آراءأقلام حرة

د. عبد الرحمن بشير يكتب: فتاوى علماء السعودية حسب الطلب

قبل عقود خمسة، كانت السعودية في خلاف مع النظام المصري الذى قاده السيد جمال عبد الناصر، صاحب مشروع القومية العربية، والوحدة العربية، والذى أصبح الزعيم السياسي الذى استطاع أن يصنع التيار القومي في كل البلاد العربية، ولَم تستطع السعودية ومن معها من دول الخليج أن تتصدى، وتوقف هذا التيار إلا بمساعدة كاملة من التيار الإسلامي الذى قادة الإخوان المسلمون، ومن هنا وجدت في الإخوان المسلمين الهاربين من جحيم سجون مصر، وظلم النظام الناصري عونا فكريا، ورصيدا حضاريا، فكانت إذاعة القرآن الكريم في السعودية تنشر تفسير سيد قطب رحمه الله (في ظلال القرآن)، ووظفت كبار علماء الإخوان في جامعاتها ليكونوا اللبنات الأساسية في نهضة السعودية التعليمية، بل وكان كبار الإخوان هم الذين وضعوا مناهج التعليم، ومقررات التدريس في المراحل المختلفة، وكان من ثمار هذا بناء الإنسان السعودي والخليجي بناء إسلاميا، ولَم تستطع المناهج الإشتراكية والقومية التغلغل في الوسط السعودي والخليجي بفضل هذه المناهج والمقررات التى تمت وضعها من قبل خبراء الإخوان الذين هربوا من طغيان الظلم السياسي في مصر وسوريا والعراق.

الملك فيصل والإخوان

لقد أثنى الملك فيصل رحمه الله الإخوان كثيرا، ووصفهم بأنهم مجاهدون يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، كما وصف الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بأنهم أقرب الجماعات إلى السنة بعد أهل الحديث والسلفيين، وخرج من هيئة كبار العلماء ثناء على الجماعة، بل وتم التعامل معها حسب هذا، ورأينا أن كثيرا من الإخوان كانوا أعضاء في رابطة العالم الإسلامي، بل وكانوا نجوما في هذه الرابطة، كما كانوا كذلك قادة في الندوة العالمية للشباب الإسلامي ( كمال الهلباوى ) نموذجا، وعملوا في الجامعات السعودية مدرسين، وباحثين، وإداريين، وكان من هؤلاء الأستاذ محمد قطب رحمه الله، والشيخ محمد الغزالي رحمه الله، والشيخ سيد سابق رحمه الله، والشيخ مناع القطان رحمه الله، والدكتور زغلول النجار حفظه الله، وعمل في السعودية كذلك مقربون من الإخوان كالدكتور محمد سليم العوا، وغيرهم فكل هؤلاء خدموا السعودية، واستفادوا منها، وعملوا لأجلها، وكان علماء السعودية في هذا الزمن يعملون حسب الطلب، فما دامت الدولة السعودية راضية عنهم، فهم يكتبون الفتاوى والبيانات حسب الطلب، واليوم حين تغيرت السياسة تغيرت الفتاوى، ولهذا فهم ليسوا علماء يوقّعون عن رب العالمين، وإنما يوقَعون عن رب الدار، ومن هنا تجد فروقا كبيرا بين الموقفين.

 

لقد قرأت كتب الإخوان منذ نعومة أطفارى، وتعاملت مع أفكارهم عن قرب، فلم ألاحظ أبدا فكرة (الإقصاء)، ومنهج (التكفير)، فالإمام حسن البنّا أعلن منذ بداية تأسيس الجماعة البعد عن التكفير، وأنه لا يجب تكفير المسلم بمعصية، أو رأي، وكلامه في هذا واضح في رسالة التعاليم (لا نكفر مسلما أقرّ بالشهادتين، وعمل بمقتضاهما، وأدّى الفرائض برأي أو معصية، إلا إن أقرّ بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسّر القرآن على وجه لا تحتمله اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر)، وكتب المرشد الثانى للحركة الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله بعد أن نشأت فكرة التكفير في السجون كتابا مهما، وسماه (دعاة لا قضاة)، ومن هنا نجح هذا القائد أن يخرج الجماعة من ساحة القضاء كما فعل علماء السعودية، وتلك عادتهم مع المخالفين، ووضعها في ساحة الدعوة والتربية والتكوين، وبعد ذلك أصبح هذا الكتاب مقررا في حلقات الجماعة الداخلية حتى لا تقع في المهالك الفكرية والتربوية.

ظاهرة الغلو في التكفير

في وقت لاحق كتب العلامة الدكتور يوسف القروضاى حفظه الله كتابه البارز في هذا الميدان (ظاهرة الغلو في التكفير)، فكان دراسة جادة، وخطوة علمية في هذا الباب، بل وكان هذا الكتاب من الدراسات التى أنقذت جيل السبعينيات من آفة التكفير، ولَم يتوقف العلامة يوسف القرضاوي عند هذا الحد، بل واصل الليل بالنهار، فأصدر كتابه الجاد في هذا الباب (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف)، وكان هذا الكتاب كذلك خطوة علمية في دراسة ظاهرتي التطرّف والتمييع، ثم كتب الشيخ كتبه حول الوسطية وفقهها، وموقف الإسلام من الإرهاب، وكل ذلك من ثقافة الإخوان، ونحن نعرف أن السعودية حين أرادت مواجهة فكرة التطرّف استفادت بشكل ممنهج كتب الشيخ يوسف القرضاوى، والشيخ محمد الغزالي، كما أن الجماعات الإسلامية في مصر استفادوا من أفكار الشيخ يوسف القرضاوي حين راجعوا أفكارهم المتشددة، ولهذا نحن نؤكد بأن الإخوان هم أبعد الناس من فكرة التكفير والإرهاب، بل وكان بعض هؤلاء العلماء في السعودية يصنفون فكرة الإخوان بالترخص والتمييع في لحظة من لحظات التاريخ.

 

محطة مهمة في تاريخ السعودية

 

لماذا هذا التوقيت في إصدار الفتوى الخالية من لغة الشرع، ورصانة منهجية العلماء، والقريبة من البيانات السياسية؟ ولماذا سكت هؤلاء عن الصور المسيئة للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام؟ ولماذا تغيرت الفتاوى حول التطبيع؟ ولماذا لم يتكلموا عن الذين يسيئون إلى منهج أهل السنة كتركى الحمد الذى أعلن بأن صحيح البخاري متناقض لكتاب الله؟ ولماذا يخافون مواجهة أفكار تركي الحمد الكفرية؟

ابن سلمان يخاف من بايدن

هناك من يربط المسألة بالسياق الزمني، وهو أن محمد بن سلمان يخاف من (بايدن) الديمقراطي، بعد خسارة ترامب الجمهوري، والذى أعلن سابقا بأنه لن يترك دم جمال خاشقجى بلا متابعة، وهناك إسلاميون وليبراليون سعوديون أعلنوا تكوين حزب سياسي من شأنه العمل في السعودية، ولهذا فالرجل القوي في الحكم السعودي يحارب فكرة تكوين الأحزاب، والعمل للوصول إلى السلطة من خلال عمل جماعي منظم، وهناك من يربط المسألة بالسياق الفكري، فكأن الرجل يقول للغرب، فالخطورة ليست في الدولة السعودية، ولكن الخطورة في الإسلام السياسي، ولهذا فهو يتقاطع مع سياسات دولة النمسا من جانب، وتوجهات ماكرون الفاشلة من جانب آخر.

الإخوان حركة سياسية ذات مرجعية إسلامية

لقد درس الغربيون فكرة جماعة الإخوان (بريطانيا وأمريكا) نموذجا، وكتبوا تقارير مهمة، ولكن الجميع اتفقوا بأن الإخوان حركة سياسية ذات مرجعية إسلامية، وليس حركة تمتهن الإرهاب فقها وسلوكا، ولكن هؤلاء العلماء الذين يعلمون قبل غيرهم بأن علماء الإخوان الذين تتلمذوا على أيديهم بأنهم بريئون من لوثة الإرهاب كبراءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب، ولهذا لم يجدوا من علماء العالم، ولا من الشعوب الإسلامية تجاوبا، بل كان التجاوب الوحيد من قبل وزارة الخارجية الإسرائيلية، وهذا وحده يكفي للرد على هذه الفرية.

 

انتهت محطة آل سعود مع الدين، وبدأت محطة الخروج الممنهج من عباءة الدين، ولهذا يخطط محمد بن سلمان قتل ما يسمى هيئة كبار العلماء، ويريد من وراء ذلك بأن يبتعد الجيل الحاضر من الإسلام، ولهذا يرى كثير من المراقبين بأن ظاهرة الإلحاد منتشرة بشكل ملحوظ في السعودية، والسبب هو وجود هذه النوعية من أهل العلم، والذين يقولون الرأي وضده في السياق ذاته، وينسون بأن للناس ذاكرة، ولهذا قال بعض الناس : لو تكذب على الناس كن ذاكرا، فهذه المجموعة تنسى بأنها كانت تثنى على جماعة الإخوان، واليوم تؤكد بأنها على الباطل منذ التأسيس.

 

لقد اجتمع في شخصية محمد بن سلمان الخوف من الديمقراطيين، ومن الإسلاميين، ولهذا أراد أن يستعين ببعض العلماء الذين فقدوا الشارع من زمن بعيد، فالمنابر التى سكتت في زمن الهجوم على الذات المحمدية، ولَم تتكلم في التطبيع مع الكيان المغتصب، رفعت صوتها في سب العلماء الذين يدافعون عن دين الله، وشريعته، وعن حرية الأمة وحقوقها في مصر، وفي اليمن، وفي السعودية، وفي كل مكان، وهم الآن في سجون الطواغيت، وفي المنافي، وقد صدق من قال: إذا أردت أن تعرف أصحاب الحق فانظر سهام الأعداء إلى أين تتجه؟

الإخوان ليست الآن فرقة دينية

إن جماعة الإخوان ليست الآن فرقة دينية، وليست كذلك طائفة سياسية، بل تحولت مع الزمن إلى تيار فكري واسع، ومدرسة فكرية عالمية، فهي تقود بلادا، وتشارك الحكم في بلاد أخرى، كما أنها تمثل معارضة قوية في بلاد في حين تمثل روحا دعوية، وفكرة إصلاحية في بلاد اخرى، إنها ليست فردا، ولا حتى جماعة، بل هي مدرسة فكرية، وليس من الذكاء السياسي محاربة الإخوان بالبيانات، ولا بالفتاوى، لأن هذه المحاولة فشلت في زمن عبد الناصر، فذهب الطاغية، وبقيت الجماعة، فمن أراد أن يحاربها فليحاربها بشجاعة، إنها فكرة تبلورت مع الزمن، فأين البديل؟

 

لقد شاهدت قريبا برنامجا حواريا من قناة الخليجية، فكان نجم البرنامج أحد الأكاديميين السعوديين، فقد قال: إن الجماعة تقوم على أصول خمسة، فذكر منها، أنها جماعة تقوم على التنظيم، وعلى الفكرة، وعلى القوة البشرية، وعلى القوة المالية، ثم تساءلت أنا: ما العيب في ذلك؟ فعرفت السر، لأن السعودية تريد شعبا بلا تنظيم سياسي، وبلا عالم أفكار، لأن هذا يساعد على حكمهم بسهولة، ولكن العجب هو أن يتم هذا الحوار في القرن الواحد والعشرين، وفي قناة محترمة، وحينها عرفت السر الذي يجعل محمد بن سلمان، ومحمد بن زايد يخافون من الإخوان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى