آراءمقالات

أغان تندد بـ«الاستبداد»

Latest posts by د. سعيد إسماعيل علي (see all)

لا يتضمن «الاستبداد» فقط أعمال تعسف وقهر من قبل نظام يقوم في بعض المجتمعات، ولا على ظلم ينال أفرادا، وإنما هناك دائرة أخرى أوسع، تتضمن ما كانت تقوم به نظم استمعارية من نهب وسوء استغلال، وممارسات لا إنسانية لقهر الشعوب المغلوب على أمرها..مما كان دافعا لبعض الفنانين أن يتشدوا بعض أغان تندد بصور قهر هذه القوى .

 

ولعل استخدام الغناء في التنديد بالظلم ومساندة المظلومين، أقوى كثيرا من عشرات الكتب، حيث يعم السماع معظم الناس، بغض النظر عن معرفة القراءة والكتابة، في مجتمع كانت تشيع فيه الأمية، فضلا عما هو بالأغاني والأناشيد من أنغام موسيقية، وصوت يمتلك إمكانات صوتية تدلف بالكلام إلى القلوب، عن طريق السماع..

 

ولعل أول ما سمعت في هذا الشأن، ما تغنى به محمد عبد الوهاب، تعبيرا عن الاحتجاج على أعمال وحشية ارتكبتها فرنسا، عقب الحرب العالمية الثانية في دمشق، وهى القصيدة التي عرفت بـ«دمشق» ..وفيها «ودمع لا يكفكف يا دمشق»، وكذلك: «دم الثوار تعرفه فرنسا  وتعرف أنه نور وحق»، وكل القصيدة تجمع بين شعر يقطر دما، وصوت شجي يدلف إلى القلب بسرعة، ولحن يعبر تعبيرا صادقا عما داهم سوريا الحبيبة من قهر وطغيان فرنسا..

 

وما زالت أذني تتذكر، في صورة باهتة، نشيدا أنشده محمد الكحلاوى، أواخر الأربعينيات من القرن الماضي على وجه التقريب، تحتفظ ذاكرتي بقوله:

يا ابن الخطاب يا عمر.. أرض الإسلام (وربما العروبة) في خطر..

واختفى هذا النشيد، حيث هو دعوة صريحة للاحتجاج على ظلم عام كان -ولا يزال- يهدد الأرض العربية من قوى نهب وطغيان، تتمثل فى دول غربية استعمارية، فضلا عن الحركة الصهيونية..

 

كذلك، تغنى عبد الوهاب بما حدث لفلسطين المنهوبة، وقت استعار الحرب بين العرب والصهاينة، عام 1948، بقصيدة تسمت بالاسم نفسه ( فلسطين)، جاء فيها:

أخي جاوز الظالمون المدى    فحق الفداء وحق الفدا

 

والظالمون هنا هم الصهاينة، حيث قاموا بسرقة وطن بأكمله، مما يعد أبشع وأعتى صور ظلم جماعى شهده التاريخ الحديث، وما لحق بهذا من تشريد ملايين الفلسطينيين، وإن كانت القصيدة، قد أصيبت بمالغة مؤلفها، حيث لم تكن الحقائق السياسية الحقيقية في متناول الرأي العام، كما هو العادة، ومن هنا قال الشاعر:

طلعنا عليهم طلوع المنون   فصاروا هباء وصاروا سُدى

 

وهو عكس ما حدث، بكل الأسى، وكل الخجل!!

 

ويلحن عبد الوهاب نشيدا ألفه الشاعر كامل الشناوي، يشكو فيه ما كان زمن الملك فاروق من ظلم وطغيان، فقال:

أنت في صمتك مكره..أنت في صبرك مُرغم..

عِرضك الغالي على الظالم هان..إلخ

 

لكن تم منع إذاعة النشيد، فلما شهدنا قيام دولة يوليو 1952، غيّر الشناوي صيغة المضارع، ليجعلها صيغة ماض، فأصبحت: كنت فى صمتك مكره..إلخ، فجاء ذلك على هوى السلطة الجديدة، فروجت للنشيد..بل وجعلت موسيقاه، هى مقدمة نشرات الأخبار في الإذاعة..

 

وقد أصبح هذا نهجا مؤكدا..استحالة أن تسمح السلطة القائمة بنشيد أو أغنية تندد باستبداد عام، لكنها تسمح بأن يندد بفترة سابقة.. وهكذا

 

ومن ثم، لما كتب عبد المنعم السباعي،عند قيام دولة يوليو، نشيده:

إن فات عليك الأسى…والظلم فيك احتار

بين الصباح والمسا..إنده على الأحرار

 

طبعا كان قصد المؤلف، فترة ما قبل يوليو، ورغم أنه أصلا كان ضابطا، إلا أن أولى الأمر، يبدو أن تملكتهم خشية أن يكون النشيد دعوة لمن يريد الثورة  في أي وقت: «إنده على الأحرار»، فتم منع إذاعته..

 

والشيء نفسه حدث لأغنية لعبد الوهاب، فى فرصة فريدة، عندما غنّى أغنية ضمن تمثيلية عن الظلم والمظلومين اسمها «الصبر والإيمان..دول جنة المظلوم..»، حيث خشي المسئولون أيضا، أن يفسر السامعون ما تضمنته الأغنية تطبيقا على صور حاضر، به صور ظلم واستبداد، فتم منع الأغنية !!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى