آراءأقلام حرة

د. عبد الرحمن بشير يكتب: أن يكون المسلم مواطنا كنديا

أليس من العجب أن يحصل مئات الآلاف من المسلمين الجنسية الكندية، ويحصلون تلك الجنسية عبر قنوات قانونية في حين لا يمكن لأحدهم الحصول للجنسية السعودية، أو أية دولة في الوطن العربي، ويتم ذلك ومنابرنا في المساجد تعجّ بأصوات لا تنقطع الحديث عن الأخوة في الله، أو الحديث عن الولاء والبراء، أو أن الحدود التي بين الدول صنيعة استعمارية؟ !

 

أليس من العجب أن يأتي إلى كندا مئات من أبناء الدول في الخليج يبحثون عن المواطنة هنا في كندا، ويهربون من بلاد النفط والخيرات؟ أليس من الغريب أن يكون في القرن الحادي والعشرين بشر من الناس يعيشون حالة خاصة غير شرعية، ويسمى عند بعض الدول (بدون) كما في دولة عربية وإسلامية بدون ذكر الأسماء؟ هل تدرون أو لا تدرون أن بعضا من هؤلاء وصلوا إلى كندا، وتم منحهم الجنسية الكندية مراعاة لظروفهم الإنسانية؟ !

 

أليس من الخجل أن يعيش في كندا آلاف من الناس جاءوا إلى هذا البلد فارّين من ظلم ذوى القربى، ثم يقولون عن كندا، (بلد القانون والحريّة)، أنه بلد الضرورة، فهل الضرورة أن تعيش في بلاد العذاب أم الضرورة أن تعيش في بلاد العدل والأمن؟ أليس من العجب أن يغادر الناس بلاد البترول ويأتون إلى بلاد الثلج للعيش؟ !

 

إن الإنسان ليس بقرة ترغب علفا وعيشا، ولكنه ليس كذلك ملكا من السماء لا مطالب جسدية له، فهو يريد أولا أن يأكل علفا، ومع ذاك فهو يبحث علفا ومعه الكرامة، والعيش ومعها الحرية، فلا يمكن له أن يكون بقرة أبدية، أو ثورا أبديا في الحظيرة، ولهذا فهو يريد أن يعيش في بلد يقدّر قيمته الآدمية أولا، ويستمع إلى شكاواه، وينفذ له برامج تجعله إنسانا لا يعيش في خظيرة، بل في وطن.

 

أن يكون الإنسان المسلم كنديا أسهل بكثير في أن يحصل الجنسية السعودية (الحظيرة السعودية)، فقد التقيت قبل شهور هنا مواطنا من الصومال، عاش في السعودية وعمل فيها عقودا ثلاثة، ومارس العمل فيها كمهندس، وبنى هناك أسرة، ولديه أولاد، وكلهم حين وصلوا إلى المرحلة الجامعية، رفضت الدولة السعودية منحهم الدراسة الجامعية، فانتقلوا من السعودية، وفرّوا من القرية الظالم أهلها، وتدافعت الأسرة إلى كندا حيث وجدوا فيها الأمن والأمان، وتم منحهم الدراسات الجامعية لمن وصل، وتم استيعاب الآخرين في مراحلهم الدراسية، ومُنحوا سكنا، وعلاجا، أي الفريقين أحق بالأمن والعدالة؟

 

أن يكون الإنسان المسلم كنديا أسهل بكثير من أن يكون مواطنا في بلد عربي، فلا تسمع في كندا إلا قليلا من يسألك فيها، من أين أنت؟ ولا يمكن أن يعيب أحد لونك المختلف، أو شكلك المخالف، أو ديانتك، بل كل ذلك يعتبر قانونا (عنصرية)، ولا يمكن أن تسمع هنا في كندا (الكفالة)، فلا وجود لنظام الكفيل، الدولة وحدها هي التي تمنح حق اللجوء السياسي، أو حق العيش في كندا، وبعدها، فالكل هنا يتساوون، فلا يتفاضلون، والعجيب أن جميع أبناء الوطن يدرسون في مدارس واحدة، وكذلك الأجانب الذين يعيشون في كندا بقانون، ليس هناك مدرسة لأبناء الحكام، ولا لغيرهم، ولهذا يتقاطر الناس المجيء إلى كندا.

 

استقبل رئيس وزراء كندا السيد ترودو أبناء سوريا الفارّين من عذاب (بشار الأسد)، ومن براميله المتفجرة، وكذلك من الجهاديين الذين تمّ صناعتهم في المناهج الخليجية، وصاروا فيما بعد قنابل بشرية متفجرة، فقد فرّ الآلاف من سوريا، ولَم يحصلوا بلدا عربيا يستقبلهم، فذهب الآلاف، بل منهم (مئات الآلاف) الذين وصلوا إلى تركيا، وبعضهم ذهبوا إلى ألمانيا، وقد وصل منهم الآلاف إلى كندا، فاستقبلهم رئيس وزراء كندا كالأبطال في المطار، وأنشد التلاميذ لهم النشيد الإسلامي (طلع البدر علينا).

 

في سوريا يُقتل الشعب، والقاتل هو عربي وفارسي، ولكن لماذا يقتل؟ لأن أبناء سوريا قالوا نريد حرية، وعيشا كريما، وقرروا أن يخرجوا من الحظيرة، ولكن صاحب الحظيرة من (آل الأسد) قرّر هو الآخر أن يعيدهم إلى الحظيرة بالقوة، وحين لم يتمكن له ذلك دعا إيران وروسيا لتدمير بلده وشعبه لأجل الكرسي، فدمّر هؤلاء البلاد، وشرّدوا العباد، وعرف الناس أنهم في البيداء لا معين لهم، فامتدت إليهم يد من تركيا، وأخرى من ألمانيا، وثالثة من وراء المحيط من كندا، ولكن الأيدي العربية في الخليج، وخاصة في السعودية رفضت أن تكون ممدودة نحو الإخوة في العروبة والدين، بل ووجدنا منهم من سافر إلى مخيمات اللاجئين لأجل الحصول على بنات الشام اللواتي يعشن في العذاب المهين.

 

في كندا، لا يمنح الجنسية الملك، ولا الحكومة، ولكن الذي يمنح الجنسية هو القانون، فهناك قانون الجنسية، ومن فوقه العهد الدستوري، فلا سلطة فوق الدستور، ولهذا ينتظر كل إنسان المدة المقرّرة للحصول، فيحصل حينئذ الجنسية قانونا، ولا يمكن سحب الجنسية من أحد إلا بقانون، والقانون هنا ليس مزاجيا، بل هو موضوعي، والذين يعيشون في بلاد الحظائر السياسية لا يمكن لهم استيعاب ما نقول، لأنهم يعيشون في خارج السياق، فهم وأولادهم وبيوتهم وممتلكاتهم منحة من الملك، أو منحة من ولي الأمر الذي وصل إلى درجة العصمة وفق الفتاوى العجيبة، فهو يسرق متى شاء، ويزنى في العلن إن شاء، ولكن الشعب ليس من حقه أن يتكلم، ذلك لأن الشعب وفق هذه الفتاوى حيوانات في الحظائر.

 

في يوم الجمعة الماضي 17 يناير 2020، تم منحى الجنسية الكندية مع مجموعة كبيرة من جنسيات مختلفة، وكانوا من أمريكا الجنوبية، ومن أقصى القارة الآسيوية، ومن القارة الأفريقية، والعالم العربي، فقد خاطبتنا قاضية كندية من أصل لبناني بلغة قانونية وسياسية، فقد قالت لنا بوضوح: أنتم الآن لستم كنديين، ولكنكم بعد قليل ستصبحون مواطنين كنديين بعد القسم المخصص لهذا وفق قانون الجنسية الكندي، ولستم عالة على كندا، بل سيستفيد منكم الشعب الكندي الذى سوف تصبحون جزءا منه قريبا، فأنتم مواهب بشرية مختلفة، وكندا بحاجة إليكم، كما أنتم بحاجة إلى كندا، وتحدثت كذلك إلى أنها مرّت مثل تجربتنا، فكانت يوما ما غير كندية، ولكنها اليوم تمنح الجنسية الكندية حسب القانون، وتحدثت إلي بشكل خاص، فقالت لى: أنت الآن مواطن كندي، فيجب أن تستخدم مواهبك لأجل كندا، وتستفيد من كندا، فأنت في بلد الفرص، فقلت لها، نحن هنا في وطن القانون والحريّة، وأنا أحب سيادة القانون والحريّة، وابتسمت ابتسامة عريضة، لأنها تعرف المنطقة التي ننحدر منه سويا.

 

عشت في كندا سنوات عدة، ولَم أشعر يوما واحدا أنني لست مواطنا، واليوم بعد أن حصلت الجنسية الكندية شعرت بأن الوطن العظيم ليس عظيما، لأن جغرافيته واسعة، أو لأن إمكانياته المادية رهيبة، ولكن الوطن يكون عظيما بالقيم التي تحكم حياة الناس، فالإنسان هنا لا يخاف من البوليس كبلادنا، ولكنه يخاف من الضمير، والضمير هنا إسلاميا (التقوى)، وعلمانيا (احترام القانون)، فمن كان محترما للقانون يعيش في كندا سالما، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والناس هنا في كندا يذهبون إلى مساجدهم بدون تحريات بوليسية، ولكن الأمن الكندي يقظ بدون شك، ويتلذذون بالعبادة في المعابد، لأنهم يشعرون أنهم ليسوا في حظائر، بل هم في وطن، وهناك من يذهب إلى الكنيسة، ويستريح في عبادته بدون خوف من الإرهابيين الذين يقتلون عباد الله في الكنائس، وفي كندا ملايين من البشر لا يذهبون إلى المعابد، بل ليس لهم دين، ولكنهم يعيشون في أمن وهدوء، والسبب هو القانون، وسيادة القانون، ودولة التراضي، فهل يمكن أن يفهم العرب والمسلمون أن دولة العدل أفضل من دولة المعابد بلا عدالة؟

 

أن تكون مواطنا في دولة عربية أو إسلامية يعنى أنك في حظيرة لأحدى الأسر الحاكمة، وأن تكون مواطنا في كندا يعنى أنك مواطن من حقك أن تترشح لأي منصب، فهذا حق قانوني،والعجيب أن هذا الحق مكتسب من أول يوم، فالمواطنة في كندا تكليف وتشريف، وليست منحة من أحد، فلا يمكن لأحد أن يفتخر أنه هو الذي منحك، ولهذا شكرت في كلمتي القانون والدستور، وليس لمن هو في السلطة، فالعظمة للذين قاموا بتأسيس هذا القانون، والخزي كل الخزي للذين يستعبدون الناس في الشرق الأوسط، وفي القرن الأفريقي باسم الدين، أو باسم الوطنية، والدين والوطنية منهم بريئان براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام.

[ad id=’435030′]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى