آراءبحوث ودراسات

د. عصام مشاحيت يكتب: أساليب الدعوة إلى الله وأهمية معرفة الداعية لها (1-3)

Latest posts by د. عصام مشاحيت (see all)

لا يخفى على كل ذي لب أن من الأسباب التي توجب قبول الدعوة هو تنويع الأساليب الدعوية، والتنوع في الطرح، فالنفوس تمل من الطريقة الواحدة ؛ لأنها مفطورة على حب التغيير والتجديد، والقارئ لكتاب الله – عز وجل – بتدبر يجد أن الله سبحانه وتعالى قد نوع في الأساليب الدعوية، فتجد فيه الدعوة بالترغيب والدعوة بالترهيب، والدعوة بطرح السؤال، والدعوة بضرب المثال، والدعوة بذكر الآثار المترتبة على الفعل، والدعوة بالقصة، وغيرها من الوسائل والأساليب الدعوية، والنبي – صلى الله عليه وسلم – كان في دعوته ليس على وتيرة واحدة، بل كان يغير الطرح وينوع في الأسلوب، والسيرة حافلة بهذه الأساليب التي تحبها النفوس، ولا تمل منها القلوب، فدعا الناس بالقول والفعل وقضاء الحوائج والابتسامة واحترام الذوات وبالمدح المعتدل، وبالعفو عن المخطئ، وبضرب المثال، وطرح السؤال، وبالجهاد في سبيل الله تعالى وبالترغيب وبالترهيب، والصور في ذلك كثيرة لا تكاد تحصر، فالنفوس لا تحب الأمر الواحد، بل هي تحب التجديد والتغيير، فإن كان لا يتنافى مع شيء من دليل الشرع فلا حرج فيه، بل هو المطلوب وهو من جملة الأسباب التي يوفق بها الداعية إلى الاستجابة والقبول، فكل تغيير في الطرح وكل تجديد في الأساليب الدعوية لا يتعارض مع شيء من النصوص الشرعية فهو من قبيل ما لا حرج فيه.

 

فالداعية إلى الله – عز وجل – مهمته الوصول إلى قلوب المدعويين بأقصر طريق وبأقل كلمات، وعليه أن يتابع من يدعوهم، لذا ينبغي على الداعية إلى الله أن يكون ملما بأساليب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه الأساليب موجودة في كتاب الله -عز وجل- وفي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا ما نوضحه إن شاء الله تعالى:

 

أولا: مصادر أساليب الدعوة إلى الله -عز وجل-

 

لا شك أن المصادر الأساسية التي يستمد الداعية أساليب دعوته منها: هي كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم — وسيرته العطرة، وسيرة الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم -، وتجارب الصحابة والتابعين وعلماء الأمة ودعاتها على مختلف العصور.

 

المصدر الأول: القرآن الكريم:

 

تعريف القرآن الكريم: أولا: في اللغة: القرآن: مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا. قال تعالى:” إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ” (القيامة: 17 – 18. أي: قراءته، فهو مصدر على وزن “فُعلان” بالضم: كالغفران والشكران، تقول: قرأته وقراءة وقرآنا، بمعنى واحد. سمي به المقروء تسمية للمفعول بالمصدر. (مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، 15، 16 بتصرف).

 

وقد خص بالكتاب المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-، فصار له كالعلم، كما أن التوراة لِمَا أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى.

 

قال بعض أهل العلم: تسمية هذا الكتاب قرآنا من بين كتب الله لكونه جامعا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم كما أشار الله إليه بقوله: ” وتفصيل كل شيء”، وقوله: ” تبيانا لكل شيء… الخ “.(المفردات في غريب القرآن – الأصفهاني 402)

 

وقد سماه الله – عز وجل – بأسماء كثيرة منها على سبيل الذكر لا الحصر:

القرآن: قال تعالى: “إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا” ( الإسراء: 9 ).

 

و” الكتاب “: قال تعالى: ” لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ”الأنبياء: 10

 

و” الفرقان “: قال تعالى: ” تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ” لفرقان: ١

 

و” الذكر”: قال تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” الحجر: 9

 

و” التنزيل “: قال تعالى: (وإنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الشعراء: 192… إلى غير ذلك مما ورد في القرآن الكريم.

 

تعريف القرآن في الاصطلاح: اختلفت أساليب العلماء في تعريف القرآن الكريم في الاصطلاح، فذهب بعضهم إلى الاختصار والإيجاز، وذهب آخرون إلى التفصيل والإطناب، ولعل من أقصر ما يمكن أن يُعرف به أنه: ” كلام الله -عز وجل-، المنزل على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته”. ( المدخل إلى علم الدعوة، محمد أبو الفتوح، 122- 123)

 

كما يمكن أن يفصل في التعريف بالتوسع في ذكر أهم خصائصه، فيقال: ” كلام الله – عز وجل -، المنزل على رسوله – صلى الله عليه وسلم – بلسان عربي مبين، المنقول إلينا بالتواتر، والمتعبد بتلاوته، والمكتوب في المصاحف، والمعجز في لفظه ومعناه، والمبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس”.

 

خصائص القرآن الكريم: (مستفاد من كتاب المدخل إلى علم الدعوة، للبيانوني، 124-133 بتصرف)

 

– الربانية: القرآن الكريم كلام الله -عز وجل-، فهو رباني بكل ما تحمله هذه اللفظة من معانٍ، لا دخل لبشر فيه أبدا، لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى، فهو الكتاب العزيز، والذكر الحميد.

 

– الكمال: وهي تعني: ” الخلو من النقص والعيب “، وهي أثر للخصيصة الأولى ” الربانية ” فكلام الله – عز وجل – المنزه عن كل نقص وعيب كامل أيضا، قال تعالى: ” قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ” الزمر: 28.

 

– الوضوح: وهي: الإبانة ويقابلها ” الغموض”، قال تعالى: ” وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ” الحج: ١٦.

 

– الشمول: وهي ” الإحاطة ” فالقرآن شامل لجميع ما يحتاج إليه الإنسان في دنياه وأخراه، لأنه جاء لسعادته في الدنيا والآخرة، وهذا ما يعبر عنه بعضهم: بالشمول الموضوعي، وهو شامل لجميع الناس من زمنه إلى يوم القيامة، وموجه إليهم جميعا أينما كانوا، وهو ما يعبر عنه بعضهم: بالشمول الزماني والمكاني، قال تعالى: ” وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” الأنعام: ٣٨.

 

– التوازن: وهي ” الانسجام ” والائتلاف بين أجزاء الشيء ويقابلها: ” التنافر والاختلاف “، ويعبر عنها البعض ” بالوسطية ” نسبة إلى الوسط، ولا يشترط في توازن الشيء التساوي بين أجزائه، وإنما يكفي الاعتدال والانسجام فيما بينها، كما يقال عن الدم في جسم الإنسان إنه متوازن مع اختلاف نسبة تركيباته كما، والتوازن خصيصة متعلقة بخصيصة الشمول ومكملة لها، فلا يظهر جمال الشمول إلا بالتوازن. قال تعالى: ” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” النساء: ٨٢.

 

فالقرآن الكريم كتاب متوازن فيما جاء به من هداية، وما عرضه من موضوعات، وما عالجه من مشكلات، يحقق انسجاما بين الروح والمادة، وبين العقل والقلب، وبين الحقوق والواجبات، وما إلى ذلك من أوجه التوازن..

 

– العملية: وهي: ” صلاحية الشيء للتطبيق والعمل به في كل زمان ومكان “، وهذه الخصيصة تُعد ثمرة ونتيجة لجميع الخصائص السابقة، فلولاها لم تكن هذه الخصيصة.

 

واصطلاح ” العملية ” اصطلاح خاص غير معهود في كتب الخصائص، يرجع في حقيقته إلى الجمع بين مزايا ” المثالية والواقعية “.

 

فالقرآن الكريم كتاب عملي يصلح للتطبيق في كل زمان ومكان، كما صلح للتطبيق في عصره صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنه كتاب خاتم الرسل، ودستور خاتم الأديان، ولو لم يكن عمليا لأنزل الله بعده كتبا أخرى.

 

ومن مظاهر عمليته، جمعه بين التطور والثبات في أحكامه، واشتماله على مزايا الواقعية والمثالية في تشريعاته..

 

– الإعجاز: ويشمل الإعجاز البياني، والتشريعي، والغيبي، والإعجاز العلمي، فقد تحدى القرآن الكريم الناس جميعا بأن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة مثله فعجزوا.

 

ولا يزال هذا التحدي سائر المفعول إلى يوم القيامة، ولا يزال العلماء يكتشفون أوجها إعجازية فيه، كل بحسب إمكاناته وتخصصه، فالقرآن الكريم هو المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة، قال تعالى: ” سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ” فصلت: ٥٣.

 

– الثبوت القطعي: وتعني: ” اتصال سند نقل القرآن الكريم وروايته بالنبي – صلى الله عليه وسلم -، دون انقطاع على وجه متواتر قطعي لا يداخله شك إلى يومنا هذا”

ولم تثبت مثل هذه الخصيصة لأي كتاب سماوي آخر، وهي من مستلزمات خاصية حفظ القرآن، وخلود الإسلام..

 

فلو داخَل السند أيُّ شك في أي عصر من العصور، لم تقم الحجة القاطعة بالقرآن على الناس إلى يوم القيامة.

 

– الحفظ: وتعني: “السلامة من التحريف، والزيادة والنقص”، فقد حفظ الله هذا القرآن من أي تغيير أو تبديل، قال تعالى: ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” الحجر: ٩

 

المصدر الثاني: السنة النبوية الشريفة:

 

تعريف السنة في اللغة: تطلق السنة في اللغة على معان كثيرة، منها: الطريقة، فالسنة هي الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، أي: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، والسنة في الأصل سنة الطريق، وهو طريق سنه أوائل الناس، فصار مسلكا لمن بعدهم، وسن فلان طريقا من الخير، يَسُنّه: إذا ابتدأ أمرا من البر لمن يعرفه قومه، فاستسنوا به وسلكوه، وهو سَنين، ويقال: سَنّ الطريق سنا وسنَنَا، فالسنُّ المصدر، والسَنَن الاسم بمعنى المسنون… (لسان العرب لابن منظور، مادة: سنن).

 

قال الراغب: ” وسنة النبي – صلى الله عليه وسلم -: طريقته التي كان يتحراها، وسنة الله تعالى قد تُقال لطريقة حكمته، وطريقة طاعته، نحو:” سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ” الفتح: 23 – ولن تجد لسنة الله تحويلا. (المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، 245).

 

تعريف السنة في الاصطلاح: يختلف تعريف السنة في الاصطلاح تبعا لاختلاف أغراض العلماء من بحوثهم حسب تخصصاتهم المختلفة، وسأكتفي هنا بتعريف الأصوليين للسنة ؛ لأنه المناسب لمقام ذكر المصادر والأدلة على أن أقوم إن شاء الله تعالى بذكر التعريفات الأخرى للسنة في الفصل الثالث من الباب الثاني من هذا البحث.

 

فقد عرفها البعض بقوله:” ما صدر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – غير القرآن، من فعل أو قول أو تقرير “.

 

خصائص السنة النبوية: خصائص السنة النبوية كثيرة منها على سبيل الذكر لا الحصر:

 

1- أنها نوع من الوحي: فالسنة وإن كانت: ما صدر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فإنما هي شكل من أشكال الوحي، قال تعالى: ” وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ” النجم: 3-4.

 

والسنة وإن كانت وحيا إلا إنها تختلف عن وحي القرآن الكريم من بعض الوجوه منها:

 

أ- السنة وحي بالمعنى دون اللفظ.

 

ب – السنة وحي غير متعبد بتلاوته.

 

ج – السنة لم تثبت جميعها عن طريق التواتر القطعي.

 

د – السنة غير معجزة بلفظها، وقد تكون معجزة بمعناها.

 

فالسنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع.

 

2- اتصال السند: وتعني ” اتصال سند السنة الصحيحة به صلى الله عليه وسلم دون انقطاع “.

 

وهذه الخصيصة من خصائص الأمة الإسلامية، حيث لا تجد الأمم الأخرى اليوم سندا متصلا لأقوال أنبيائها ورسلها عليهم الصلاة والسلام، إنما هي أقوال يرويها بعض علمائهم وأحبارهم ورهبانهم عنهم دون اتصال.

 

3 -الحفظ من الضياع: فقد حفظ الله تعالى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم من الضياع، بما هيأ لها من صحابة كرام نقلوها عنه لمن بعدهم، وحفظوها كما حفظوا كتاب ربهم، كما هيأ لها علماء أجلاء كتبوها ودونوها، وميزوا الثابت منها عن غيره على مر السنين، ووضعوا لذلك قواعد وضوابط تضبط قبولها وروايتها…. كما يعرف ذلك في علوم الحديث…

 

وذلك لأن حفظ السنة من لوازم حفظ القرآن الكريم، فهي المبينة له، والمفصلة لمجمله، والمتممة لأحكامه.

 

4- العصمة من الخطأ في التشريع: وذلك لأن السنة وحي، والوحي منزه عن الخطأ.

 

المصدر الثالث: السيرة النبوية المطهرة:

 

السيرة النبوية هي: “تاريخ حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبيان طريقته فيها”، فهي تشمل سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الشخصية، كما تشمل شمائله وغزواته، وجميع تحركاته الدعوية، وتكون السيرة من هذا الوجه أعم من السنة النبوية في اصطلاح الأصوليين، لأن الأصوليين اعتبروا ما صدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأقوال والأفعال والتقريرات التي تعد من خصائصه ليست داخلة في تعريف السنة، وكذلك صفاته -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنها لا تفيد حكما شرعيا يتعبد الناس به.

 

لذلك ترى الأصوليين غالبا ما يغفلون الكلام عن الأمور التي هي من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ومن تكلم منهم عنها فمن باب بيان أنها ليست ملزمة للناس.

 

وتعد السيرة النبوية المصدر الثالث للدعاة بعد الكتاب والسنة، وإن كانت في حقيقتها ترجع إلى الكتاب والسنة، لأنها تطبيق عملي لها.

 

ولما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – الداعية الأول للإسلام، كانت سيرته أوسع مصدر عملي للدعاة، وكان الكتاب والسنة أوسع المصادر النظرية لهم.(المدخل إلى علم الدعوة للبيانوني، 140)

 

فلابد للدعاة من دراسة السيرة النبوية وتفهمها والاستفادة منها في ضوء العقل والنقل، لأنها أعمال وأحوال لابد لفهمها فهما صحيحا من ملاحظة الأعمال والأحوال المرافقة لها. ( المدخل إلى علم الدعوة، 140).

 

خصائص السيرة النبوية: للسيرة النبوية خصائص ومميزات، تميزها عن غيرها منها:

 

1- أنها معلومة ومسجلة ولم يخف منها شيء: فما ترك علماء الإسلام على مر التاريخ بابا من أبواب السيرة إلا وقد ألفوا فيه، شمل ذلك دقائقها وجزئياتها، حتى أصبح القارئ لسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنه يعايشه ويشاهده تماما؛ لوضوحها وشمولها.

 

فقد حفظ الله للمسلمين سيرة نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، كما حفظ لهم سنته.

 

فقد هيأ الله للسيرة النبوية الصحابة الكرام الذين نقلوها لمن بعدهم بدقة وأمانة، وهيأ من يهتم بها وسجلها تسجيله للنصوص الشرعية، فحفظت بذلك سيرته – صلى الله عليه وسلم – من الضياع، وأصبحت في متناول يد كل مسلم، فهناك المختصرات الموثوقة، وهناك المصنفات الكبرى والموسوعية فيها.

 

2- شمولها لجميع نواحي الحياة مع الوضوح التام فيها: فقد شملت سيرته صلى الله عليه وسلم جميع مناحي حياته، فقد عاش صلى الله عليه وسلم بين صحابته وتزوج بتسع نسوة، وأمر أن يبلغ الشاهد منهم الغائب، وقال: ” بلغوا عني ولو آية “، وما سافر وحده قط، ولا اعتزل الناس في يوم من الأيام أبدا.

 

والمتأمل في كتب السيرة النبوية يرى أنها تكاد أن لا تغادر صغيرة ولا كبيرة في حياته صلى الله عليه وسلم إلا وسجلتها في دقة ووضوح، حتى يجد القارئ لها نفسه وكأنه يُعاينها ويعيش معها، وذلك منذ ولادته صلى الله عليه وسلم إلى حين التحاقه بالملأ الأعلى.

 

فقد ذكروا قيامه وجلوسه، وكيف ينام، وهيئته في ضحكه وابتسامته، وكيف يأكل ويشرب وما يعجبه من الطعام، ووصفوا جسده الطاهر كأنك تراه، ولمحة في كتاب من كتب الشمائل تجد العجب من هذا الشمول وهذه الدقة في الوصف والنقل.

 

3- العملية: فإن سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – صالحة للتطبيق في كل عصر وكل مكان، وفي كل جانب من جوانب الحياة ؛ لأنها سيرة بعيدة عن الخيالات والمثاليات، فمن أراد الاقتداء به صلى الله عليه وسلم رجلا أو زوجا، وجد في سيرته خير مثال لخير رجل وخير زوج.

 

ومن أراد الاقتداء به داعية ومعلما، وجد في سيرته سيرة خير الدعاة وقدوة المعلمين، ومن أراد الاقتداء به إماما وقائدا، وجد في سيرته خير قدوة في سياسة الأمور وتدبيرها.

 

بالإضافة إلى غير ذلك من الخصائص…

 

المصدر الرابع: سيرة الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وعلماء الأمة ودعاتها على مختلف العصور: ( مستفاد من كتاب المدخل إلى علم الدعوة للبيانوني 145-151).

 

لا شك أن الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- الذين أُجْمِعَ على وصفهم بذلك أربعة، هم على الترتيب: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي -رضي الله عنهم-.

 

وهؤلاء الأئمة الأربعة أفضل الصحابة -رضي الله عنهم -، يقول ابن حجر- رحمه الله -:

 

” ونقل البيهقي في “الاعتقاد ” بسنده إلى أبي ثور عن الشافعي أنه قال: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي”

 

ولمكانة هؤلاء الخلفاء من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا سيما فيما اتفقوا عليه من سُنن، وسنوه للناس من بعدهم.

 

وقد كان لسيرتهم -رضي الله عنهم- وسنتهم هذه المكانة الخاصة ؛ لأنهم كانوا إذا عرضت لهم قضية، نظروا في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن وجدوا فيها شيئا أخذوا به، وإن لم يجدوا، شاوروا من حولهم من كبار الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.

 

ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب “القضاء” عن ميمون بن مهران قال: “كان أبو بكر -رضي الله عنه- إذا ورد عليه الخصم، نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه شيئا قضى به، وإلا، فإن علم شيئا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى به، فإن أعياه، خرج فسأل المسلمين: هل علمتم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكرون عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه قضاء، فيقول أبو بكر -رضي الله عنه-: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علينا علم نبينا -صلى الله عليه وسلم-، فإن أعياه جمع رؤوس الناس وخيارهم واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به، وكان “عمر” رضي الله عنه يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة، سأل: هل كان أبو بكر -رضي الله عنه- قضى فيه بقضاء؟، فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الناس، واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به “( نقله عن أبي عبيد الحجوي في كتابه” الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 1/228).

 

فكانت سنتهم وسيرتهم – رضي الله عنهم – امتدادا طبيعيا لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسيرته، وتطبيقا عمليا لمنهج الله ورسوله.

 

وتعد تجارب الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- والعلماء والدعاة على مختلف العصور، وتصرفاتهم في الوقائع الدعوية مصدرا هاما من مصادر الداعية، يعينه على فهم المصادر السابقة، واستنباط الأحكام منها؛ لأنها تطبيقات عملية لمنهج الله ورسوله.

 

ومع أهمية هذه الوقائع وعظيم فائدتها، فإنها تعد مصدرا تَبَعيا يستفاد منه في ضوء المصادر الأصلية السابقة؛ لأنها اجتهادات بشرية تُخطئ وتُصيب، فإذا أجمع العلماء على التعامل مع واقعة ما بشكل محدد، كان عملهم حجة بسبب الإجماع، وإن اختلفت آراؤهم واجتهاداتُهم فيها، كانت آراء اجتهادية تنير الطريق لغيرهم، ولو أصابوا فيها أجرا واحدا -كما هو شأنهم في الاجتهادات الفقهية-.

 

وقد أخطأ بعض الناس حين غفلوا عن أهمية هذا المصدر، فزهدوا به وأعرضوا عن الإفادة منه، مُستَغنين بزعمهم بالكتاب والسنة!!

 

كما أخطأ آخرون في إنزال هذا المصدر مَنزِلة الكتاب والسنة المنزهين عن الخطأ، تقديرا بزعمهم للعلماء واحتراما لآرائهم واجتهاداتهم!!، كما وقع من كلا الطرفين، وما ضاع هذا الدين إلا بين الغالي فيه والمُقصر.

 

فليست الدعوة الإسلامية نصوصا جامدة، أو أعمالا وأحكاما ثابتة، وإنما هي بجانب النصوص الشرعية والأحكام الفقهية أفهام بشرية، واستنباطات علمية، وموازنات دقيقة لا يحسنها إلا أهلها.

 

ومن لهذه الموازنات والأفهام، إلا العلماء.

 

وإن أولى العلماء بالاستفادة من وقائعهم وتصرفاتهم فيها: الصحابة؛ لأنهم أعلم الناس بالمنهج الرباني، والأسلوب الحكيم، وذلك لصحبتهم لرسول الله، ومعايشتهم لسيرته الدعوية، مما جعلهم خير الناس، وجعل لهم منزلة خاصة عند علماء الأمة، حتى جعل بعضهم قولَ الصحابي حجة ودليلا.

 

ثم يأتي بعدهم التابعون لهم بإحسان من علماء القرون الأولى، الذين أخذوا عن الصحابة واهتدوا بهديهم….

 

ثم يأتي من بعدهم علماء الأمة ودعاتها على مختلف العصور، الذين لا تخلو الأمة من أمثالهم، جزاهم الله جميعا خير الجزاء.

 

ونكمل الحديق في المقال القادم إن قدر الله لنا البقاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى