آراءبحوث ودراسات

د. عصام مشاحيت يكتب: أساليب الدعوة إلى الله وأهمية معرفة الداعية لها (3-3)

Latest posts by د. عصام مشاحيت (see all)

وعندما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل -رضي الله عنه- إلى اليمن أخبره عن حال المدعوين الذين سيوجه لهم الدعوة، فقال له: “إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله..

***

دار حديثي في المقال السابق حول أسلوب الحكمة وأسلوب الموعظة الحسنة كأسلوبين من أساليب الدعوة إلى الله، ويدور حديثي في هذا المقال عن:

أسلوب المجادلة (الجدال بالتي هي أحسن):

 

تعريفه في اللغة: الجدال في اللغة يعني: اللّدد في الخصومة والقدرة عليها. وجادله أي: خاصمه مجادلة وجدالا. والاسم: الجدل، وهو شدة الخصومة.

 

والجدل: مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة: المخاصمة والمناظرة (لسان العرب: مادة جدل).

تعريف الجدال اصطلاحا: عرف العلماء الجدال تعريفات متشابهة منها على سبيل الذكر لا الحصر:

 

الجدال في الاصطلاح العام هو: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة ( المفردات للراغب الأصفهاني ص: 89 ).

 

وأما تعريف الجدال في اصطلاح الدعاة: فهو: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة بقصد إظهار الحق ودحض الباطل.

 

أنواع الجدال: فسم العلماء الجدال إلى جدال محمود، وجدال مذموم.

 

فالجدال المحمود: هو ما كان بنية خالصة، والهدف منه إحقاق الحق ونصرته، وجرى بطريقة سليمة، وأدى إلى خير.

 

والجدال المذموم: وهو كل جدال ظاهر الباطل، أو أفضى إليه (المصباح المنير، الفيومي، ص 93 ).

 

والقارئ لكتاب الله تعالى يجد أن الله تعالى أمر بالجدال في القرآن الكريم مقيدا بالتي هي أحسن، قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل: 125، وقال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَاوَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) العنكبوت: 46، فالمجادلة بالحسنى أسلوبا من أساليب الدعوة إلى الله تعالى، ويمكن أن يعبر عنه ( بالمناقشة، والمناظرة، والمحاورة، وما إلى ذلك من مصطلحات متعددة تتفق في كثير من المواطن في دلالتها).

 

ويرى بعض أهل العلم أن الجدال لا يعد أسلوبا دعويا أصليا، وإنما قد يحتاج إليه، فيكون من باب ” دفع الصائل ” ( الصائل هو المعتدي على نفس الغير أو عرضه أو ماله، فيجوز للمعتدي عليه أو المصول عليه ضرورة رد هذا الاعتداء، حتى ولو أدى ذلك إلى قتل الصائل ).

 

وفي نظري أنه لا يترتب على هذا الخلاف أثر عملي، فمن حكمة الداعية أن يستخدم كل أسلوب في موضعه المناسب له، فلا يستخدم أسلوب الجدال إلا مع المجادل الذي ينفع معه الجدل، أما من يستجيب للموعظة الحسنة، فلا سبيل إلى مجادلته أصلا، وكم من جدل يخلو من المخاصمة، ولا يمكن اعتباره من باب دفع الصائل، والله تعالى أعلم ( المدخل إلى علم الدعوة، البيانوني، ص 265 بتصرف).

 

حكم الجدال: إن المتتبع للنصوص الشرعية والآثار، يجد أنها تدور حول نوعين من الجدال ويدور الحكم معهما جوازا ومنعا.

 

فالنصوص والآثار التي تأمر بالجدال وتجيز الأخذ به وتعاطيه هي النصوص التي تهدف إلى الجدال الممدوح الذي ينصر الحق وينتصر له، ويدعو للإسلام،  وينافح عن عقيدته.. فهذا النوع من الجدال هو الجائز شرعا، قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل: 125، وقال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) العنكبوت: 46.

 

وهناك العديد من مجادلات النبي -صلى الله عليه وسلم- لمشركي قريش، ولأهل الكتاب وغيرهم في سبيل الدعوة وتقرير التوحيد، وهو ما أثبته القرآن في كثير من الآيات.

 

قال تعالى: (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)  الأنعام: 25.

 

وقال تعالى: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ) الأنفال: 6.

 

ومن الآثار ما كان من مناظرة ابن عباس– رضي الله عنهما – للخوارج ومجادلته لهم، وما كان من مجادلة إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – للمعتزلة.

 

وقد ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- عدة فوائد مستنبطة من مجادلة النبي -صلى الله عليه وسلم- لوفد نصارى نجران منها: جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فليول ذلك إلى أهله، وليخل بين المطيّ وحاديها، والقوس وباريها (زاد المعاد لابن القيم 3/42)

 

وأما النصوص والآثار التي حذرت من الجدال ونهت عنه، فالمقصود به الجدال المذموم، وهو الجدال الذي يفضي إلى الباطل ويقوم على الزور والبهتان وإضاعة الحقوق… قال تعالى: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا )  النساء: 107، قال تعالى:  (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) غافر: ٥، وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) الحج: ٨.

 

ومن السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: ” المراء في القرآن كفر ” (صحيح سنن أبي داود، الألباني، رقم 3847  ).

 

وخلاصة القول: أن حكم الجدال يدور مع نوع الجدال، فإذا كان الجدال محمودا فهو جائز ومأمور به، وإذا كان الجدال مذموما وباطلا فمنهي عنه ومحذر منه.

 

آداب الجدال: هناك جملة من الآداب ينبغي للمجادل المسلم أن يتحلى ويتصف بها منها على سبيل الذكر لا الحصر:

 

1- النية الصادقة في نصرة الحق والدعوة إلى دين الله تعالى، وترك الرياء والسمعة، أو طلب الجاه والرفعة، فالأعمال منوطة بنياتها.

 

2- العلم الصحيح المستفاد من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وما كان عليه سلف هذه الأمة الصالح.

 

3- رد الاختلاف إلى الكتاب والسنة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء:59 .

 

4- تقديم النقل ونصوصه على العقل وظنونه.

 

5- التحلي بالأخلاق الإسلامية العالية أثناء الجدال من القول المهذب، واحترام الآخرين،   وعدم الطعن في الأشخاص أو لمزهم والاستهزاء بهم.

 

6- أن تكون غايتك إظهار الحق، وإقناع الناس به، مع الابتعاد عن الباطل أو تلبيسه على الناس.

7- تقديم الأهم فالمهم من الحجج والبينات والأدلة المفحمة للخصم بقصد الإقناع وإظهار وجه الصواب.

 

8- مجانبة إطالة الكلام، وغرابة الألفاظ أو خروجها عن صلب الموضوع.

 

9- عدم التعارض بين الأدلة أو التناقض في البينات والحجج.

 

10- عدم الطعن في أدلة الخصم إلا ضمن الأمور المبنية على المنهج الصحيح

 

11- إعلان التسليم بالقضايا المتفق عليها، وقبول نتائج المناظرة.

 

12 – الامتناع عن المجادلة إذا كانت تؤدي إلى فتنة وفساد أو ضرر يلحق بالدعوة.

 

13 – أهمية مراعاة الظروف المحيطة بالمناظرة من حيث الأشخاص والموضوع والزمان والمكان.

 

أسلوب القدوة الحسنة:

 

لا شك أن أسلوب القدوة الحسنة أسلوبا عاما يشمل التأسي بكل من عمل عملا صالحا حسنا كان نبيا رسولا، أو كان تابعا للرسل الكرام ناهجا نهجهم في عمله، ويقصد بالقدوة الحسنة هذا الداعية الذي ينظر إليه الناس فتجله أنظارهم وتحبه قلوبهم ويكون صالحا في نفسه، مصلحا لغيره، بالسيرة الحسنة والمسلك الطيب والأثر الحميد.

 

ولا شك أن هذا النوع من الأسلوب له تأثيره البالغ؛ لأن الناس بطبيعتهم يتطلعون إلى الإنسان المتصف بصفات الإيمان والمتحلي بأخلاق الإسلام الحسنة، وصاحب المسالك والأفعال الحميدة، الذي يحب الخير للناس ويبعد الشر عنهم ويصدقهم في معاملاتهم وعلاقاتهم.

 

والداعية الموفق حينما يكون مهتديا في نفسه، مخبتا لله، طائعا له، مجتنبا نواهيه، ملتزما بأوامره، فإن ذلك ولا شك دليل على صحة إيمان هذا الداعية ودليل على صدق ما يدعو إليه ويأمر الناس به؛ لأنه أول من التزم وقام بتنفيذ ما يدعو إليه، وهذا – ولا شك – من أقوى الوسائل والسبل في اقناع المدعوين وتقبلهم لما يدعون إليه، ولو لم تكن الدعوة بصورة مباشرة، لكن المسلك الحميد والسيرة الطيبة العطرة تشد الناس وتدعوهم إلى الإيمان والدخول في الإسلام.

 

أصول القدوة الحسنة وشرطها (وسائل الدعوة، عبد الرحيم المغذوي، ص 207):

لا شك أن هناك أصولا وشروطا هامة ينبغي أن تتوفر في الداعية إلى الله تعالى حتى يكون قدوة حسنة لمن يدعوهم، وأسوة صالحة لمن يعيش بينهم، فينجذبوا إليه ويتأثروا به وبما يدعو إليه ويعتقده.

 

وإن المتتبع لانتشار دعوة الإسلام في كثير من أنحاء المعمورة، واعتناق الناس له وإيمانهم بعقيدة التوحيد الخالص إنما كان بفضل من الله تعالى، ثم بما يحلّى به أولئك الدعاة من سيرة طيبة وأخلاق حميدة، وفضائل إسلامية عديدة، جعلت منهم كتابا مفتوحا للإسلام، وصفحة بيضاء نقية لما ينبغي أن يكون عليه المسلم، وما يحدثه الإسلام في من يعتنقه ويؤمن بعقيدته من آثار طيبة وفوائد عظيمة.

 

وهناك عدة أصول وشروط للقدوة الحسنة يمكن إجمالها فيما يلي:

أولا: سلامة العقيدة: وذلك بأن يكون الداعية ذا عقيدة إسلامية صحيحة خالية من أي بدعة أو شبهة.

 

وأن يكون الداعية قدوة للآخرين في عقيدته الصحيحة المأخوذة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومن سيرة سلف هذه الأمة الصالح وما كانوا عليه.

ثانيا: صحة العبادة: وهذا أصل هام أيضا في الداعية إلى الله تعالى، وكونه قدوة حسنة تنظر الناس إليه، فتوقره وتحترمه وقد تقلده في عبادته، وخاصة إذا كان يعيش في مجتمعات غير إسلامية، فيكون الداعية -حينئذ- ترجمانا لأركان الإسلام وعباداته، ومصدرا يأخذ الناس منه كيفية الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر العبادات.

 

والعبادة لا تقتصر على نوع واحد أو صنف بعينه، بل هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ( العبودية، شيخ الإسلام ابن تيمية،ص 38).

 

ثالثا: موافقة الأقوال للأعمال والظاهر للباطن: لا شك أن هذا الأمر هام جدا في حياة الداعية إلى الله تعالى خاصة، وحياة المسلم عامة بأن يحرص عليه ويتنبه إليه ويراعيه.

 

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)  الصف 2: 3. وقال سبحانه عن حال شعيب عليه السلام مع قومه وكيف كان ملتزما بما يدعو إليه، عاملا به دون مواربة أو مخادعة: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) هود: 88.

 

يقول الإمام القرطبي -رحمه الله-: “أي: ليس أنهاكم عن شيء وارتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به” ( الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 9/77).

 

رابعا: الخلق الحسن، والمعشر الطيب، والسيرة الحميدة، والذكر الجميل، ومعاملة الناس بما تحب أن يعاملوك به من الأمانة والصدق والوفاء واحترام العهود والمواثيق، والتخلق بأخلاق الإسلام العالية والتأدب بآدابه الزاكية وانتهاج سيرة النبي صلى الله عليه وسلم  حياته ودعوته وكيف كان المثل الكامل في أخلاقه وآدابه ومعاملاته مع الناس. قال تعالى:( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم: 4. وقال سبحانه: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)الأعراف: 199

 

وقالت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم- واصفة بعض أحواله وأخلاقه وتعامله مع الناس -بعد أن جاءها خائفا من غار حراء وأنزل عليه الوحي، قالت: “أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق” (تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر بن جرير الطبري 1/531).

 

خامسا: التجافي عن دار الغرور، والتطلع إلى دار البقاء: وذلك بالتقلل من الدنيا وردائها، وعدم اللهث الشديد وراء حطامها، والهلع الكبير من فراقها، والتزود منها بزاد التقوى والعمل الصالح فهو خير وأبقى.

 

ولا يفهم من هذا الكلام ترك الدنيا والتكاسل عن العمل وطلب الرزق الحلال والسعي في مناكب الأرض وعمارتها، وإنما المقصود ألا يجعل المسلم والداعية خاصة الدنيا همه ومجمع أمره ومنتهى عمره وغايته، بل يتوسط في ذلك فيأخذ من الدنيا ما يعينه وتقوم به حياته وحاجته دون إفراط أو تفريط.

 

أهمية معرفة الداعية لأساليب الدعوة وكيفية تطبيقها:

 

ينبغي على الداعية إلى الله تعالى أن يكون على علم ومعرفة بأحوال وظروف المدعويين، وذلك قبل دعوتهم ومخاطبتهم، فينبغي أن يعرف ديانة المدعوين وعقائدهم وأفكارهم ولو على سبيل الإجمال، وكذلك معرفة لغة من يدعوهم، ولهجتهم، وأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحيط بهم، ومدى تقبلهم للدعوة، وموقفهم من الدعاة، وبخاصة في العصر الحاضر.

 

فمعرفة الأساليب والوسائل المناسبة لدعوة الناس، وكذلك معرفة المداخل المناسبة، والمفاتيح الملائمة لدعوة الناس من الأهمية بمكان بالنسبة للداعية إلى الله تعالى.

 

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) إبراهيم: 4.

 

قال الشيخ السعدي – رحمه الله -: وهذا من لطفه بعباده أنه ما أرسل رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم ما يحتاجون إليه، ويتمكنون من تعلم ما أتى به، بخلاف ما لو كان على غير لسانهم، فإنهم يحتاجون إلى أن يتعلموا تلك اللغة التي يتكلم بها، ثم يفهمون عنه.. (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ص 396).

 

وعندما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل -رضي الله عنه- إلى اليمن أخبره عن حال المدعوين الذين سيوجه لهم الدعوة، فقال له: “إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك ذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب” (البخاري، رقم 1496، ومسلم رقم 19 ).

 

فالنبي -صلى الله عليه وسلم-  بين لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- حال المدعوين الذين سيوجه لهم الدعوة، بأنهم أهل كتاب، فهم أهل علم، فلا تكون مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان.

 

وأمره أن يعرض الدعوة عليهم بالتدرج، وهذا من ترفق الداعية في دعوته للناس، والانتقال بهم في سلم الدعوة خطوة خطوة، ودرجة درجة، وعدم الإكثار عليهم، أو إعطائهم فوق طاقتهم، وأكثر من وسعهم، وخاصة غير المسلمين، أو من أسلم حديثا ولم يتمكن الإيمان من قلبه، أو ما شابه تلك الحالات.

 

والمتأمل في فقه هذه الوصية النبوية العظيمة، وما اشتملت عليه من الفوائد والفرائد، وجليل القواعد، يدرك أهمية التدرج في الدعوة، ومراعاة أحوال الناس، وما تنطوي عليه أنفسهم، وعقولهم من أشياء، تقتضي الترفق والتدرج بهم في الدعوة.

 

وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-  معاذ بن جبل -رضي الله عنه- بالرفق واللين والمجادلة بالتي هي أحسن.

فالداعي إلى الله تعالى قبل أن يبدأ بدعوته عليه أن يسأل عن حال المدعو، ومعرفة الداعي لأحوال المدعوين يقتضي منه أن ينزلهم منازلهم فإن ذلك من الأمور الهامة التي يجب على الداعي أن يراعيها ويتنبه إليها ويحرص على تطبيقها وتنفيذها مع المدعوين، ويعاملهم بناءً على أقدارهم، ويخاطبهم على قدر عقولهم وأفهامهم لتأليف قلوبهم وجذب نفوسهم إلى الإسلام (كيف يدعو الداعية، عبد الله علوان، ص 154).

 

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى