آراءبحوث ودراسات

د. عصام مشاحيت يكتب: أسباب زوال النعمة ومحق البركة 3️⃣

Latest posts by د. عصام مشاحيت (see all)

تكلمنا في الحلقة السابقة حول السبب الثالث من أسباب زوال النعمة ومحق البركة (منع الزكاة المفروضة)، ووصلا لما سبق نقول وبالله التوفيق:

 

السبب الرابع، الاحتكار:

 

الاحتكار هو: إمساك الطعام أو غيره من السلع عن البيع، وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه.

 

وقد اختلف العلماء في الاحتكار المحرم على قولين، فجمهور العلماء ذهب إلى أن الاحتكار المحرم هو ما كان في الطعام خاصة.

 

قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: ليس الاحتكار إلا في الطعام خاصة؛ لأنه قوت الناس.

 

ويرى بعض أهل العلم (وهو مذهب المالكية) أن الاحتكار لا يحصر في باب الطعام، بل يمده إلى كل ضرورات وحاجات الإنسان والحيوان، فكل ما لا يمكن الاستغناء عنه أو كان في تركه حرج، لا يصح احتكار واستغلاله، أما ما لم يكن من الضرورات أو الحاجات الإنسانية والحيوانية فلا يدخل في باب الاحتكار. ( المغني لابن قدامة 4/220).

 

ولا شك أن للاحتكار مضار كثيرة منها ما نحن بصدده هنا وهو:

 

زوال النعمة ومحق البركة، ومما يدل على ذلك حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم يقول: ” من احتكر على المسلمين طعاما ضربه الله بالجذام والإفلاس” ، والحديث حسنه الحافظ ابن حجر – رحمه الله في فتح الباري (4/348) .

 

والحديث صريح الدلالة في أن الاحتكار سبب في زوال النعمة ومحق البركة بدلالة لفظ “ضربه الله بالجذام والإفلاس”.

 

السبب الخامس: الربا وأكل أموال الناس بالباطل:

 

الربا شرعا هو: الزيادة في أحد النوعين من المال على النوع الآخر، هذا إذا كانا من جنس واحد كالذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير ونحو ذلك، إذا زاد أحدهما على الآخر هذا يقال له: ربا شرعاً ممنوع شرعاً، فليس للمسلم أن يبيع درهم بدرهمين، ولا دينار بدينارين، إذا كانت زنة الدينار واحد، فإن هذا ذهب بذهب أزيد، وفضة بفضة أزيد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: [الذهب بالذهب مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، والفضة بالفضة مثلاً بمثل سواء بسواء يدًا بيد، والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى]، وهذا يسمى: ربا الفضل.

 

ويكون الربا أيضًا بغير زيادة، لكن بالتفرق قبل القبض أو بالتأجيل يسمى ربا أيضًا شرعًا، إذا باع جنساً من المال بجنسه ولم يتقابضا أو بجنس لا يباع به نسيئة ولم يتقابضا سمي ربا، وإن لم يكن فيه زيادة، فلو باع درهم بدرهم نسيئة أو تفرقا قبل القبض يسمى ربا شرعًا ولو ما فيه زيادة، أو باع دينارًا بدينار لكن لم يتقابضا أو قال: إلى أجل سمي ربا أيضًا ولو لم يكن فيه زيادة، وهكذا لو باع فضة بذهب، أو ذهب بفضة، مؤجلًا أو حالاً لكن لم يتقابضا يسمى ربا أيضًا، وهكذا لو باع برًا بشعير أو تمرًا بشعير، أو تمرًا ببر ولم يتقابضا يسمى ربا. أو إلى أجل يسمى ربا، وهذا يسمى: ربا النسيئة.

 

وقد ورد في التحذير من الربا نصوص كثيرة من نصوص الكتاب والسنة منها على سبيل الذكر لا الحصر :

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 130).

وقال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِبِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} (النساء: 160 : 161).

 

وعن أبي سعيد -رضي الله عنه-  قال: أتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتمر فقال: (ما هذا التمر من تمرنا؟ فقال الرجل: يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا فقال رسول الله– صلى الله عليه وسلم – : هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا) ( أخرجه مسلم حديث رقم 1594).

 

فالآيات والأحاديث في التحذير من الربا كثيرة جدا، أماعن عواقبه الوخيمة فكثيرة أيضا ولعل أهمها ما نحن بصدده هنا وهي: محق البركة من الرزق بشكل خاص، ومن الحياة بشكل عام ، ومن أدلة ذلك:

قال تعالى: ” الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ” (البقرة: 275 : 276) .

 

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: “يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا،أي:يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة. كما قال تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة:100]، وقال تعالى: {ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم} [الأنفال:37]، وقال: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} [الروم:39].( تفسير القرآن لابن كثير 1/713).

 

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: [الربا وإن كثر فإلى قُلّ] (صحيح الجامع 1/664).

 

ففي الحديث دليل على أن الربا أحد أسباب محق البركة والكسب بل أهمها، والواقع شاهد على ذلك فكم من مراب نزل به البلاء، نزل بجسده المرض، نزلت بداره الكوارث والجوائح، فاجتثت ماله واستنفدته بالكلية، كيف والربا من أعظم المحرمات، ويعد من كبائر الذنوب، بل من الموبقات المهلكات، فهم محرم بالكتاب والسنة والإجماع كما أنه محرم في دين الإسلام وغيره من الأديان كاليهودية والنصرانية، فلم يُبَح في أي دين من الأديان. ( المجموع للنووي: 9/391).

 

السبب السادس: التفرق على الطعام وترك الاجتماع عليه:

 

لا شك أن التفرق على الطعام وترك الاجتماع عليه سبب من أسباب محق البركة، والدليل على ذلك:

عن وحشِيِّ بن حرب -رضي الله عنه- أن أصحَابَ النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول اللهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلا نَشْبَعُ. قَالَ: “فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ “قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: “فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ” (رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني).

 

وعند الطبراني بلفظ: “كلوا جميعا ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين”.

 

قال ابن بطال في شرحه للحديث: “الاجتماع على الطعام من أسباب البركة”.

 

وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “كلوا جميعًا ولا تفرَّقوا، فإِنَّ طعامَ الواحدِ يكفِي الاثنينِ، وطعامُ الاثنينِ يكفي الثلاثةَ والأربعةَ ، كلوا جميعًا ولا تفرَّقوا، فإِنَّ البركَةَ في الجماعةِ” (رواه ابن ماجه: 3287).

 

ففي هذا الحَديثِ يُرشِدُ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى الاجتِماعِ على الطَّعامِ؛ لِمَا فيه مِن بركةٍ عظيمةٍ تَجعلُ مِنَ القليلِ كثيرًا، فَينمُو الطَّعامُ ويَزدادُ حِسًّا ومعنًى، وتَتضاعفُ قُواه الغذائِيَّةُ، ويَكفي القليلُ منه الكثيرَ؛ فَيكفي طعامُ الواحدِ الاثنينِ، وطعامُ الاثنينِ يكفي الأربعةَ، وطعامُ الأربعةِ يكفي الثَّمانيةَ.( الموسوعة الحديثية – موقع الدرر السنية على الشبكة العنكبوتية).

 

ولعلي أقف عند هذا الحدّ مخافة السآمة والملل من جانب القارئ الكريم، وأكمل في مقال قادم بمشيئة الله تعالى إن قدر الله لنا البقاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى