آراءبحوث ودراسات

د. ياسر أبو شبانة يكتب: تساؤلات حول صيام يوم عاشوراء

د. ياسر أبو شبانة
Latest posts by د. ياسر أبو شبانة (see all)

أثار بعض الإخوة تساؤلات حول يوم عاشوراء، تدور معظمها حول محورين هما في الحقيقة مرتبطان ببعضهما ارتباطا وثيقا:

 

المحور الأول : حول سبب صيامه صلى الله عليه وسلم هذا اليوم، وهل هو منحصر في أن اليهود كانوا يصومونه تعظيما لذكرى نجاة نبي الله موسى عليه السلام والمؤمنين معه من بني إسرائيل بحسب ما جاء في رواية ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين -واللفظ للبخاري- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صِياماً (أي صائمين) يوم عاشوراء فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم. فصامه رسول الله وأمر بصيامه.

 

فإذ قد ثبت هذا في أصحِّ كتب السنة فكيف يتوقَّفُ حكمٌ شرعيٌّ على فعل اليهود خصوصا أو غير المسلمين عموما ؟.

 

المحور الثاني : كيف نوفق عقلا بين ما جاء في الروايات من أن صيام عاشوراء كان فرضا في السنة الأولى من الهجرة – قبل فرض صوم رمضان – ثم صار مستحبا بعد ذلك ، وبين ما تفيده رواية ابن عباس في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء في السنة الأخيرة من حياته فقط، حيث جاء فيها قول ابن عباس: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. قال ابن عباس فلم يأت العام المقبل حتى تُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

ولتحقيق القول في الأمرين معا أقول :

 

فيما يتعلق بالمحور الأول: جاء في الصحيحين رواياتٌ عدَّة عن أم المؤمنين السيدة عائشة وعن عبدالله بن عمر – رضوان الله على الجميع – أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وهو في مكة قبل الهجرة يعرف قدر يوم عاشوراء ومنزلته ، بل وكان يصومه أيضا وتصومه قريش كلها .

 

ففي صحيح مسلم عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه. فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه. فلما فُرِض شهر رمضان قال: مَن شاء صامه ومن شاء تركه.

 

وفي صحيح مسلم أيضا عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يُفتَرَضَ رمضانُ . فلما افتُرِضَ رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عاشوراء يوم من أيام الله ؛ فمن شاء صامه ومن شاء تركه .

 

يتضح من هذا أن سبب تشريع صيام عاشوراء – وجوبا في السنة الأولى واستحبابا بعد ذلك – لم يكن منحصرا في صيام اليهود ذلك اليوم . وأن قوله صلى الله عليه وسلم (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) وقول ابن عباس (فصامه وأمر بصيامه) ليس التعليل الوحيد لفضيلة صيام يوم عاشوراء . مع التأكيد هنا على القاعدة المشهورة أن شَرْع مَن قَبلنا من الأمم شَرْعٌ لنا ما لم يأتِ في شرعنا ما يخالفه.

 

أما سبب تعظيم قريش يوم عاشوراء وصومهم له فلم يثبت تقرير هذا السبب في روايات صحيحة فلا نشغل أنفسنا بالبحث عنه.

 

وفيما يتعلق بالمحور الثاني أقول: بتتبع الروايات الواردة في المسألة -وهي كثيرة-يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم صام هو وأصحابه يوم عاشوراء صيام فريضة لمرّة واحدة في السنة الأولى للهجرة، ثم فُرِض صيام شهر رمضان في شهر شعبان من السنة الثانية -كما هو معلوم- فأصبح صيام عاشوراء سنة مستحبة بعد ذلك.

 

ومن الواضح أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتحرَّجون من صيامه بسبب تعظيم اليهود يوم عاشوراء وتحويله إلى مناسبة اجتماعية أكثر من كونها مناسبة دينية؛ فكان النبي حريصا على استقلال شخصية المسلم وتميزها من ناحيتين:

 

الأولى: اقتصار تعظيم يوم عاشوراء عند المسلمين على الصيام دون غيره من المظاهر الاحتفالية عند اليهود. ففي صحيح مسلم بسنده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء؛ يتخذونه عيدا ويُلبسون نساءهم فيه حُلِيَّهم وشَارَتَهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فصُوموه أنتم).

 

الثانية : حتى في هذا الصيام يتميز المسلم ويخالف ما عند غيره، فكان تشريع استحباب صيام اليوم التاسع كما في رواية ابن عباس المذكورة آنفا قال: … حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. أو استحباب صيام يوم عاشوراء (ويوم قبله أو يوم بعده) كما في بعض الروايات الصحيحة بلفظ (أو) التي تفيد التخيير وهي رواية في مسند أحمد، أو استحباب صيام (يوم قبله ويوم بعده) بلفظ الواو كما في رواية البيهقي وهي مختلف في تصحيحها أو تضعيفها.

 

ومما يجدر ذكره هنا أن رواية تَحَرُّج بعض الصحابة من صوم يوم عاشوراء بسبب ما يفعله اليهود من مظاهر احتفالية خَرَجَتْ به عن طبيعته الدينية، هذه الرواية متأخرة كثيرا؛ فهي من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ومن المعلوم أن الأشعريين وأهل اليمن قد قَدِموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد انتهاء غزوة خيبر التي وقعَتْ أحداثها في السنة السابعة للهجرة، حيث أَسْهَمَ لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم من غنيمة خيبر كأنهم شهدوها. فهذا يؤكد أن الصحابة قد واظبوا على صيام يوم العاشر من محرم وحده عاما بعد عام، وإنما تحرَّجوا فقط من هذا الصيام لما رأوه من تحريف يهود خيبر لطبيعة هذا اليوم وتحويله إلى مجرد مناسبة اجتماعية احتفالية لا علاقة لها بالدين، فكان توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه الكرام رضي الله عنهم ولجميع المسلمين من بعدهم إلى يوم القيامة بالإبقاء على الصفة الدينية لهذا اليوم بالحرص على صيامه، تحقيقا لتميُّز شخصية المسلم وتأكيد أنه وإن جاز له أن يأخذ ما عند الآخرين من خير فإنه يحافظ على تميّزه واستقلال شخصيته بتجنُّب ما يقعون فيه من خطأ؛ فالمسلم ليس إمَّعةً يسير مع الناس حيث يسيرون أو يتوقف حيث يتوقفون.

 

وبهذا يتبين أن رواية ابن عباس رضي الله عنهما ليست متعلقة بالسنة الأولى من الهجرة وإنما كانت في السنة العاشرة، وبخاصة أنه لم ينص صراحة أن ذلك كان في السنة الأولى ، بالإضافة إلى أن ابن عباس في السنة الأولى للهجرة كان طفلا صغيرا ، أما في السنة العاشرة فقد صار غلاما يافعا يدرك جيدا ما يرويه.

 

والخلاصة أن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضي الله عنهم صاموا يوم عاشوراء وجوبا في العام الأول فقط من الهجرة ، إلى أن فُرِضَ صوم شهر رمضان فصام الصحابة اليوم العاشر من محرم وحده (يوم عاشوراء) بعد ذلك استحبابا لمدة تسع سنوات ، أي إلى العام الأخير في حياته صلى الله عليه وسلم فتمنى أن لو أبقاه الله إلى العام التالي ليصومَنَّ التاسع والعاشر ولكن الله تعالى قبضه إليه في ربيع الأول من هذا العام فبقيَتْ سُنَّةً أن يُصام التاسعُ والعاشرُ من المحرم، أو يُضاف إليهما الحادي عشر منه لرواية البيهقي المختلف في تصحيحها أو تضعيفها … والله أعلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى