آراءمقالات

فقه التغيير

التغيير مسألة مهمة في  عالم اليوم، ذلك لأن التغيير هو الهدف من وجود المؤسسات والدول، ومن وجود فلسفة التربية والتعليم، فقبل كل تطور، يجب أن يكون التغيير، فالتطور تكتيك، والتغيير عملية إستراتيجية، ولكن مما يجب معرفته هنا هو أن التغيير من حيث الموضوع نوعان، إيجابي، وسلبي، ويذكر العلماء أن السكون ليس من مواصفات الحياة، فالتغيير هو الأساس، هناك تغيير إيجابي وهو الذي يعمل له الإنسان، ويضع له الخطط والأهداف، ويسعى إلى تحقيقه، فهذا النوع من التغيير يسمى (التغيير الإيجابي)، أما التغيير السلبي فهو الذي لا يعمل لأجله الإنسان، ودوما يكون ضد الإنسان، والقرآن يرفض وجود مساحة بينية، هناك تغيير نحو الأمام، وآخر نحو الوراء (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر).

 

حين نتأمل كلمة قالها نبي الله شعيب عليه السلام، نجد أن التغيير ليس عملية سهلة، وليست نزهة نحو الحياة، بل التغيير عملية صعبة ومهمة لصناعة المستقبل، ماذا قال شعيب عليه السلام كما حكى عنه كتاب الله (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب) في هذا المقطع نجد مشروع التغيير بشكل منهجي كما يريد الإسلام، وكلنا نعرف أن شعيب عليه السلام كان يسعى في  تغيير أفكار الناس حول الاقتصاد، والتجارة، والتجارة قبل أن تكون ممارسة، فهي أفكار وفلسفة، ولهذا تعجب قوم شعيب أن يتدخل نبي الله في شؤونهم التجارية، وقالوا له: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نفعل في  أموالنا ما نشاء، إنك لأنت الحليم الرشيد)، ومن هنا يجب أن نستنبط من هذا المقطع معالم المشروع التغييري:

 

أولا: لا تغيير بدون إرادة، فمن لا يريد لا يستطيع، ولهذا كان من الضروري أن تسبق إرادة التغيير على العمل، والإرادة ليست وجود نية صالحة فقط، فهذا ليس إرادة، فقد تكون أمنية، أو حلما، ولهذا قال شعيب عليه السلام (إن أريد إلا الإصلاح).

 

ثانيا: وجود العزيمة الصادقة، والقرار الحقيقي قبل العمل، فالتغيير بدون عزيمة، أو قرار صادق، ولا وجود لقرار صادق بدون إرادة، ولهذا جاءت الكلمة في هذا الحصر (إن أريد إلا الإصلاح)، أي ما أريد إلا الإصلاح.

 

إن الذين يقومون بعملية التغيير في  كل المستويات يعيشون مع التغيير فلسفة وممارسة، ومع كل الأعمار، فلا يتوقفون عن ممارسة التغيير، لأن التغيير ليس عملا مؤقتا مرتبطا بمرحلة، أو بزمن، أو مع جماعة، بل هو فلسفة في  الحياة.

 

ثالثا: لا بد من وضع الهدف من التغيير، فليس التغيير عملية عبثية، لا يسعى الإنسان في  صناعة التغيير لأجل التغيير، فلا بد من هدف واضح واقعي وقابل للقياس، ومن هنا قال شعيب عليه السلام (إن أريد إلا الإصلاح)، فكان نبي الله شعيب عليه السلام يسعى في  تغيير البنية العقدية لقومه (تصحيح العبادة والعقيدة)، وفي تغيير البنية المالية لقومه، فهذا عمل شاق في  قوم تقوم حياتهم على الغش التجاري، ويؤمنون بفلسفة الليبرالية غير العلمية (أو أن نفعل في  أموالنا ما نشاء).

 

رابعا: لا بد من دراسة الممكن، والمستحيل قبل العمل والتغيير، فابدأ بالممكن حتى تنجح، وابتعد من المستحيل حتى لا تيأس، والإسلام دعوة إلى المثالية ولكن من خلال الواقع، فالذين يعيشون في المثال فقط لا يتغيرون، والذين يرتبطون بالواقع فقط لا يحلمون، فلا بد من ربط الواقع بالمثال، ونبدأ التغيير من الممكن، ولهذا نجد شعيب عليه السلام وهو يقول: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت)، ونحن لدينا في الفقه الإسلامي، أن لا تكليف ما لا يُطاق.

 

خامسا: لا بد من طرح البرنامج الذي من شأنه صناعة التغيير (عليه توكلت) فالتوكل في  الإسلام من المفاهيم الأساسية التي يجب تصحيحها عند العامة من الناس، التوكل هو أخذ الأسباب، ثم العمل في  إنجاحها، وتقييم العمل بعد الأداء، وكل ذلك يدخل في باب التوكل (اعقلها ثم توكل).

 

سادسا:  إن المؤمن يعيش مع الله، ويتعلق مع السماء، والنجاح الحقيقي هو التوفيق من الله، وليس صناعة بشرية فقط، ولهذا فلا بد من الدعاء بالتوفيق والنجاح، ومن هنا نجد شعيب عليه السلام يؤكد هذا في  قوله (وما توفيق إلا بالله).

 

سابعا: إن المسلم لا ينسى الهدف الكبير من الحياة، وهو رضا الله، فلا. فائدة من نجاح في  الدنيا، وخسارة في  الآخرة (وإليه أنيب).

 

لقد طرح نبي الله شعيب عليه السلام في هذا المقطع القرآني  معالم المشروع التغيري، وكم يحتاج إلى هذا هذا النوع من الفهم شبابنا المسلم في العالم الإسلامي لأجل صناعة الأمل، وصناعة الأمل يتطلب صناعة مشروع التغيير، ومن لا يتغير يتقادم، ومن يتقادم يسقط من الحياة، ومن هنا يجب على الشباب السعي في تغيير عالم الأفكار، وبعدها يمكن تغيير عالم العلاقات، ويكون من السهل تغيير عالم السلوك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى