آراءمقالات

انقلاب تونس.. لمن العاقبة؟

Latest posts by د. عبد الله الغيلاني (see all)

أفلتت حركة النهضة من مساعي الإسقاط تلك واستأنفت مسارها السياسي دون كثير مراجعة ولا اتعاظ بدلالات الحدث وإلايحاءات الهاجعة في أحشاءه.

قبل عام، وتحديداً في الأول من أغسطس 2020، نشرت مقالاً بعنوان: «معركة البرلمان: الدلالات والآفاق»، 

تناولت فيه ما جرى في قاعة البرلمان التونسي غداة سحب الثقة من رئيس المجلس، الشيخ راشد الغنوشي،

وقد أفلتت حركة النهضة ورئيسها من مساعي الإسقاط تلك واستأنفت مسارها السياسي دون كثير مراجعة ولا اتعاظ بدلالات الحدث وإلايحاءات الهاجعة في أحشاءه.

الثورة المضادة لن تلقي سلاحها

ولعلي أكتفي هنا باستدعاء مضمونيَن فقط من مضامين ذلك المقال:

أولهما:

أن الانتصار في معركة لا يعني انتصارا في الحرب،

وثانيهما:

أن ما جرى في قاعة مجلس نواب الشعب يومذاك أبعد مدىً من جغرافية تونس وأشمل في دلالاته الكلية من حركة النهضة، 

وأن الثورة المضادة لن تلقي سلاحها و لن تجنح إلى السلم، بل ستمضي في مشروعها الآثم ذاك حتى تنتصر أو تهلك دونه.

لست هنا بصدد الحديث عن الأداء السياسي لحركة النهضة، لا على مستوى المنهج الفكري الذي صاغه لها الشيخ راشد،

ولا على مستوى المقاربات الجيوستراتيجية التي حكمت مسارها التدافعي خلال السنوات العشر المنصرمة، فذاك حديث ليس هنا مقامه.

وما يعنيني في هذه السطور أمران:

تحرير الوعي السياسي ( على وقع الحدث التونسي) ،

وتحريض العقل الإستراتيجي في الحركة الإسلامية على مراجعة مقرراته السياسية (اتعاظا بوقائع الانقلاب التونسي).

نعم، هو انقلاب مكتمل الوقاحة جوهراً و شكلاً، لا يجادل في ذلك من له مسكة من عقل،

ولا يرتاب في كونه انقلابا إلا من اعتورته سهام التضليل التي تطلقها حركة النفاق.

في الشكل هو انقلاب على المسار الديمقراطي والقيم الدستورية التي ارتضاها الشعب التونسي،

ولكنه في الجوهر انقلاب على الخيار الإسلامي الذي احتضنه السواد الأعظم من أبناء تونس عقب ثورتهم التي كانت باكورة التحول التاريخي الذي اصطلح على نعته بالربيع العربي.

النهضة «غصة» في حلق الثورة المضادة

لك أن تصف النهضة بما تشاء، ولك أن تنازع في صدق انتماءها للمشروع السياسي الإسلامي،

ولكنها من حيث الامتداد التاريخي والهوية الفكرية هي إحدى تجسيدات «الإسلام السياسي» في المنطقة العربية،

وقد استطاعت تأمين مسارها السياسي رغم كثرة الحفر وتعدد العثرات،

كما استطاعت الإفلات من عديد المكايد والاستدراجات التي طالما أحاطت بها وكادت أن تطرحها أرضاً.

ورغم تنازلاتها التي بلغت القاع أو كادت، ورغم حضورها الرمزي في هياكل السلطة، بقيت النهضة «غصة» في حلق الثورة المضادة،

وما كان لغرفة عملياتها أن تقبل حتى بذالك الحضور الهش، فهي في النهاية -أي حركة النهضة- تمثل إحدى تعبيرات مشروع التغيير، بوجه من الوجوه،

والغاية النهائية التي يتجه إليها مشروع الثورة المضادة هي اجتثاث حركة الإحياء الإسلامي بكل تمظهراتها.

كسبت الثورة المضادة جولة أخرى في صراعها مع تطلعات الأمة نحو الإنعتاق من ربقة الاستبداد، ولكنها لم تكسب الحرب،

ولن تكون لها العاقبة.

أدرك أن حركة النهضة مقبلة على سلسلة من الشدائد وستخوض بحراً من الابتلاءات، وربما تذعن لبعض الإكراهات،

ولكنها لن تذوب و لن تفنى و ستعيد إنتاج ذاتها.

إن الحركة الإسلامية، رغم انحسارها الظرفي، بلغت درجة من التجذر في واقع الأمة يمتنع معها اجتثاثها، ولي عل ذلك شاهدان:

(1) انحياز الروافع الشعبية إلى الخيار الإسلامي وإصرارها على إيصال الإسلاميين الى السلطة مرة تلو أخرى.

(2) مستويات الرعب التي عليها النظام الإقليمي وضراوة الممانعة التي تبدت في مشروع الثورة المضادة،

التي نضبت خزائنها وتكسرت نصالها دون أن تبلغ غاياتها، وإن كسبت بعض جولات الصراع، فالحرب سجال والعاقبة للتقوى.

مشروع التغيير الإسلامي غدا عصياً على الاجتثاث

كل تلك القرائن تقطع أن مشروع التغيير الإسلامي غدا عصياً على الاجتثاث: تتعرج مساراته حيناً،

ويخبو وجه طوراً آخر، ولكنه في المحصلة النهائية يخترق حوائط الصد ويراكم كسباً منتظماً،

ويقترب من مساحات التمكين ببطء ولكن بثبات: {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون}.

غير أن ذلك لا يعفي العقل الإستراتيجي في الحركة الإسلامية من إجراء مراجعة جريئة لمنظومة المفاهيم التأسيسية الموجِهة للفعل السياسي،

بل إن تلك المراجعة بعد الانقلابين المصري والتونسي غدت ضرورة لا يجوز تأخيرها.

اكتشفنا بالتجربة أن نظم الاستبداد ليست مجرد هياكل سياسية وإجراءات إدارية، ولكنها معتقدات وولاءات وشبكات تتآزر مكوناتها و تتعانق مصالحها وتلتحم غاياتها بالنظام الإقليمي .

وأن تأمين المشروع الإسلامي وهو في السلطة أشد عسراً من حمايته وهو خارج السلطة.

واكتشفنا أن بناء شراكات وطنية راسخة مع القوى السياسية الأصيلة ضرورة إستراتيجية.

وأن الحوار مع المجتمع الفكري في الغرب هو أيضاً ضرورة،

فأجهزة التفكير هناك هي صانعة السياسات وهي مناجم الإستراتيجيات.

واكتشفنا أن مستويات التسفل السياسي والانحدار الإنساني عند معظم العلمانيين والليبراليين العرب قد بلغت قاعاً سحيقاً.

وأن الكادر السياسي الإسلامي لا يحوز الجدارة الجيوستراتيجية لإدارة الدولة الحديثة وأن ترسانته المعرفية قاصرة.

واكتشفنا أن المسارعة إلى بناء نظرية سياسية للحكم الرشيد تمتزج فيها قيم التنزيل بالحداثة السياسية هي واجب لا يسوغ تأخيره.

كل تلك الحقائق والضرورات تحتاج إلى صياغات منهجية وتقعيد فكري يحوّلها إلى منارات يهتدي بها العقل السياسي الإسلامي

وهو يدير صراعاته المركبة ويخوض معاركة المتعددة الأبعاد،

ويقارع خصوماً: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديَهم وألسنتَهم بالسوءِ وودّوا لو تَكفُرون}.

و الله من وراء القصد والعاقبة للتقوى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى