آراءبحوث ودراسات

د. عبد العزيز كامل يكتب: علم الساعة.. والمرجفون في المدينة (3)

Latest posts by د. عبد العزيز كامل (see all)

أخطاء المتأولين.. وأخطار المتعجلين

الذين يروجون لخروج المهدي قريبا، ليبايع بين الركن والمقام في الحرم المكي بموسم الحج القادم؛ يسهمون في ملء الأرض جورا وظلما، لأنهم يفتحون باب فتن جديدة، كما أن من أعظم الظلم والجور.. الافتراء على الله، وادعاء الاصطفاء دون سلطان مبين من الله .. بما يلبس الأمور.. ويضل عن السبيل..

 

هناك كثيرون يزعمون المهدوية هذه الأيام، والفضاء الأزرق مشحون بدعاواهم، وأكثرهم يستندون في أساس زعمهم على الأثر السابق ذكره، والذي فيه: (سَيَعُوذُ بِمَكَّةَ عَائِذٌ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِمْ، ثُمَّ يَعُوذُ آخَرُ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ فَلا تَغْزُوَنَّهُ، فَإِنَّهُ جَيْشُ الْخَسْفِ)

 

وهذا النص لا يصلح للاستدلال على تلك القضية الخطيرة التي تتعلق بمستقبل أمة؛ ولذلك فهذه تعليقات وتنبيهات على الأثر، وعلى مسار المنظرين له، والمنتظرين بناء عليه:

 

أولا:

من تتبع أقوال الزاعمين بمقولة خروج المهدي، أو (العائذ الثاني) بعد أربعين عاما من حادثة الحرم التي وقعت عام ١٤٠٠ للهجرة؛ سيجد أنهم يتداولون ويكررون بالنص ودون تمحيص؛ أقوالا قالها في البدء أشخاص غير مؤهلين، ونقلها عنهم آخرون مقلدون، وكأن الأمة لم يعد بها أهل علم يرجع إليهم، ولا أهل ذكر أمر الله من لا يعلمون بسؤالهم..

 

ثانيا:

كل أو جل المتحدثين بغير علم في هذا الشأن؛ يضعون أصولا خاصة بهم للاستدلال في قضايا أشراط الساعة وآخر الزمان، وأخطرها الإصرار على الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة، إذا وافقت أهواءهم، بل لا يستنكر أكثرهم الاستدلال بالنصوص المنكرة الموضوعة، إذا صادفت تشابها مع شبههم، وبعضهم يحيل بدل الصحيح من الدليل؛ إلى ما ورد محرفا في التوراة أو الإنجيل..

 

ثالثا:

هذا النص الذي تعتمد عليه أطروحة المهدوية العاجلة المتعجلة؛ ليس من الحديث (الصحيح المرفوع) إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بحيث يصلح للاحتجاج في الأمور الاعتقادية الغيبية.. ولا هو من (الحديث الموقوف) على قول صحابي؛ فيؤخذ به في المسائل الغيبية التي لا مجال للرأي فيها.. بل إن ذلك النص هو (أثر مقطوع) أي مروي عن تابعي، وقول التابعي ليس بحجة مستقلة في العقائد ولا في الأحكام، ولكن ينظر إليه كأي قول لعالم في ضوء الأدلة الصحيحة .

 

رابعا:

صاحب هذا الأثر هو التابعي (تبيع بن عامر) الشهير، بابن امرأة كعب الأحبار، وهو تابعي “مخضرم” أي أنه عاش زمان الجاهلية حتى جاء الإسلام، لكنه لم يسلم إلا في عهد أبي بكر أو عهد عمر -رضي الله عنهما- وكذلك فإن هذا التابعي معروف بالإكثار من أخذ الإسرائيليات عن زوج أمه (كعب الأحبار).. وهذا الأخذ يعد مأخذا عند علماء الحديث يقدح في الأثر المروي..

 

خامسا:

حتى لو صح الاحتجاج بحديث العائذ الأول المذكور أعلاه -وهو مالا نسلم به- فإن تعريف (البرهة) المذكورة في الأثر وتحديدها بأربعين عاما؛ هو تحكم وجزم بالظن وقطع به، فالبرهة تحتمل مددا متفاوتة من الزمان، قد تزيد أو تقل عن الأربعين، فـ(البُرْهَة) بضم الباء وفتحها ؛ تعني في المعاجم -كمختار الصحاح- مدة طويلة من الدهر، وفي المعجم الوسيط: البُرْهَةُ: المُدّة من الزمن، فالمعاجم العربية لم تحدد لها مدة محددة ، فكيف تحكم هؤلاء وحكموا بأن البرهة أربعين عاما؟!

 

سادسا:

مع التحكم والإصرار على أن البرهة أربعين عاما، جزم المدعون بأن (محمد القحطاني) صاحب جهيمان؛ هو العائذ الأول، وهو تحكم آخر، إذ يمكن أن يأتي غيره ويقتل.. لو صح الاستناد للأثر، كما أن المعروف مجموعة جهيمان (عفا الله عنهم) لم يدخلوا الحرم في مكة عزلا عائذين، بل دخلوه عنوة مسلحين، وكان ما فعلوه فتنة حذر من مغبتها أهل العلم قاطبة في وقتها، ولكن تحذيرهم لم يجد آذانا صاغية، ولا قلوبا واعية، وهو ما يتكرر تماما في أيامنا هذه من أدعياء المهدوية الجديدة..

 

سابعا:

الزاعمون بأن المهدي سيخرج للبيعة بعد شهرين ليبايع بين الركن والمقام؛ شعار بعضهم (المهدي بيننا).. وهناك دعي آخر من اليمن يخاطب الملوك والرؤساء في رسائل “دبلوماسية” من مواقعه الإلكترونية، وبعض الأدعياء يسمي نفسه بغير ما أسماه أبواه، ليواطئ اسمه زورا اسم النبي -صلى الله عليه وسلم- واسم أبيه اسم أبيه! وأحدهم يتصنع له أتباعه ويتكلفون في تصوير ذاته وصفاته، في عشرات المقاطع المرئية، وكأنها كلها تنطبق -وهيهات- على ما ثبت في حق مهدي الهدى من العلامات..

 

ثامنا:

نحن هنا لا نرفع شكاية ولا نسرب وشاية لطغاة أو بغاة، لأن لأكثر أدعياء المهدوية ودعاتها مواقع وصفحات وحسابات علنية ، عليها صورهم وسط أنصارهم، في مشاهد جريئة استفزازية، ويخوضون مع مخالفيهم مناقشات ومناظرات استعراضية، وكأن المهدي لن يبايع مكرها؛ بل سيكره من لا يسارعون لبيعته قبل أن تبدو علاماته!

 

تاسعا:

هناك ما يشبه التغافل أو التغاضي المقصود من بعض الأنظمة عن تصرفات بعض دعاة او أدعياء المهدوية، وهذا أعتبره استدارجا ماكرا، يمكن توظيفه سياسيا أو أمنيا عند الحاجة، كما أن هناك قرائن على وجود تنسيق ما؛ بين بعض الأدعياء المنسوبين للسنة، وبعض المروجين لمهدي الخرافة عند الشيعة، والغرض من ذلك أوضح من أن يوضح، فالشيعة يريدون الوصول لبعض مآربهم الإجرامية تجاه أهل السنة وتجاه أرض الحرمين، وهم راكبين ظهور من يعدونهم نواصب كافرين!

 

عاشرا:

عاصرت بنفسي في شبابي بين مكة والمدينة، أحداث ووقائع حادثة (جهيمان) منذ بدايتها المبكرة، وحتى نهايتها الدامية، وربما قبل أن يولد أكثر أدعياء المهدوية اليوم، فإذا هم يكررون نفس المقدمات التي ستوصل لذات النتائج، إذا لم تجد من يواجهها بالشرع ويناظرها بالعقل ..

 

حادي عشر:

قد تكون النية الصادقة متوافرة عند بعض من يخدعون في السنوات الخداعة ببعض الأدعياء .. ولكن من قال إن حسن النية يشفع مع الوجهة غير السوية، عندما تبنى على جراءات أو افتراءات، يمكن أن تتحول إلى تحركات خاطئة تتبعها تداعيات خطرة..

وهذا مايوجب النذير ، ويتعين معه النكير والتحذير..

 

حفظ الله الأمة من أخطاء المتأولين المتعجلين، وخطايا وأخطار المستهترين المتهورين..

 

(يتبع بإذن الله)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى