بحوث ودراسات

د. زينب عبد العزيز تكتب: تأملات في سباكة «الأخوة الإنسانية»

Latest posts by د. زينب عبد العزيز (see all)

أبدأ بتوضيح معني كلمة «السباكة» لأهميتها في وصف هذا الموضوع. فهي من ناحية تعني حرفة السبّاك والسمكرة بكل مستوياتها المهنية، لتركيب نظام أنابيب المياه ووصلاتها في المبني. ومن ناحية أخري تعني سبك الصائغ الفضة أو الذهب ليصنع الحليّ.

تأملات في سباكة «الأخوة الإنسانية»
تأملات في سباكة «الأخوة الإنسانية»

كما تعني سَبَكَ الكلام وهذّبه، ويقال سبّكَتْه التجارب أي حنكته وعلمته؛ وسبّك الكلام وأحسن تهذيبه.. ووثيقة «الأخوة الإنسانية»، في آخر ما تمخضت عنه من أحداث، صدور كتاب فاخر الطباعة عن دار نشر موتيڤيت ميديا جروب سنة 2021، في كل من دبي، وأبو ظبي، ولندن، والمملكة العربية السعودية، باللغة الإنجليزية والعربية، بقلم محمد عبد السلام، الأمين العام للجنة “الأخوة الإنسانية” والمكلف من البابا بتطبيقها، إذ عيّنه رئيسا أو عضوا في اللجنة التنفيذية للوثيقة. والكتاب برمته يشتمل على مختلف معاني السباكة الحرَفية والأدبية بكل تدرجاتهما بها فيها نشع المياه وتعفنها..

وقد قرأت الكتاب في طبعتيه الإنجليزية والعربية. وأول ما أبدأ به العنوان، كنموذج إذ أنه يكشف مستوي الترجمة واهدافها. فالنص العربي يقول: «الإمام والبابا والطريق الصعب»، أما باللغة الإنجليزية فيقول: «The pope and the Grand Imam, a Thorny path». وبغض الطرف عن أن النص العربي يقول: «الإمام» فقط، والإنجليزي: «The grand Imam»، فإن ما أتوقف عنده هو عبارة «الطريق الصعب» بالعربية، بينما الإنجليزية تقول: «a thorny path»، من thorn، شوك ومنها شائك، التي لا تعني «صعب». وهذه الملاحظة اللغوية المتعلقة بالترجمة واللبس والتفاوت المغرض في تقديم المعاني، ينطبق على محتوي الكتاب، بلغتيه، بصورة لافتة للنظر. بحيث نراها تضع العديد من علامات الاستفهام، خاصة في النقاط المتعلقة بالفاتيكان، والبابا فرنسيس، وبالبابا بنديكت 16 وخطابه في جامعة راتسبون، أو مجمع الفاتيكان الثاني وكل ما تمخض عنه، بل والذي يمثل نقطة فارقة في تاريخ الفاتيكان والمسيحية من جهة، والإسلام والديانات الأخرى من ناحية ثانية. أو تلك الوثيقة التي تتغني بالأخوة الإنسانية والإنسانية منها براء إذ كل ما ترمي اليه هو المساس بالإسلام..

وهذه الملاحظة، ملاحظة الاختلاف الواضح والمغرض للترجمة ولصياغة النص، لا تصب في خانة اللغة وحدها، وإنما تندرج وتمس خانة الأمانة.. الأمانة الدينية أولا، ثم الأمانة العلمية. فالموضوع برمته هنا متعلق بالدين، أي بالمسيحية وموقفها وأهدافها لاقتلاع الإسلام. وابدأ بالإهداء نموذجا: فالنص العربي يقول: «إلى مصر.. وإياها عشقت»، وفي الإنجليزية نطالع: «My adored land»! و  adore  toتعني يَعبد.. فهل المسلم يعبد سوي الله؟ أم إن المقصود شيء آخر شديد الوضوح؟ ولو واصلت الملاحظات بهذا الشكل لوصل حجم التعليقات الي ما يتعدى حجم الكتاب. وبخلاف الملاحظة الواضحة المتعلقة بالترجمة وما تؤدي إليه، فما من نقطة في هذا الكتاب إلا وبحاجة إلى تعليق كاشف. لذلك سأكتفي بالإشارة إلى عدة نقاط كنموذج في مجال المعني أو الهدف.

محاضرة راتسبون

أشار المؤلف إلي فضيحة محاضرة راتسبون المتعمدة، التي سب فيها البابا بنديكت 16 التوحيد المطلق لله وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وكتبها تحت عنوان: «الاقتباس المثير» فقط لا غير! سب وحدانية الله والرسول والإسلام يقال عنه مجرد «اقتباس مثير»!! ثم بدأ سيادته بعرض الموضوع قائلا: «وبغض النظر عن مضمون المحاضرة، إلا ان اقتباسا معيّنا كان هو قاسمة الظهر بالنسبة للمسلمين؛ فقد كان هذا «الاقتباس» هو للقيصر البيزنطي مانويل الثاني، فيه إساءة لنبي الإسلام صلي الله عليه وسلم، وانتشر الاقتباس في العالم الإسلامي كله على لسان البابا رئيس الكنيسة الكاثوليكية؛ فأغضب هذا الملايين في العالم الإسلامي». ثم يضيف في الفقرة التالية: «فإن التضخيم الإعلامي بحق أو بباطل جعل الأمور تسوء كثير»! ويا له من ليّ للكلمات والمعني والحقيقة على لسان جناب المؤلف.

وابدأ بتحديد ان ظهر المسلمين لم ولن ينكسر من سوء نية أي بابا في الوجود، أيّا كان، وما أكثرهم علي مر التاريخ، لكنني أوضح لذلك المسلم، الذي تربي ونشأ علي ايدي مسلمين، ودرس في الأزهر، ووصل الي أحد مناصبه المرموقة: عار علي من يتناول هذا الموضوع بغير أمانة علمية، فالبابا بنديكت 16 قال نقطتان اساسيتان في محاضرته: (1) ـ وصفه لله عز وجل في «المذهب الإسلامي» (المذهب وليس الدين) من ان التصعيد المطلق لله عبارة عن مفهوم لا يتفق ولا يتمشى مع العقل والمنطق، ولا يمكن فهمه، وأن إرادته لا ترتبط بأي واحدة من فئاته المنطقية، ولا حتى فئة المعقول؛ (2) ـ و«أن سيدنا محمد (عليه صلوات الله) ، لم يأت إلا بكل ما هو شر ولا إنساني، مثل أمره بنشر العقيدة التي يبشر بها بالسيف»!(العقيدة وليس الدين) .

ولا يسعني إلا أن أوضح لسيادة المؤلف إن الاستشهاد لا يقفز من المرجع ليد الكاتب، وانما الكاتب هو الذي يبحث عن استشهاد يدعّم به رأيه، أو لينتقد الاستشهاد نفسه. ومحاولة تبرئة هذه الوقاحة الاستفزازية للبابا على حساب المولي عز وجل وعلى حساب الإسلام فالكلمات تقف هلعة مهانة والما ونفورا.

* مجمع الفاتيكان الثاني: وهنا لا بد وأن ابدأ بالعنوان كما ورد في الكتاب:

فالنص العربي يقول: «الريفي الحكيم»، بينما الإنجليزي يقول: «the historical Vatican Council».. وهذا التمويه المرير لا يتعلق هنا بالترجمة فحسب وإنما يمس موقف، لكيلا أقول أمانة، مَن كتب النص أو راجع الترجمة. فهذا المجمع هُريَ بحثا وتحليلا لسبب أساسي هو: أنه يمس كيان وكرامة المسيحية أولا، كما يمس الإسلام والشيوعية والديانات والعقائد الأخرى. يمس المسيحية أولا لأن الفاتيكان، الإدارة السياسية والدينية للكاثوليكية، والذي ظل قرابة ألفا عام يلعن ويسب في اليهود في كل قداس أحد وفي كل الأعياد، على أنهم «قتلة الرب»، بل ان المسيحية قائمة على هذه التهمة، بمعني انهم حاكموه وصلبوه وقتلوه زورا وبهتانا.. وإذا بالفاتيكان يكتشف فجأة أن هؤلاء اليهود أبرياء! فقرر تبرئتهم من دم المسيح، بل أعلن بأنهم «أخوتنا الذين سبقونا في الإيمان»! أي أنه حولهم من قتلة الرب إلي مؤمنين.

وهذا القرار الذي فاجأ العالم مثلما فاجأ الكاثوليك وغيرهم من النصارى، هو الذي أدي الي ابتعاد الأتباع بصورة لافتة خاصة في الغرب، بل حتى العديد من القساوسة قد تسللوا في صمت بعيدا عن تلك الكنيسة، بحيث أطلق النقاد عليهم عبارة «النزيف الصامت للكنيسة».. وفيما يلي بعض أهم قرارات مجمع ذلك الفاتيكان الثاني:

* تبرئة اليهود من دم المسيح،

* اقتلاع اليسار في عقد الثمانينات (من القرن العشرين)، وقد تم فعلا بالتواطؤ والخدع،

* اقتلاع الإسلام في عقد التسعينات حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم.. وإن كانت هذه التوصية بدأت بعبارة مضغمة واضحة المعني هي: «توصيل الإنجيل لكل البشر»،

* إعادة تنصير العالم، وكأن العالم كان في أي لحظة ما مسيحيا بأكمله ثم فر بعيدا عنها!

* توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما،

* فرض المساهمة في عملية التبشير على كافة المسيحيين الكنسيين منهم والمدنيين، وهي أول سابقة من نوعها في التاريخ، وتوصم أمانة الأقليات المسيحية في كل مكان، إذ فرض عليهم الفاتيكان دور الخيانة بمحاولة اقتلاع الديانة الأصلية للبلد

* إستخدام الكنائس المحلية في عمليات التبشير، الأمر الذي يضع هذه الكنائس والأقليات المسيحية في البلدان التي يعيشون فيها في موقف الخيانة الوطنية لصالح التعصب الكنسي،

* فرض بدعة الحوار، كوسيلة لكسب الوقت حتى تتم عملية التنصير بلا مقاومة تذكر. وهذا هو تعريف الحوار في وثائق الفاتيكان،

* إنشاء لجنة خاصة للحوار،

* إنشاء لجنة خاصة بتنصير الشعوب، أثناء انعقاد المؤتمر، والاثنتان تحت رئاسة البابا.

 وأغض الطرف عن كل ما يحتوي عليه الكتاب، هذا «الكتاب/ الوثيقة/ الشهادة»، على حد وصف المؤلف، لأنقل له تعليقا على ما كتبه في صفحة 58، في النص العربي واصفا المسيحية: «فطبيعة المسيحية في نصوصها المقدسة دينٌ يتبني المحبة والتسامح بشكل واضح لا يختلف فيه اثنان» اعتمادا على مقولة يتيمة متفردة تقول: «من ضربك على خدك اليمين أدر له خدك الأيسر»!

فما الذي يمكن قوله عما تؤكده الموسوعة البريطانية: «أن الكتاب المقدس به 150000 جملة عنف وقتل وإرهاب»؟ وإذا اضفنا الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش وحرق الناس أحياء كشعب البوجوميل والكاتار الرافضان للتثليث والمؤمنان بالتوحيد مع الأسقف أريوس، أو فشخ المخالف للعقيدة بأربعة أحصنة توثق بها يداه وساقيه ويسوقونها في اتجاهات مختلفة ليتمزق جسد المجني عليه، أو آلات التعذيب التي تملأ متحف كاركاسون بجنوب فرنسا، أو حتى قول السيد المسيح حين طالب بوضوح: «أما عن أعدائي الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم ها هنا واذبحوهم قدامي» (لوقا 19: 24)..

وأغض الطرف عما في الأناجيل من جُمل وعبارات عنف أو اباحية في مختلف المجالات. فأين المحبة والتسامح؟ أين المحبة والتسامح باقتلاع الشعوب من دينها لفرض عقيدة توصف بأنها نسيج من الرقع؟

فأهم ما يخرج به القارئ من هذا الكتاب بدايةً ان فضيلة الإمام، شيخ الأزهر، هو الذي اتخذ الخطوات الأولي لهذه المبادرة، رغم كل ما حاق بالأزهر وبالإسلام من اتهامات صريحة اضطرته الي تجميد العلاقات مع الفاتيكان، ثم يتضح من سياق الكتاب وتفاصيله أن الفكرة نبعت تمهيدا وأساسا وتنفيذا من سيادة الكاتب الذي قبل على نفسه أن يتولى مهمة تنفيذ ما تضمنته وثيقة “الأخوة الإنسانية” من مطالب تمس الإسلام خطوة خطوة، بهدوء وصمت، أو هي في الواقع تمهد ليتم ذلك بأيدي بعض المسلمين.

وهنا لا بد من سؤال يتبادر الي الذهن، فتحت عنوان «الصدمة»، وهو وارد باللغتين، يوضح الكاتب أنه صُدم عند مفاجأته بأنه مُنع من السفر لحضور حفل توقيع الوثيقة في أبو ظبي، إلا أنه لم يوضح سبب هذا المنع الذي صدمه بهذه الحدة..

لقد فشل الفاتيكان في اقتلاع الإسلام بالعنف وحده، على مر العصور، والحملات الصليبية شاهدة على ذلك. وفشل في كل محاولة قادها وحده. فراح يبحث من حلفاء. ولدينا في التاريخ اقتلاع الإمبراطورية العثمانية نموذجا. فلم ينجح مخطط هدمها إلا حين تحالف الفاتيكان مع بلدان أخري. ولذلك برّأ اليهود من دم المسيح ليتحالفا مع باقي الدول المتواطئة على اقتلاع الإسلام والمسلمين.. ومع تباطؤ الوقت، راح يجرب تطبيق محاولة اقتلاع اليسار بالبحث عن «مساعدين» من الداخل.. فنجمت ما أطلقت عليه «الوثيقة المشؤومة» التي فرح الكاتب بابتلاع طعم مهمة تنفيذها.. وثيقة تم نشرها علنا بدون التوقيع اليدوي، والنسخة المنشورة في الفاتيكان عليها خاتم باللون الأحمر يقول لـ«الإعلام».. أي أن هناك نص آخر للتداول غير صالح للإعلان عنه..

ولا يسعني إلا أن أضيف لمن فكر وصاغ وقَبلَ القيام بتنفيذ وتطبيق سباكة هذه الوثيقة، مع إظهار ذلك البابا، المدبر والمحرك الأساس لها، في ثوب ملائكي وخُلُق ناصع البياض:

اتقي الله أيها المسلم، اتقي الله فالنار دوما تأكل مشعليها.

زينب عبد العزيز

8 يونيو 2021

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى