آراءبحوث ودراسات

د. زينب عبد العزيز تكتب: معني الحوار بين الأديان

د. زينب عبد العزيز
Latest posts by د. زينب عبد العزيز (see all)

لقد تزايدت في الفترة الأخيرة الأخبار والكتابات حول “الحوار بين الأديان”، وتولى الأزهر إقامة المؤتمرات ورتب لمؤتمر في مطلع هذا العام، دعي إليه بكل أسف البابا فرانسيس، وأقول “بكل أسف” لما يقوم به ذلك البابا من محاولات مستميتة لتنصير العالم. فهو مثله مثل الباباوان السابقان وثلاثتهم مجبرون على تنفيذ قرارات مجمع الفاتيكان الثاني، الذي حدد “الحوار بين الأديان” كوسيلة لاقتلاعها لتنصير العالم.

يقبل القرآن.. ويقتلع الإسلام.. منتهي النفاق

ولا يسع المجال هنا لنورد كل المراجع الكنسية التي تتضمن شرحاً لمعنى: “الحوار” من وجهة النظر الفاتيكانية أو توجيهات لكيفية تنفيذه، لكنَّا نشير إلى أهم هذه الوثائق. ففي شهر ديسمبر عام 1984 أصدر البابا يوحنا بولس الثاني نصا إرشادياً بعنوان: “بشأن المصالحة والتوبة في رسالة كنيسة اليوم”، وهو خطاب رسولي يقع في 128 صفحة، مكوّن من ثلاثة أجزاء، نطالع في الفصل الأول من الجزء الثالث منه موضوعاً عن “الحوار”، هو البند رقم 25، ويقع في ست صفحات، ومما جاء فيه: لقد تم إنشاء “المؤتمر العالمي للأديان” من أجل السلام، سنة 1970، ويعد أكبر تحالف دولي لممثلي الديانات الكبرى في العالم من أجل خدمة السلام، كما يقولون. وفى 6 يناير 2009 افتتح الدلاى لاما مؤتمرا لحوار الأديان تحت عنوان “حوار الأديان، سمفونيات عالمية”.. وقد تناول هذا المؤتمر بحث الوسائل الممكنة لمعالجة الخلافات بين الديانات الكبرى.

* إن الحوار بالنسبة للكنيسة هو عبارة عن أداة، وبالتحديد عبارة عن طريقة للقيام بعملها في عالم اليوم.

* إن المجمع الفاتيكاني الثاني قد أوضح أن الكنيسة هي علامة لتلك الأخوة التي تجعل الحوار الصريح ممكناً وتزيده قوة، وذلك بمقتضى الرسالة التي تتميز بها، وهي : إنارة الكون كله ببشارة الإنجيل، وتوحيد البشر بروح واحدة.

*أن الكنيسة تستعمل طريقة الحوار لكي تحْسِنَ حمل الناس على الارتداد والتوبة سواء أكانوا أعضاء في الجماعة المسيحية بالتعميد والاعتراف بالإيمان، أم هم غرباء عنها، وذلك عن طريق تجديد ضميرهم وحياتهم تجديداً عميقاً في ضوء سر الفداء والإخلاص اللذان حققهما المسيح ووكلهما لخدمة الكنيسة.

* أن الحوار الصحيح يرمي -إذن وأولاً- إلى تجديد كل فرد بالارتداد الباطني والتوبة، مع احترام كل الضمائر، اعتماداً على الصبر والتأني والتقدم خطوة خطوة وفقاً لما تقتديه أحوال الناس في عصرنا.

ويعد الخطاب الرسولي المعنون “رسالة الفادي” من أهم النصوص التي أصدرها البابا يوحنا بولس الثاني، إذ أنه يلقي مزيداً من الضوء على ما يدور من أحداث في مجال تنصير العالم.. وتكمن أهمية هذا الخطاب الصادر عام 1990 في نقطتين أساسيتين: فهو من ناحية يُعرب عن موقف البابا من الديانات غير المسيحية، وخاصة من الإسلام ؛ ومن ناحية أخرى يتضمن ما أخفاه البابا من تحريف جديد لمعنى ما يطلقون عليه “فداء المسيح” وربطه بين ذلك ” الفداء” وبين كل فرد في العالم وبلا استثناء (البند 14) !.

وكان لا بد من البدء بتوضيح هذه الجزئية تحديدا لأنها الخط الأساسي حاليا في مجال الحوار الفاتيكاني. فكثيرا ما نطالع عبارات من قبيل “لقد حاولنا محاربة الإسلام قرونا طويلة لاقتلاعه وفشلنا، فلنترك الخلافات جانبا ونبحث عن المشترك وتفعيله وستخبو الخلافات وحدها”.. وهو ما يوضح محاولة تغيير شكل الصراع، والهدف واحد لا يتغيّر، فالغرب المسيحي المتعصب هو الذي لا يكف عن محاولات اقتلاع الآخر بل ولا يكف عن ترديده وإلا فما معنى عبارة “تنصير العالم”؟

وتقع “رسالة الفادي” التي نحن بصددها، في مائة وأربع وأربعين صفحة، وتتكون من ثمانية فصول، تشتمل على واحد وتسعين بنداً. وإن لم يكن موقف المؤسسة الكنسية من الإسلام بجديد، فإن مغزى الإضافة الجديدة التي أجراها البابا على ما يطلقون عليه “فداء المسيح”، أي تضحيته بنفسه من أجل التكفير عن المسيحيين من ذنب “الخطيئة الأولى”، يُمثل تحديا لا سابقة له فيما يتعلق بموقف الفاتيكان من المسلمين: إذ أفصح البابا عن أحد قرارات مجمع الفاتيكان الثاني، الذى كان يتم تداوله سرا و تعتيما، وأعلن رسميا فرض المساهمة في عملية التنصير على كافة المسيحيين، فقد كانوا يتناقلونها صمتا فيما بينهم، أما بهذا الخطاب الرسولي فقد أصبحت معلومة متداولة، و لم تعد قاصرة على رجال الإكليروس وفرق المبشرين وإنما على كافة المسيحيين أياً كانت عقيدتهم.

وقد قال أحد المعلقين البروتستانت وهو أمريكي الجنسية، يُدعى جرلي أندرسون،”أن هذا الخطاب يمثل نقطة تحول جديدة، بل إنه يعد أكثر نقطة انطلاق محملة بالآمال لمستقبل اللاهوت الكاثوليكي وللإرساليات التبشيرية”، وهذه الآمال يعتمد على استخدام كافة المسيحيين في عملية التنصير. إذ نُطالع في البند 2: “إن الرسالة تعني المسيحيين جميعاً والأبرشيات والرعايا والمؤسسات والمجمعات الكنسية كلها”. ولا يقتصر فرض البابا على هذا النحو، وإنما نطالع في نفس بقية البند، من الخطاب: “إلزام كل الكنائس الخاصة، وحتى الكنائس المحلية على استقبال المرسلين وإرسالهم لطمأنت غير المسيحيين وبخاصة السلطات المدنية في البلدان التي يتوجه إليها النشاط الرسولي، إذ إن غايته واحدة، هي خدمة الإنسان بإظهار محبة الله التي في يسوع المسيح”.

وخدعة الحوار لم تتوقف منذ القِدم، فما إن خمدت الحروب الصليبية حتى بدأ الحوار بهدف محاصرة الإسلام عن طريق الإرساليات التبشيرية، وهو ما كان قد أعلنه بطرس المبجل (1092 – 1156)، فهو رائد الحوار بين المسيحية والإسلام في الغرب، إذ قال للمسلمين: “إنه لن يبدأ حرباً صليبية جديدة بالسلاح وإنما بالكلمات”. الأمر الذي يكشف عن حقيقة معنى الحوار في المسيحية منذ لحظاته الأولى.. ذلك الحوار الذي بدأه نفس ذلك القس المبجل مع “مسلمي إسبانيا وتمخَّض عن إبادتهم جميعاً وإلقاء الإسلام بعيداً عن إسبانيا” على حد وصف (جوليان رييس في صفحة 245) من كتابه المذكور.

وتبدأ مجموعة وثائق الفاتيكان المتعلقة بالحوار في العصر الحديث بما كتبه الكاردينال موريلا (Morella) تحت عنوان “توجيهات من أجل حوار بين المسيحيين والمسلمين”. والكاردينال موريلا من الذين ساهموا في أعمال مجمع الفاتيكان المسكوني الثاني (1962-1965)، وقد تم اختياره يوم 19 مايو 1964 ليترأس أمانة سر لجنة الحوار مع غير المسيحيين، التي تفرعت منها بعد ذلك اللجنة البابوية للحوار مع المسلمين. وفى 15 يونيو 1969 أصدر كتابا من 161 صفحة، يتضمن توجيهاته الصريحة للكنسيين العاملين في مجال الحوار مع المسلمين. والكتاب مكوّن من ستة فصول، عناوينها كالآتي: “موقف المسيحي في الحوار؛ معرفة القيم الإسلامية؛مختلف الذين نحاورهم من المسلمين؛ كيف نستعد للحوار؛ أبعاد الحوار الإسلامي-المسيحي؛ عقيدة المسيحي المشترِك في الحوار”.

ونورد فيما يلي مقتطفات من هذه التوجيهات، – علّها تعاون المسلمين، على الأقل المشاركين منهم في لجان ذلك الحوار المخادع، رؤية الوجه الآخر للحوار الكنسي مع المسلمين، وهي لعبة قائمة على التلاعب بالألفاظ والغدر من أجل التنصير:

* هناك موقفان لابد منهما أثناء الحوار: أن نكون صرحاء وأن نؤكد مسيحتنا وفقاً لمطلب الكنيسة.

* أخطر ما يمكن أن يوقّف الحوار: أن يكتشف من نُحاوره نيتنا في تنصيره، فإذا ما قد تم استبعاد هذا الموقف بين الكاثوليكي وغير الكاثوليكي فإنه لم يُستبعد بعد بين المسيحي والمسلم؛ وإذا ما تشكك من نحاوره في هذه النية علينا بوقف الحوار فوراً مؤقتا ً، وهذا التوقف المؤقت لا يعفينا من تأكيد مواقفنا بوضوح.

* سيفقد الحوار كل معناه إذا قام المسيحي بإخفاء أو التقليل من قيمة معتقداته التي تختلف مع القرآن.

* إن الحضارة التقنية تُهدد الإسلام اليوم أكثر من أي وقت مضى، وعلينا أن ننتقد في الإسلام ما يمثل مساساً بالحرية الشخصية.

* لا يجب على المسيحي أن يناقش مصداقية أو أصالة الحديث النبوي فلن يستمع إليه أي أحد.

* إن عدم ممارسة المسلم لأركان الدين الخمسة لا تعني أنه لا يتمسك بدينه.

* على جميع المسيحيين تفادي الحديث عن مُحمد أثناء الحوار بأي استخفاف وعدم كشف أنهم يحقرون الإسلام أو ما يحيطون به مُحمد من تبجيل.

* علينا بعدم التوغل في خلافات المذاهب الإسلامية وألا نفاضل بينها فالكنيسة هي التي تقوم بذلك من خلالنا وبواسطتنا.

* أن العالم الإسلامي في كل البلدان يسير نحو الحداثة ويبحث عن نماذجه في الغرب الأوروبي أو الأمريكي، وهذا البحث عن الثقافة الغربية وأنماطها خير أرضية للحوار؛ وأول فئة يجب التركيز عليها هم الطلبة الذين يدرسون بالخارج إذ عادة ما يكونوا قد بدئوا يتحررون من إسلامهم، فعلينا احتضانهم ومعاونتهم على العثور على الإيمان بالله دون أي انتقادات.

* من أهم عقبات الحوار ما قمنا به في الماضي ضد الإسلام والمسلمين، وهذه المرارات عادت للصحوة حالياً، وقد أُضيفت الآن قضية إسرائيل وموقف الغرب منها، ونحن كمسيحيين نعرف ما هي مسئوليتنا حيال هذه القضية وعلينا أن نبحث دائماً عن توجه إنساني خاصة أن حل هذه المشكلة ليس في أيدينا.

* على المسيحيين الاستماع إلى ما يتم في الإسلام حالياً من تحديث بلا تعليق ومتابعة ما يتم في مجال التحديث للمجتمع المدني – وذلك ما يسعدنا.

* في أي حوار يجب على المسيحي أن يقنع المسلم بأن المسيحية قائمة على التوحيد وألا يناقش أية تفاصيل فأي كلام سيقوله المسيحي تبريراً للعقيدة لن يمكنه أن يقنع به المسلم الذي لا يرى في الثالوث إلا المساس بالتوحيد، ويستند في ذلك إلي سورة التوحيد (الإخلاص).

* وقد أعطى الكاردينال كونج محاضرة في الأزهر في 31 مارس 1965 حول الطابع المطلق للتوحيد في المسيحية وإنه إله واحد، وكم كانت دهشة الحاضرين كبيرة وسعادتهم أكبر وهم يسمعون أحد كبار كرادلة الكنيسة يؤكد ذلك، ولا يجب فهم هذا الموقف على إنه إنكار للعقيدة المسيحية أو أن المسيحي عليه أن يتناسى عقيدته وأسرارها وخاصة أسرار الخلاص: إن ذلك ليس إلا تكتيكاً يخدم أغراضنا، لأن الله واحد، لكنه واحد في ثلاثة أقانيم، وهكذا سيقوم المسلم بفهم الكنيسة وتقبلها.

* أفضل وسيلة لشرح طبيعة الكنيسة هو وضعها في إطار عالميتها ومطالبتها بوحدة الناس جميعاً لخدمة الله وهكذا فإننا نقترب من مفهوم مجمع الفاتيكان الثاني.

* يجب الاعتماد على الغرس الثقافي، ولا يجب إغفال الدور الذي يقوم به الغرب في العالم الثالث من تغيير حضاري.

ولعل هذه الشذرات، وهي شذرات من زخم جد كثير، أن توضح للمسلمين جميعا، أيا كانت أعمارهم وخاصة للمسئولين الذين ينساقون في لعبة وخديعة الحوار مع لجان الفاتيكان، أن يدركوا أن المطلوب منهم هو التلاعب بالإسلام وتخريبه بأيديهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى