آراءبحوث ودراسات

د. رقية رفاعي تكتب: نحو تربية واعية (2)

ينبغي غرس العقيدة في كيان الطفل وبذرها في نفسه وقلبه

قلنا في المقال السابق، إن غرس العقيدة في كيان الطفل وبذرها في نفسه وقلبه، بحيث تصير جزءاً منه ينمو معه هو الهدف الأسمى والأولى للتربية.. وكم هي ملحة الحاجة للحفاظ على الامتداد الدعوي للأمة المسلمة عبر الأجيال، سيما في واقع تُقتلع فيه الأمة من جذورها، وتباد فيه ثوابتها.. والتعامل التربوي مع الطفل في جوانب العقيدة له خصوصية كبيرة، إذ لا يتطلب إلمام المربي بالجوانب العقدية الكلية وحسب؛ بل بالمهارات التربوية وبعض الأسس المعرفية وإتقان لغة تواصل حديثة في التفاهم مع الطفل.

ونواصل في هذا المقال الحديث عن تربية واعية للطفل المسلم، ونعرّج هنا إلى مسألة اختيار العقيدة، كونها حق للطفل أم للمربي، فإن التخيير بين الحق والباطل من الأصول المنهجية الشرعية الثابتة، دل عليه قول ربنا {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة: 256) {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} (الكهف :29)

وثم خلط بين أمرين فيما يتعلق بالخيار في التربية.

الأمر الأول، حق الصبي في اختيار إيمانه وعقيدته وقناعاته والالتزام بها.

الأمر الثاني، حق المربي والأسرة في التزام أفرادها بالأمر الشرعي والقيام به.

وأقول إن لا تعارض البتة بين الأمرين، فالأسرة المسلمة لها قيم شرعية ضابطة يحق للمربي إخضاع جميع الأفراد لها، وذلك فيما يتعلق بالالتزام الأخلاقي، وطبيعة العلاقة بين الأفراد من حقوق وواجبات، وبر الوالدين، كذلك منع الانحراف الظاهر في الجهر بالمعصية، وهي إطارات عامة.

أما الميول الفردية السلوكية للطفل فيجب أن تعالج بمرونة أكبر ..

والخلط بين الأمرين يؤدي إلى المبالغة في إجبار الطفل على سلوكيات جزئية، بحيث لا تكون له فرصة الخيار في الغالب، فيصير ذلك إلى وأد حاسة التمييز الواعي عند الطفل وقتل الإرادة في طبعه، ويصبح تابعاً ينفذ التعاليم المفروضة، وهو أقل شعوراً بها وحباً لها، وأقل تمسكاً بها إن هبت عوارض، وهو “التابع” دائماً إما لك أو لغيرك فيما بعد.

وقد يصل المربي إلى هذه النتيجة بسبب خوفه من طرح فكرة الخيار بين الخطأ والصواب على الطفل، إذ يشفق عليه من اختيار الضرر فيفكر نيابة عنه.

والواقع أن الموضوع بحاجة إلى صدق في التوكل على الله أولاً، ثم الأخذ بالأسباب التي تعزز الميول الإيجابي عند الطفل وهذا في الأصل هو مناط التربية.

وكم كان أمراً جليلاً مهيباً مثول إبراهيم عليه السلام للأمر الرباني بذبح ابنه حين بلغ معه السعي، والأجمل كان في تحقيق مثول الابن أيضاً بإرادته ، فلم يأخذه أبيه بغتة ، بل كانت كلمته الجميلة للابن {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} التي فتحت على أمتنا فتوحاً، إذ كان رد الصبي {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ  سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} ليستحق النبوة المتوارثة والتي انتهت إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

وكانت الشورى التي أقرها الوحي وسنها النبي صلى الله عليه وسلم بين صحابته نموذجاً تربوياً عظيماً عن قيمة الخيار في التربية، إذ قال وهو أعظم الناس “أشيروا علي أيها الناس” فعمد في ذلك إلى تحريك الإرادة والفكر عند الجميع، كان ذلك في غزوة بدر؛ فقام أبو بكر وعمر والمقداد فتكلموا بالتأييد، إلا أنه صلى الله عليه وسلم أعاد على المسلمين الكلمة، ليقف سعد ابن معاذ نيابة عن الأنصار فرد بأحسن ما يكون في إقرار الولاء والتأييد والاحتساب.

ولعل الخيار والمشورة قد بذرا الشعور بالمسؤولية والمشاركة الخلاقة في نفوس الصحابة، فاقترح الحباب بن المنذر على النبي -صلَّى الله عليه وسَلَّم- تغيير مكان الجيش، فوافق صلَّى الله عليه وسَلَّم ليتحقق النصر في أعظم معارك التاريخ .

ومن الأسباب التي تعزز الميول الإيجابي عند الطفل: طول المعايشة والحوار مع الطفل، ولا يشترط ان يكون الحوار دائماً عن ما يجب أن يكون أو لا يكون، بل تستمع إليه فتدخل عالمه وتتعرف على ميوله ومخاوفه وطموحه، أن تتجنب التسخيف بل تظهر في عينيك لمعة الإعجاب والإكبار والاهتمام مهما كان عالمه صغيراً، ثم تدعوه ليدخل عالمك أيضاً فتحكي تجاربك وأخطاءك وكيف تعلمت منها وكلما كان الحوار ابعد عن التوجيهات المباشرة  كان أكثر قرباً من قلب الطفل.

كذلك الحرص على وضع الطفل في محيط صالح خاصة في الفترة المبكرة من حياته إذ يحق لك اختيار المقربين منه، ثم تشجيعه على اختيار هوايات بناءة كالرياضة والقراءة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى