آراءبحوث ودراسات

د. عبد الرحمن بشير يكتب: المستقبل السياسي لـ«العالم الإسلامي»

د. عبد الرحمن بشير

لدينا في العالم الإسلامي ثلاثة أمور مهمة في عالم البناء الحضاري، ولكن في  غضون الثورة المضادة، والمعركة الحرجة ضد الأمة ينسى كثير من الناس وجودها، ومن هذه الأمور الثلاثة المهمة:

 

القوة البشرية

 

أولا: القوة البشرية التي تزداد بشكل أساسي، فالإسلام اليوم هو الديانة الثانية من حيث العدد، والأولى من حيث الانتشار، ذلك لأنه دين يملك الحجة والدليل، وسيصبح في  غضون عقدين من الزمان الديانة الأولى في  العالم، وبهذا يملك المسلمون القوة البشرية ذات القابلية للانتشار  الواسع، بينما الغرب يخاف من الانحسار والتراجع بسبب قلة المواليد، واهتزاز مكانة الأسرة عنده، انظر مثلا كتاب (موت الغرب) ففيه حكمة بالغة، وحجة دامغة في  تراجع عدد المواليد في  الغرب، وتكاثر عدد المسلمين بشكل ملحوظ.

 

الوعي لدى المسلمين

 

ثانيا: الوعي لدى المسلمين في هذه اللحظة جيد، فليسوا كما كانوا في بداية القرن العشرين ونهاية القرن التاسع عشر حيث كانت الأمية هي سيدة الموقف، ولكن الأمر تغير كثيرا جدا، فهناك وعي سياسي متعلق بالوعي العام المرتبط بمستوى التعليم الموجود في الأمة.

 

إن أغلب الناس في العالم الإسلامي يعرفون اليوم شيئا من اللعبة، وهذه نقطة مهمة، ولهذا يرى غالب المفكرين بأن الحل هو فهم المحيط، وخيوط اللعبة، ومن هنا نرى بأن الوعي الموجود عند الأمة شرط أساسي في  التغيير، ومواجهة التحديات.

 

نخب تواجه التحديات

 

ثالثا: وجود نخب من شأنها مواجهة التحديات بشكل علمي، فهذه النخب لا تملك كثيرا من المال، ولا كثيرا من الأدوات، ولكنها تملك قوة في  الدليل، وضميرا حيّا، ولهذا ترى بأن هذه النخب تلعب اليوم دورا فاعلا في بعض الأجهزة الإعلامية القليلة التي تحارب الثورات المضادة، وتواجه الإعلام الذي يلعب دور سحرة فرعون.

 

إن البشرية اليوم تمرّ لحظة صعبة من حيث البقاء الحضاري، فالغرب ليس قويا كما كان، ذلك لأن أوربا تعيش مرحلة الشيخوخة الحضارية، ولا تملك أن تكون شرطة عالمية، أو أن تلعب دورا محوريا، فقد انتهى هذا الزمن سياسيا، واقتصاديا، كما أن أمريكا اليوم تشكو من حالات اختراق خارجي في  سياساتها الداخلية، ولأول مرة يسمع العالم أن رئيس أمريكا يتحدث عن خوفه بتزوير الانتخابات، وأنه لن يترك من السلطة ما لم تكن الانتخابات سليمة من التزوير مما يجعلنا نتساءل، هل نحن في  العالم الثالث حيث التزوير هو سيد الموقف في الانتخابات؟ أم هناك تغييرات بدأت تغزو العقل الأمريكي، وانتهت مرحلة السيادة، وتبدأ كما يرى كثير من المحللين مرحلة الانحدار.

 

ومع كل ذلك، ما زال الغرب يملك ثلاثة أمور لقيادة العالم، وما زال يحارب أن تكون هذه الأمور الثلاثة بيده حتى لا تنتقل القيادة منه، ولهذا يجب أن نعرف الأمور الثلاثة التي تسمح له الاستمرار علي القيادة وهي:

 

السلاح

 

أولا: السلاح، فالقوة التي بها يحكم الغرب العالم هو احتكاره لصناعة السلاح، وخاصة النوعي منه، فلا يُسمح لقوة غير غربية أن تملك السلاح النووي مثلا، ومع هذا هناك دول خرجت من هذا الطور، ودخلت في  نادي السلاح النووي، وهناك دول تحارب لأجل الدخول في  هذا الميدان (إيران) نموذجا، ولكن الذي يجب معرفته أن السلاح النووي وغيره من الأسلحة النوعية ما زال  بيد الغرب.

 

القرار الدولي

 

ثانيا: القرار الدولي، فالغرب العلماني، والمسيحي بكل المذاهب هو الذي يملك حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، ومن خلال هذه اللعبة يقود الغرب، وما زال العالم، ذلك لأن العالم ما بعد سقوط الخلافة العثمانية حكمت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، وبتخطيط من القيادة الأمريكية آنئذ، ومن القيادة البريطانية انتقلت القيادة إلى الولايات المتحدة، والتى ما زالت تقود القرار الدولي من خلال الهيئات الدولية حينا، ومن خلال القرارات الانفرادية أحيانا أخرى.

 

احتكار التكنولوجيا

 

ثالثا: احتكار التكنولوجيا، فالغرب يحاول بشكل ممنهج عدم انتقال المعرفة النوعية إلى غيره، وهذا في عصر الانفجار المعرفي غير ممكن، ولكن الذي نعرفه أن الغرب لا يقبل أن تنتقل المعرفة إلى غيره، ولهذا نجد اليوم المعركة الوجودية بين الولايات المتحدة والصين في  عالم التكنولوجيا الحديثة، وهناك دول إسلامية دخلت في  عالم المعرفة (تركيا) نموذجا، ولكن الغرب يريد أن يُدخل تركيا معارك كثيرة تلهيها من الهدف الأساسي، واليوم اندلعت حرب شرس في  أرض القوقاز بين الأذريبيجان وأرمينيا، وهذه جبهة أخرى فتحت على تركيا لأجل إلهائها.

 

وهناك أمر رابع يجب الالتفات إليه، وهو احتكار منابع الاقتصاد العالمي، فالمال ما زال بيد الغرب، وهو يريد أن يتحكم، ومن خلاله يقود العالم، ولكن السؤال هو إلى أين يسير المسلمون؟

 

إن العالم الإسلامي يعيش مرحلة استثنائية، فالقيادة في  هذا العالم إلا من رحم ربك ليسوا على المستوى المطلوب، ولا يستطيعون هضم متطلبات المرحلة، ومع هذا، هناك قيادة نوعية في  العالم الإسلامي لديها مشروع سياسي، هناك تركيا وباكستان وماليزيا في عالم الإسلامي السني، بل لدينا في  العالم الإسلامي السني العربي قيادة مؤهلة لمواجهة التحديات، ولكنها محاربة من القيادة الحالية (الدولة الوظيفية) ومن هنا يجب معرفة ما يلي:

 

الدولة الوظيفية

 

أولا: إن الخطورة لا تكمن فقط في الغرب المهيمن، بل الخطورة في الدولة الوظيفية (الإمارات والسعودية) نموذجا، ومن هنا يجب بناء فقه (العقد السياسي) فالدولة ليست منحة، بل هي نتيجة تفاهمات فكرية وسياسية بين الأطراف، ولهذا يجب تجاوز مرحلة دولة الوظيفة، وبناء دولة العقد، والمسلمون اليوم من خلال نخبه المؤثرة متجهون نحو هذا الفهم.

 

لا للديمقراطية

 

ثانيا: أن الغرب لا يقبل وجود ديمقراطية في العالم الإسلامي، ذلك لأن الديمقراطية الحقيقية في  العالم الإسلامي كما يرى كيسنجر وغيره من الإستراتيجيين الغربيين تأتى بالإسلاميين والوطنيين الحقيقيين، والغرب يريد تبعية، وليس مستعدا للتعامل مع هذا العالم بالندية.

 

مرحلة ما قبل الانفجار

 

ثالثا: إن بقاء العالم الإسلامي تحت السيطرة ليس من الممكن، بل من المحتم أن الناس في  العالم الإسلامي يعيشون مرحلة ما قبل الانفجار، ولهذا يجب أن يخطط النخب كيفية الخروج من ورطة الخروج من مربع الاستبداد، فالغرب ومعه الدول الوظيفية يعملون لتحقيق هدفين، إما البقاء تحت سلطة مطلقة، والسلطة المطلقة فساد مطلق، أو الفوضى الاجتماعي، والفراغ السياسي، ولهذا يكون من الذكاء العمل لصناعة عالم ما بعد الاستبداد.

 

الأرضية الفكرية لبناء العقل

 

رابعا: هناك قوى في العالم الإسلامي تمثل الأرضية الفكرية لبناء العقل، ولكن من خلال (الدجل) الإعلامي، لا يكون هذا الصوت مسموعا بشكل جيد، ومع تلك الحقيقة ، فهذا الصوت بما يملك من قوة في  الحجة والدليل، وبما يملك كذلك من حضور في الساحة يصنع جبهة فكرية وسياسية تعمل في  صناعة العقل المتمرد والرافض للاستعمار والاستحمار معا.

 

قوانين تحكم الحياة

 

خامسا:  لدينا قوانين تحكم الحياة، وسنن ربانية لا تحابى أحدا، فهذه السنن هي القواعد التي تحكم الحياة، وتضبط مسار الأحداث، وهي التي توصل إليها المفكر السياسي ابن خلدون في  كتابه (المقدمة)، وشرح بعض أفكارها المهمة المفكر الإستراتيجي مالك بن نبي حيث تحدث عن الأفكار القاتلة، والأفكار الميتة، فنحن اليوم، ومن خلال القواعد والسنن نرى أن بداية سقوط الأنظمة ماضية، ذلك لأن الحكام حين يتجاوزون كل الحدود، ويظنون أن بإمكانهم فعل كل شيء، حينها تبدأ رحلة العودة من جديد، وبداية مرحلة السقوط (كلا، إن الإنسان ليطغى. أن رَآه استغنى. إن إلى ربك الرجعى).

 

الموجة الثانية من الربيع العربي

 

سادسا: بدأت الموجة الثانية من الربيع العربي، وبدأ المصريون يكسرون حاجز الخوف، وهذا يدل على أن الموجة الثانية قد تكون خطيرة، لأنها أولا ليست من النخب، بل هي من الشعب العادي الذي شعر الظلم، وأنها ثانيا جاءت بعد مرحلة الشعور بأن الموت والحياة شيئ واحد بالنسبة لهم.

 

لقد فشلت الثورة المضادة في مصر، وفي ليبيا، وفهم كثير من اليمنيين اللعبة التي يلعب بها السعوديون  والإماراتيون، وأن وجودهم في  اليمن لم يكن دفعا، ولا دفاعا، بل كان خطة في  إفشال الثورة اليمينية، ولهذا نجد الإمارات تلعب دورا محوريا في هدم الدولة اليمنية، كما أن السعودية تلعب دور القطة مع الفأرة، ومن هنا نجد اليوم صحوة يمنية ذات مستوى عال في  محاربة الاستعمار الخليجي لليمن، وهذا أيضا دليل آخر على فشل الثورة المضادة.

 

إن مستقبل العالم الإسلامي مرتبط بمدى نجاح النخب الفكرية والسياسية الراشدة في رفع المستوى الفكري للأمة، كما أنه يرتبط بشكل أساسي مدى نجاح مشروع أردوغان في صناعة عالم إسلامي جديد يتمثل بالدول ذات الثقل الجماهيري، والتي تملك نوعا من السيادة الحقيقية لقرارها، كما أنه كذلك مرتبط بمدى نجاح الموجة الثانية من الربيع العربي، والحديث عن الثورات في العالم بحاجة إلى قراءة مركزة للثورات العالمية، والتي مرت تجارب عدة، ومحطات مختلفة، وعبر موجات متعددة، والعالم الإسلامي ليس بدعا من ذلك، فالسنن التي تحكم الحياة واحدة.

 

إن السكون ليس علامة جيدة في الحياة، فهو علامة الموت، وإن الحراك علامة صحة، لأنه دليل الحياة، فالسكون الموجود في الخليج مخيف، ولكنه ليس سكونا حقيقيا، بل هو سكون مصطنع، وسينتهي قريبا، فالشعوب تمرض، ولكنها لا تموت وخاصة الشعوب المسلمة، والحراك السياسي في  مصر، والذي بدأ بعد سكون دام سنوات سبعة دليل على حيوية الأمة، والخوف من تركيا كقوة صاعدة دليل على صناعة التاريخ من جديد، والحديث عن صناعة عدوّ محتمل (إيران) بدل الأعداء الحقيقيين دليل آخر عن تخبط مشروع الثورة المضادة، ولهذا فالمستقبل يصنع من تداخل السكون المصطنع، والحراك السياسي، أي من تداخل عوامل الخوف من المستقبل، والأمل في  صناعة المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى