بحوث ودراسات

د. علي السباعي يكتب: الإسلام والسّيف (5).. الفاروق عمر بن الخطاب

Latest posts by د. علي السباعي (see all)

المحور الثاني: الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.

من الأمور التي يجب فهمها قبل المُضي قُدما في موضوع الفتوحات الإسلامية، وخاصة فيما يتعلق بفتح «ليبيا» هو التأمل في سيرة إمام الفاتحين، والقائد العام، أو الأعلى للجيوش الإسلامية، فهذه الجيوش الإسلامية التي زحفت نحو مصر متجهة إلى «ليبيا» ما خرجت من الجزيرة العربية حتى بايعت أميرا على السمع والطاعة في كل شيء إلا فيما حرم الله، فلو أن هذا الأمير أمر تلك الجيوش بالرجوع إلى الجزيرة العربية، أو عقد صلح، أو عدم فتح مدينة معينة، ونحو ذلك، لما وسع تلك الجيوش إلا السمع والطاعة.

يقول الفاروق «ولست أدع أحداً يظلم أحدا ويتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض أما من آثر القصد والدين والعفاف فسيجد من الرحمة ما لا مزيد عليه؛ أضع خدي لأهل العفاف».

هذا هو عمر بن الخطاب وهذا منهجه شديد في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ومع ذلك رحيم بالضعيف والمسكين حتى إن المرأة الضعيفة لتأمره وتنهاه!. ولا أريد أن أتكلم عن زهده وتواضعه وفقره وشدة خوفه من الله .. إلخ فقد أُلفت الكتب، وكتبت المجلدات في ذلك، إنما ألخص ما أريد أن أقوله في النقاط التالية:

أولا: عمر بن الخطاب رضي الله كان يُعيّن حكاما على البلدان والمدن المفتوحة، وكان شديد المحاسبة والمتابعة لهم، وكان يعيّن قادة الجيوش وكان شديد المراقبة والمتابعة لهم [وما خبر عزل سيف الله المسلول خالد بن الوليد عنا ببعيد]، وكان يحاسب أكابر الحكام والقادة من أجل أضعف إنسان في مملكته [كما سيأتي في الحلقات القادمة حول قصة القبطي الشهيرة] وكان يقول رضي الله عنه «أيما عامل ـ أي حاكم ـ لي ظلم أحداً فبلغني مظلمته فلم أغيرها، فأنا ظلمته» كما ذكر ذلك ابن الجوزي رحمه الله في كتابه مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

ثانيا: وإلحاقا بالنقطة السابقة فقد كان لعمر بن الخطاب جهازا خاصا بقيادة الصحابي محمد بن مسلمة رضي الله عنه لمتابعة الحكام واستبدالهم إن لزم الأمر.

ثالثا: كان عمر من أزهد الناس في الدنيا، وربما صعد المنبر ليخطب بالناس وثوبه مرقع من كل جانب، وكان عامة أكله الخبز والزيت، لا عن فقر، كلا والله، فقد نُقلت إليه كنوز كسرى وقيصر، ولكن لعلمه أن الدنيا دار ممر والآخرة هي المستقر، ولعلمه وإيمانه بأن الله سيحاسبه على النقير والقطمير.

رابعا: عمر رضي الله عنه كان من أعدل الناس، وهذه القضية أشهر من أن نورد لها الأدلة، وقد شهد له العدو قبل الصديق “عدلت فأمنت فنمت”.

خامسا: كان عمر رضي الله عنه قائد أقوى قوة على وجه الأرض في زمانه، فقد تحطمت في زمانه أقوى إمبراطوريتين، فهذا يعني أنه لو أراد أن يفعل شيئا على وجه الأرض فلن يخشى أحدا على الإطلاق، ولن يحول بينه وبين تحقيق هذا الشيء مانع إطلاقا، وهذا يوصلنا إلى نتيجة حتمية وهي أن ما قام به عمر من أعمال جليلة كان مصدره الخوف من الله فقط، فتأمل!.

سادسا: فإذا كان رأس الدولة وإمامها بهذا الصلاح والتقوى وبهذا المقدار من العدل والاستقامة فلو قدر الله أن أحدا من أفراد الدولة مال ذات اليمين أو ذات الشمال لوجد من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا يقوّم اعوجاجه، وهذا يقودنا إلى نتيجة أخرى ألا وهي أن الجيوش التي زحفت نحو مصر متجهة إلى «ليبيا» لفتحها كانت مُلجمة بلجامين، لجام التقوى، ولجام الخليفة العادل.

ولعلي أنقل موقفا واحدا من محاسبة عمر بن الخطاب لأمرائه، قال خالد بن معدان «استعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر الجُمحي، فلما قدم عمر حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم عاملكم؟

فشكوه إليه، وكان يقال لأهل حمص الكوفية الصغرى لشكايتهم العمال،

قالوا: نشكوه أربعاً، لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار،

قال: أعظم بها وماذا؟

قالوا: لا يجيب أحداً بليل،

قال: وعظيمة، وماذا؟

قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا،

قال عظيمة وماذا؟

قالوا: يَغْنَط الغَنْطَة بين الأيام (أي يغمى عليه ويغيب عن حسه) فجمع عمر بينهم وبينه وقال: اللهم لا تفيّل رأيي فيه اليوم،

وافتتح المحاكمة فقال لهم أمامه: ما تشكون منه؟

قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار،

قال: ما تقول؟ قال: والله إن كنت لأكره ذكره: ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني ثم أجلس حتى يختمر ثم أخبز خبزي ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم فقال: ما تشكون منه؟

قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: ما تقول؟ قال: إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم وجعلت الليل لله عز وجل قال: وما تشكون منه؟

قالوا: إن له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه قال: ما تقول؟

قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجفّ ثم أدلكها ثم أخرج إليهم آخر النهار قال: ما تشكون منه، قالوا: يَغْنط الغنطة بين الأيام قال: ما تقول؟

قال: شهدت مصرع خُبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا، أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال، والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً صلى الله عليه وسلم يشتاكُ شوكة ثم نادى يا محمد فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً فتصيبني تلك الغنطة فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفيّل فراستي، فبعث إليه بألف دينار وقال: استعن بها على أمرك، ففرَّقها» انتهى كما في حلية الأولياء، وصفة الصفوة لابن الجوزي وغيرهما.

خلاصة هذا المقال والذي قبله:

اصطفى الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم لتبليغ رسالته إلى أهل الأرض قاطبة، فاستجاب له من استجاب من قومه العرب، وكفر من كفر من قومه العرب، ثم قام الصراع بين الإخوة وأبناء العمومة العرب، حتى كتب الله النصر للمؤمنين منهم، وخلال فترة الصراع بين الفريقين ابتلى الله المؤمنين بكافة الابتلاءات فخرجوا من هذه الابتلاءات كالذهب الخالص، عفة وطهارة وأمانة وديانة، فكانت هذه الفئة من المؤمنين أهلا لتبليغ رسالة الله لأهل الأرض، فخرجت هذه الفئة من جزيرة العرب بعد أن تربت تربية قرآنية على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجت هذه الفئة من جزيرة العرب بعد أن بايعت أميرا شهد له العدو قبل الصديق بأن اسمه والعدل قرينان، فإذا ذُكر عمر بن الخطاب ذُكر العدل، وإذا ذُكر العدل ذُكر عمر بن الخطاب.

 

(الآن خلونا نقيسوها بالقلم والمسطرة).

 

فإذا ثبت أن هذا الجيش هكذا وصفه وهذا الأمير هذا حاله، فهل تتوقع أخي الكريم:

أن هذا الجيش يمكن أن يغدر؟

أو يخون؟

أو يأكل حقوق الناس بالباطل؟

أو يتجاوز الحدود؟

أو يبقر بطون الحوامل؟

أو يقتل الأطفال؟

أو ينتهك البيوت والحرمات

أو يُبيد الناس؟

أو ينهب أو يمشّط خيرات الأمازيغ أو الأكراد أو الأتراك أو الأقباط؟

الجواب قطعا لا، أليس كذلك؟

طيب، ولقائل أن يقول، أما أقامت هذه الجيوش الحروب والدماء والأشلاء وأخذت الأسرى ونحو ذلك من البلدان التي دخلت إليها، أقول لك نعم!. سوف تقول لي كيف نجمع بين كونها جيوش تقية صالحة وبين إقامتها للحروب وغزوها للبلدان؟ أقول لك أنتظر أخي الكريم واصبر فإن للقصة فصولا ومحاورا ولازلنا نحن في بداية القصة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى