بحوث ودراسات

د. عبد اللطيف السيد يكتب: الرد الصحيح على الإساءة إلى الرسول

Latest posts by د. عبد اللطيف السيد (see all)

 

يخرج علينا من وقت لآخر بعض الحاقدين على الإسلام من غرب أوروبا بصور كاريكاتورية مسيئة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينفثون بها صورة الكراهية والحقد للإسلام وأهله، وتسمح حكوماتهم بهذه الإساءات بحجة حرية الرأي وحرية الفكر وحرية التعبير في ظل الديمقراطية الغربية.

وبهذه الصور المسيئة يغتاظ عامة المسلمين وأكثر علمائهم ، ويكون الرد على هذه الأفعال بعض المظاهرات الغاضبة التي لا تخلو من إصابات وأحيانا قتلى، ولا يخلو الأمر من السب والشتم وحرق بعض الكنائس أو المعابد اليهودية فى إفريقيا وأوروبا. فتكتمل صورة لصق الإرهاب بالمسلمين من رد الفعل الغاضب هذا.  فيزداد ضغط حكومات هذه الدول على الأقليات المسلمة بسبب رد الفعل العصبي العنيف من جانب بعض هذه الأقليات المسلمة.

فتكون الصورة الغربية المسيحية هي: حرية الرأي والتعبير في ظل الديمقراطية.

وتكون الصورة الإسلامية في الرد عليهم هي: الإرهاب الإسلامي.

وهذه الصورة الكلية؛ هي صورة مرادة ومقصودة ومصنوعة من جانب أجهزة المخابرات وصانعي السياسات الغربية والصهيونية .

وهذه الصورة ـ عندي ـ تشبه صورة الأطفال وهم يلعبون . 

فأحد الأطفال الأقوياء يخرج لسانه لطفل آخر أو يشتمه ليغيظه ؛ فيرد عليه الضعيف بالضرب مباشرة أو بالقتل إن استطاع ، فيرد عليه القوى بضرب أقوى وأكثر عنفا .  

     فالطفل القوى متحضر لا يستعمل إلا لسانه للتعبير عن رأيه .

     والطفل الضعيف همجى لا يستعمل إلا الضرب أو القتل ـ إن استطاع ـ للتعبير عن رأيه .

وهكذا عرف الطفل القوى كيف يغيظ الضعيف، فتتكرر محاولاته لغيظ هذا الضعيف ولا ينفك عنها وقد عرف أن يصطاده فى مصيدة: “حرية الفكر وحرية الرأى وحرية التعبير” فى ظل الديمقراطية الغربية التى يتشدقون بها، طالما كانت هذه الديمقراطية فى مصلحتهم ، فإن أساءت الديمقراطية إليهم كفروا بها .

وتسمح الحكومات الغربية بهذه الإساءات لأنها ترضى شيئا فى نفوسهم ، كما يسكت عنها كثير من مفكريهم وعقلائهم عن رضى يبطن نفوسهم أيضاً .

ولكن إن جاءهم رد قوى من عقلاء المسلمين استغلالاً لحرية الفكر وحرية الرأى والتعبير فستنقلب الآية عليهم،  وسترى العقلاء والمفكرين فى الغرب يقومون بصرخات عالية مطالبين بوقف السفهاء عند حدهم ومطالبين حكوماتهم بسن القوانين لمنع الإساءة إلى الأديان ورموزها .

ويتم ذلك بالوسائل التالية ـ :

أولاً : مظاهرة صغيرة بصور الأصنام والأوثان لكافة الأديان والملل

 أن تقام مظاهرة صغيرة من عدد محدود من المسلمين أمام الصحيفة التى نشرت الصور المسيئة ـ أو بالقرب منها ـ أو في ميدان عام ، ويرفع المتظاهرون صور الأصنام التى يعبدها الناس من كافة الأديان والملل ، فالتماثيل لا تخلو من كنائس ، مثل عيسى ومريم عليهما السلام ، واليهود اتخذوا ” عُزير” ابناً لله ، فيُقام له صورة رمزية مكتوب عليها “عُزيرابن الله” . كما تُرفع صورة لبوذا وصورة لكونفيشيوس ، وصورة أخرى لإمبراطور اليابان ، فهو الإله عند الغالبية العظمى من اليابانيين .  ويُكتب فوق هذه الصور :

جاء محمد ، صلى الله عليه وسلم،  ليخلصكم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .

جاء محمد ، صلى الله عليه وسلم، ليخلصكم من عبادة الأصنام الأوثان إلى عبادة الله وحده .

جاء محمد ، صلى الله عليه وسلم، بأفضل الأخلاق لتنعم البشرية بالعدالة والسلام

ثانياً : حملة إعلامية ببيان التوحيد الذى جاء به محمد ، صلى الله عليه وسلم،

على أن تصاحب هذه المظاهرة حملة إعلامية من المسلمين الغربيين ـ تشرح هذه الشعارات ـ وتبين رسالة محمد، صلى الله عليه وسلم،  وهى الدعوة إلى عبادة الله وحده بغير شريك ولا وسيط ، مع المقارنة بين عبادة الله وحده وبين عبادته مع الشركاء أو عبادة هذه الأصنام التى صنعوها بأيديهم مع تسمية هؤلاء الشركاء أو هذه الأصنام المعبودة واحداً واحداً . فقد كان مشركو العرب يعلمون يقيناً أن الله تعالى هو الخالق الرزاق ولكنهم صرفوا العبادة للشركاء لتقربهم إلى الله زلفى .

هذه المناقشة والمقارنة المطولة للتوحيد والشرك والوثنية ستدفع بعض أهل الرأى من هذه الأديان للدفاع عن عقيدتهم بالمجادلة العقلية والمنطقية فى سجال طويل ينتهى بنصرة الحق وخذلان الباطل .

وبهذه المجادلة التى تتم بالحسنى فى وسائل الإعلام المختلفة ؛ ستعم دعوة الإسلام عامة أهل أوروبا وغيرها من بقاع الشرك والوثنية فى آسيا والعالم بإذن الله تعالى . لأن منطق التوحيد بسيط ومعقول ومقبول عند عامة الناس وخاصتهم ، ومنطق الشرك أو الوثنية يحتاج بيانه إلى فلسفة وسوفسطائية لا يقبلها العقل البشرى ، بل لابد أن تُحشر له حشرا لأنها اعتقادات آبائه وأجداده . وهم يقدسون عقولهم على عقولنا ، ولكنهم عند مناقشة التوحيد والشرك ينحون عقولهم التى يعتزون بها ، أو يُقرون بعجز منطقهم للقبول العقلى .

فخاطبوا أهل الصحيفة بهذا المنطق ، فلايغيظ أهل الشرك والوثنية إلا أن يشعر بسفاهة عقله حين يتخذ الصنم شريكاً لله أو يكون هذا الصنم هو إلهه ، على أن يكون هذا الجدال بالحسنى ، كما قال تعالى ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَ “

وليكن الخطاب وكل الرسائل موجهة إلى أصحاب هذه الصحيفة فى أول الأمر ، حتى إذا اشترك أهل الرأى والعلم منهم فى هذه المناقشات العقائدية ؛ وجهتم خطابكم إليهم وتركتم السفهاء من أهل الصحيفة .

وسنجد فى النهاية أن أهل الرأى والعلم فى أوروبا قد ضغطوا على حكوماتهم لإصدار قانون يمنع انتهاك حرمات الأديان كلها ، بعد أن يكون قد أصابهم الأذى النفسى والعقلى من كشف عوراتهم الاعتقادية ، وفى هذه الحالة لن تكون  حرية الرأى والتعبير فى صالحهم ، بل ستكون وبالاً عليهم .

 

 ثالثاً : لابد من إقامة محطة فضائية إسلامية عالمية

     ناطقة بالإنجليزية ، تقوم على المنهجية والعلم ، القائمون عليها أصحاب علم وفهم فى الخطاب والدعاية وبث الأخبار ( مثل الجزيرة الإخبارية أو c.n.n ) تخاطب أهل أوروبا بلسان حالهم وواقعهم الاجتماعى والثقافى، وتستطيع أن تصل إليهم بحب ونعومة وتشويق إلى معرفة الإسلام الحقيقى الذى لم يسمعوا عنه، ويفرقون لهم بين الإسلام وواقع المسلمين المزرى ، فإن واقعهم لايعبر عن عظمة دينهم، وبأن الدين حالة فردية يحاسب كل إنسان عن نفسه قبل أن يكون حالة جماعية أو حالة دولة.

     على أن تكون هذه القناة متنوعة ، تحمل الأخبار العالمية، والأفلام العلمية عن عظمة الخالق وحكمته فى خلق السموات والأرض وما بث فيها وسخره للإنسان ، مع الدراما الإسلامية، والبرامج الإسلامية المتنوعة التى يقوم بالإشراف عليها نخبة مختارة من علماء الإسلام الذين يعيشون فى أوروبا، الذين يستطيعون توصيل رسالة الإسلام الوسطى إلى الناس كافة، بلا إفراط ولا تفريط، على أن يستبعدوا من برامجهم كل ما من شأنه بيان الخلافات والمهاترات الفقهية (مثل الزى الإسلامي وإطلاق اللحية والنقاب) فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم،  كان إذا أرسل رسالة أو خاطب قوما يدعوهم إلى الإسلام ؛ كان كلامه ينصب على التوحيد وعبادة الله وحده وإقامة شعائر الإسلام الخمس، ولم يُحدث أحداً عن وجوب إطلاق اللحية أو فرض النقاب أو على مايجب أن يرتديه.  نريد عرض الإسلام فى أبسط صورة وأنقاها وأبعدها عن الخلاف . 

 

ولا مانع من الدراما الاجتماعية الغربية الهادفة، ولا غضاضة من عرض المرأة غير المحجبة فى الدراما حتى لايكون ذلك مانعا من عرض الخير الذى تحمله الدراما، ولا مانع من أى مقابلة تليفزيونية لأى امراة غير محجبة، لأن إثراء المحطة الفضائية بمزيد من عامة المشاهدين هو الهدف حتى يسمعوا كلام الله، فلا يجب أن يمنعه عائق ثانوى. ولا مانع من عرض أى دراما تشملها أى صحابى أو نبى من بنى إسرائيل، كمسلسل “يوسف” عليه السلام.  فإن الصحابة ليسوا مقدسين حتى لا نصورهم بما كانوا عليه من خُلق كريم. ولأن فى عرضهم الدرامى خير كثير ينتفع به عامة الناس ولا يُنقص ذلك من قدرهم شيئا عند الله وعند الناس .

وإن إقامة مثل هذه المحطة هى واجب على كل مسلم يريد أن يدعو إلى الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة ، فيجب على كل مسلم أن يساهم فى إقامة وعمل هذه المحطة ، إما بجهده أو ماله أو علمه. وأن تمتد هذه المحطة ـ فى مرحلة تالية ـ إلى اللغات الرئيسية فى العالم ؛ الفرنسية والأسبانية والألمانية والصينية واليابانية وغيرها .

فإن الله تعالى محاسبنا جميعاً عن عدم دعوة هذه الشعوب إلى الإسلام . وفى قول الله تعالى  ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ” عموم تخص كل قادر على الدعوة يهذه الطريقة الموصوفة ولا تخص رسول الله وحده .

وإن الله تعالى محاسب أغنياء المسلمين عن عدم مشاركتهم فى الدعوة إلى الله بمثل هذه المحطة ، لعدم إنفاقهم أو لسداد جزء من زكاة أموالهم فى مثل هذه القناة الفضائية .

والله ولى التوفيق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى