمالة لحفتر ومن يقف معه، بتحميل الحزب مسؤولية كل خلل أو مشكلة تحدث بالبلاد، حتى التحق جميعهم أخيرا بركب ذات الحكومة، وأصبحوا هم أنفسهم أكبر المدافعين عن ضرورة التمسك باتفاق الصخيرات..”.

 

لا يعنينا من يقصد الكاتب بهذا الكلام، إلا أنّ الرد عليه يكون من هذه الوجوه:

 

1ـ بيّنت أنّ الظروف والمناخ الذي تم فيه الاتفاق تختلف اختلافا كاملا عن ظروفنا اليوم، وتغيير الرأي والموقف بناء على المعطيات والوقائع مطلب شرعي وعقلي ومنطقي عند جميع العقلاء، ولا يخالف في ذلك إلا الدواعش ومن لا عقل له ولا فهم ولا فقه. فحينما تكون صحيحا سليما من الأمراض والأسقام يجب عليك أن تصلي قائما، وإن أصابك الضعف والمرض سقط عنك الوقوف وجاز لك أن تصلي جالسا. هذا الفقه من الأبجديات التي لا تخفى على المبتدئ في الفقه، لكن الدعشنة هي المسيطرة في مجتمعاتنا، وبالتالي لا تكاد تجد رجلا رشيدا.

 

2ـ فحينما رُفض الاتفاق بادئ الأمر، كان عندنا من الأسباب والقوة والنفوذ ما يجعلنا نرفضه أو بتعبير أدق، ما يجعلنا نناور، ونسعى إلى ما هو أفضل منه. أو ندخل فيه بحالة أفضل من حالة التشرذم التي كانت عليها الحالة السياسية الفبرايرية آنذاك. أما اليوم فلم يُبقِ لنا الاتفاق أي سبب من أسباب القوة، بل جرّدنا منها جميعها، فجاز لنا اليوم إن نصلي جلوسا، هذا إن استطعنا أن نصلي أصلا!.

 

3ـ مثل الاتفاق السياسي اليوم، كمثل رجلين في غابة يطاردهما مجموعة من الذئاب المفترسة، فبينما هما يركضان هربا من تلك الذئاب، إذ بنهر يعترض طريقهما، وعلى شاطئ هذا النهر قارب مهترئ!. فتوقف الرجلان، فقال الأول، لا خلاص لنا إلا أن نقفز في هذا القارب المهترئ ونتوكل على الله للهرب من هذه الذئاب المفترسة (وهذا الذي أقول به). وقال الثاني، لا يمكن بحال من الأحوال أن أقفز في هذا القارب المهترئ، إما أن أجد قاربا سليما أو سأبقى في مكاني، وصار يلعن الذين فعلوا بذلك القارب تلك الأفاعيل! (وهذا صنيع المتطرفين). العجيب ليس فيما تقدم، إنما العجيب أنّ الذي دمر ذلك القارب وجعله مهترئا، صار يوجه اللوم والعتب على الرجل الأول الذي قفز في القارب المهترئ بعد أن كان سليما! (وهذا ما فعله كاتب المقال وأنصار الحزب).

 

4ـ بعض الناس لا تنقاد للأدلة الشرعية والعقلية والمنطقية، مهما سردت لهم من الحجج والبيّنات، فهؤلاء لهم طريقة خاصة للمحاججة، فإليكموها:

 

ـ الفريق الأول: قبل اندلاع أحداث فبراير، كانت جماعة “الإخوان المسلمين” من أكبر الدّاعمين لمشروع “ليبيا الغد” الذي يقوده سيف الإسلام القذافي، ثم لما اندلعت أحداث فبراير كانوا من أكبر المعارضين له، والسؤال موجه لصاحب المقال، الإخوان هم الإخوان، وسيف هو سيف، فما الذي تغيير؟ لم يبق إلا الواقع هو الذي تغيير، فغيّر الإخوان موقفهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بناء على تغيير الواقع، فإن كان هذا العمل عندك رشيد، فكذلك الذين غيّروا موقفهم من الاتفاق السياسي موقفهم رشيد أيضا. (وأتمنى أن يكون ما تقدم واضح لديك).

 

ـ الفريق الثاني: قبل اندلاع أحداث فبراير، كان المفتي ـ وغيره من العلماء ـ لا يرى الخروج على القذافي، بل يُحرّمه. وحينما اندلعت أحداث فبراير أفتى بوجوب الخروج على القذافي. والسؤال موجه لمستشار الحاسي ومن في حكمه من المتطرفين، المفتي هو المفتي، والقذافي هو القذافي، فما الذي تغيير؟ لم يبق إلا الواقع هو الذي تغيير، فغيّر المفتي موقفه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بناء على تغيير الواقع، فإن كان هذا العمل عندك رشيد، فكذلك الذين غيّروا موقفهم من الاتفاق السياسي موقفهم رشيد أيضا. (خود حولين كاملين للتفكير لعلك تجد مخرجا أو سبيلا).

 

فإذا أقول للقارئ الكريم، إنّ مما توجبه الديانة والعقل السليم والمنطق الرشيد، أنّ الإنسان يتغير ويبني مواقفه بناء على المعطيات والوقائع والمستجدات التي تطرأ حوله. وأن الجمود في مكان واحد وعدم الاستجابة للمتغيرات والوقائع الجديدة يصطدم مع الدين والفطرة والعقل السليم، وإن زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوا ذلك من الثبات على المبادئ، وباقي الهُراء!.

 

سادسا: عقلاء الأمة الليبية والمفكرين وأصحاب الرأي والعلماء وأولوا الأحلام والنّهى في هذا المنعطف التاريخي أمام ثلاث أسئلة مهمة يجب الإجابة عليها، وعدم تركها للسفهاء والحمقى:

 

السؤال الأول: هل يستطيع الليبيون أن يقرروا مصيرهم بعيدا عن تدخلات المجتمع الدولي؟ أو هل المجتمع الدولي له نفوذ وسيطرة وتأثير على القرار والسيادة الليبية؟.

 

السؤال الثاني: ماذا تملك الأمة الليبية من قوة لمنع تدخل المجتمع الدولي في شؤونها الداخلية؟

 

السؤال الثالث: بناء على السؤالين السابقين، ماذا يجب على الأمة الليبية أن تفعل؟ هل تدخل في مواجهة مع المجتمع الدولي؟ أم ترتمي في أحضانه؟ أم هناك أراء أخرى؟.

 

هذه الأسئلة مُلحّة جدا اليوم، وتحتاج إلى إجابات واضحة جدا، والغفلة عن الإجابة على هذه الأسئلة هو الذي فتح الباب أمام الدواعش وإخوانهم من المتطرفين لأن يخوضوا في الشأن العام على غير بصيرة، وهم الذين أدخلونا في عداوات مع المجتمع الدولي في العراق وسوريا وليبيا وغيرها من مدن وحواضر أهل الإسلام، وهم الذين كانوا سببا في تشريد عوام المسلمين في الموصل وحلب وبنغازي وهلم جرّا.

 

الجواب الأول: لا يختف من عنده مثقال ذرة من عقل، في أنّه ومنذ سقوط الدولة الإسلامية العثمانية، ونحن نرزخ تحت نير الاستعمار، سواء الاستعمار المباشر، أو الاستعمار عبر الوكلاء، من ملوك وزعماء ورؤساء، وأنّ الاستعمار، تغلغل في كل شأن من شؤون حياتنا، وحسبك من الذل والهوان وفقدان الكرامة، أن لقاء برلين القادم المتعلق بليبيا لا يُدعى له أحد من الشخصيات والهيئات الليبية، ولا يُدعى له أحد من ممثلي الأمة الليبية، وحسبك من الذل والهوان وفقدان الكرامة، أنّ الأفريكوم تسيطر على الأجواء الليبية، وتقصف من تشاء ومتى ما تشاء!، وحسبك من الذل والهوان وفقدان الكرامة، أنّ البارجات الفرنسية تسرح وتمرح في الشواطئ الليبية كيفما تشاء ومتى ما تشاء، وحسبك من الذل والهوان وفقدان الكرامة، أن تمرح فوق أرضنا المرتزقة من روسيا وفرنسا والإمارات والجنجويد وهلم جرّا. ولو أردنا أن نعدد مظاهر الذل والهوان لما وسعتنا المجلدات. فمن حدثك عن واقع غير هذا فهو أحمق أخرق لا عقل له، يجب أن يُحجر عليه ، وإن كنتم في شكٍ من قولي (فاسألوهم إن كانوا ينطقون).

 

الجواب الثاني: ماذا تملك الأمة الليبية من أسباب القوة لدفع المجتمع الدولي، أمتنا الليبية اليوم يروح فيها ويغدو الجهل والتخلف والبعد عن الدين والفرقة والتمزق، هذا ناهيك عن الضعف العسكري والعلمي والتقني والتخطيط السليم ونحو ذلك. نحن لا نملك إلا أبطالا مؤمنين بقضيتهم ومستعدين أن يفنوا عن بكرة أبيهم من أجل هذه القضية. فمن حدثك عن واقع غير هذا فهو أحمق أخرق لا عقل له، يجب أن يُحجر عليه، وإن كنتم في شكٍ من قولي (فاسألوهم إن كانوا ينطقون).

 

الجواب الثالث: وبناء على جواب السؤالين السابقين، ماذا يجب على الأمة الليبية أن تفعل؟ وهنا انقسم الناس إلى فريقين:

 

الفريق الأول: كصاحب المقال المؤيد للحزب، اختاروا أن يرتموا في أحضان المجتمع الدولي، يلفّون في فلكه حيث لفّ، ولم يصدقهم المجتمع الدولي قط، سواء في مشروع الاتفاق السياسي في ليبيا، أو مشروع محمد مرسي في مصر، أو مشروع طارق الهاشمي في العراق، أو مشروع النحناح في الجزائر وهلم جرا. (ويستر الله عليهم في تونس!).

 

الفريق الثاني: شعارهم (طز في المجتمع الدولي) وهؤلاء يمثلهم جميع أنواع الدواعش والمتطرفين، وهؤلاء هم سبب كوارث أمة الإسلام كما أسلفنا، وأنت حينما تتابع صفحاتهم وما يسطرون تجد شيئا أقرب للجنون، ولعلنا نعرض بعض أقوالهم هنا:

 

1ـ يقول مستشار الحاسي، يجب على الثوار السيطرة على العاصمة وتمكين رجال فبراير من مفاصل الدولة. وهذا قول فيه من الحمق والطيش ما لا يخفى، وهو غاية ما يتمناه حفتر وداعموه، وقد فعل الثوار من قبل ومكنوا المستشار ورئيسه من مفاصل الدولة فما قدموا لليبيا إلا الفشل.

 

2ـ يقول آخر، يجب على مجلس الدولة أن يُعيد السلطة الشرعية إلى المؤتمر الوطني!!، والله تستعجب غاية العجب من أمثال هذه الأقاويل، وهب أنّ مجلس الدولة سلّم للمؤتمر الوطني السلطة، وغاب مجلس الدولة عن المشهد بالكامل، فما الذي سيتغير؟ وهل تظن أن مجلس الدولة قادر على فعل ذلك؟ وصاحبنا هذا يتصور أن الخلاف بين مجلس الدولة والمؤتمر الوطني، وكأنه خلاف بين بني عبس وذبيان في جزيرة العرب البعيدة عن هيمنة سلطان الروم والفرس!، فإذا توصلا إلى اتفاق انتهت المشكلة، ونسي هذا المسكين أنّ هذه الأجسام، وغيرها، كبنك ليبيا المركزي، والاستثمارات، ومؤسسة النفط وهلم جرا مرتبطة بمنظومة دولية = المجتمع الدولي.

 

وآخرون يرون الرجوع إلى دستور المملكة، أو حكم المحكمة إلخ، وكل هذه الأقاويل أشبه ما يكون بأحلام اليقظة، وهي سراب ليس إلا.

 

سابعًا: لماذا ندعو للتمسك بالاتفاق السياسي اليوم؟

 

الاتفاق السياسي هو المجتمع الدولي وإرادته التي فرضها علينا، هل المتطرفون عندهم من القوة والمنعة ما يستطيعون بها دفع إملاءات المجتمع الدولي؟ وهب أننا تبرأنا اليوم من الإتفاق السياسي ورميناه وراء ظهورنا، ماذا نستطيع أن نفعل بعدها؟ هل يستطيع المتطرفون جمع المجتمع الدولي على مشروع آخر وإقناعهم به؟ أم يريد المتطرفون أن يقيموا دولة بعيدا عن المجتمع الدولي، كدولة بني عبس في جزيرة العرب بعيدا عن هيمنة الفرس والروم؟ فالدين والعقل والمنطق يقول، مادام أنك غير قادر على مواجهة المجتمع الدولي، فحاول أن تناور تحت إطار المجتمع الدولي = الاتفاق السياسي، إنّ التمسك بالاتفاق السياسي اليوم هو أشبه ما يكون بالتمسك بذلك القارب المهترئ، ولكن الاتفاق السياسي وحده لا يكفي، لابد من التفاف القوة المدافعة عن طرابلس حوله، فالمجتمع الدولي لا يراك إلا إذا كنت قويا، ولكن كونك قويا لا يعني إطلاقا أن تواجه أو تهاجم المجتمع الدولي، بل عليك أن تناور وتحاول، فتتصلب حينا وتتراجع أحيانا، حتى تتحصل على الحد الأدنى من حقوقك.

 

أخيرا: أقول لعقلاء الأمة الليبية وعلمائها وفضلائها، لا تتركوا الحمقى والسفهاء يعبثوا بأرواح وممتلكات عوام الناس، اليوم طرابلس محاصرة من كل مكان، وأي مغامرة متطرفة = كالسيطرة على طرابلس بالقوة، قد يكون سببا في تشريد وتدمير أكثر من مليوني ليبي. أما أولئك المتطرفون فأقول لهم، المسألة ليست لعبا أو سبّا أو شتما أو فجورا في الخصومة، إنما طرح علمي منطقي عقلي، فإن كنتم أهلا لمناقشة المسائل بعلم وأدب فها أنا نازل بساحتكم فأخرجوا لي عقلائكم، وإن كنتم عاجزين عن رد ما أوردته هنا، فتنحوا جانبا فإنّ الخطب جلل والظرف عصيب، ورحم الله أمرء عرف قدر نفسه. وأنا لستُ من أولئك الذين يغيرون آرائهم دون حجة وبرهان، إنما إذا غيّرت رأي فإنه مبني على حجة ودليل، وقد بينته لكم في هذا المقال وغيره، فأنا أشهدكم وأشهد القراء جميعا، إن رددتم على حججي لأعتذرن منكم جميعا، ولأغلقن صفحتي حولين كاملين، فهل أنتم فاعلون؟.

—————————————————

1ـ أسجل هنا احترامي الكبير لبعض أعضاء المؤتمر وأخص منهم بالذكر الأستاذ نوري أبو سهمين، فمثله محل تقدير واحترام، ولو اختلفنا معه في بعض الآراء والمواقف.

2ـ حكومة الحاسي أعرف فيها بعض الوزراء والمسئولين عندهم من الوطنية والكفاءة ما يكفي لقيادة ليبيا، ولن تجد لهم مثيلا في الحكومات الأخرى، وإنما حديثي عن العموم الغالب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى