آراءمقالات

كأن القرن يتنزل من جديد.. «زمان الإعداد للنجاة» (1)

يقول رب العزة اللطيف الخبير:

﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾

هذه آية بشارة عند الفحص والتأمل وإن سيقت مساق التحذير والنِّذارة.

الآية منظومة على بنية التوازي؛ إذ ينتظمها خطان ظاهران:

الأول – تقرير حقيقة اقتراب الحساب، وقرب الانتقال إلى الآخرة، ووشكان رحيل الدنيا وانقضاء أمرها.

والأخير- تقرير بالغ التكثيف لمادة صناعة العذاب التي تنتجه، وهى الغفلة والإعراض.

الآية في خطها الأول منظومة على الشفافية الدلالية من جهة المعجم، فالاقتراب متوجه لقرب زمان النهاية، ومتوجه إلى تقرير حقيقة أن ما مضى أطول مدة مما هو مترقب، أو منتظر ، أو آتٍ

والناس في جزء الآية لفظ بالغ الوضوح وإن نوعت «ال» في المقصود من دلالته.

الناس في الآية هم جميع الخلق المكلفين ، بموجب أن الكتاب الخاتم في بعض النظر إليه هو كتاب الإنسانية جميعا.

والناس في الآية هم المشركون بموجب تحليل القرائن المطيفة بالسياق من كون الآية نذارة وتحذيرا من عذاب قريب.

والناس في الآية قوم وقع منهم التكذيب فنزل الكتاب بتقرير مصيرهم.

وكل ذلك وارد بموجب القانون الحاكم لنظم الكتاب العزيز الذي نسميه قانون تزاحم المعاني.

وبهذا تكون «ال» في الناس منصرفة للجنس محققة للاستغراق حينا، ومنصرفة للعهد محققة لتعيين قطاع من الجماهير حينا آخر.

واللام في للناس عماد للفعل اقترب من حيث هى صلة له، تتكافل معه لبيان المعنى  أو هى للتوكيد، أي توكيد إضافة العذاب إلى الناس، وله وجه معتبر، يكمن في أن الكثيرين ربما استبعدوا وقوع الحساب والعذاب بعد كل ذلك التاريخ من النعيم والترف.

الآية في جزئها الأول تعيد التذكير بقيمة آلة الزمان، وتعيد التذكير بفارق ما بين زمان وزمان خلفه.

الآية في هذا الجزء ربما تفسر نوعا من تفوق حضارة المسلمين في حقل بحوث الفلك، وحقل بحوث تقاويم الزمان.

وربما صح أن يكون هذا الجزء من الآية مفتاحا إلى دعوة الناس إلى الكد والجد في دراسة إمكان استدعاء ما مضي من أحداث الزمان إعانة على صناعة عبادة الاعتبار!

والآية في جزئها الأخير وهم في غفلة معرضون تنهض بتكثيف الأمراض الموجبة لعذاب الآخرة، وهما مرضا:

أ-الغفلة 

ب- والإعراض

وقد كان بعض مشايخنا يصرخ فينا قائلا : إن الناس أكثر احتياجا للتذكر منهم للتعلم!

والحقيقة أن الغفلة تستوجب اليقظة ومحاربة النسيان المطغي في النفوس ، وتستوجب دعم الدراسات السيكولوجية المعينة على التذكر.

الآية توشك أن تدمغ الترف والتنعم بوصفهما مصانع ضخمة للغفلة.

وأما الإعراض فأوسع أثرا، وأكبر خطرا؛ لأنه معاندة مقصودة ، وتنكب عن الطريق ، واستطالة بغيضة ممقوتة بما حازه الإنسان، وحققه ، واغتر به.

الآية في جزئها الأخير دعوة صريحة إلى تجفيف منابع الغفلة ، ومحاصرة أسبابها المفضية إلى تحقيقها في واقع حياة الناس.

والآية في جزئها الأخير دعوة صريحة لتجديد النظر في آيات الله تعالى التي عاملها الخلق بالإعراض بسبب من تورطهم في الغفلة والآية دعوة إلى تجديد الدهشة في النفس وتجديد تلقي ما خلق الله حولنا بأعين جديدة، ونفوس جديدة ؛ لتتمكن من عدم التورط في الغفلة والإعراض.

الآية بما قررته من أمر قرب الرحيل، وبما دلت عليه من المخاطر المفضية إلى الانكباب في العذاب تفتح بابا وسيعا للإعداد للنجاة بعد معاناة قاسية في زمان الأزمة.   

د. خالد فهمي يكتب: كأن القرن يتنزل من جديد.. زمان الإعداد للنجاة (3)

يقول رب العزة سبحانه وتعالى:

﴿لاهية قلوبهم وأسروا النجوي الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ [سورة الأنبياء 21/3]

هذه تتمة ثلاث الآيات التي تفرعت لبيان القاعدة الأولى في برامج الإعداد للنجاة من أزمنة الأزمات وهي : صناعة الوعي وإسقاط الغفلة، وهدم الإعراض!

الآية في جزئها الأول مثال بديع في استيعاب تزاحم المعاني من طريق تنوع وجوه الأعاريب في ﴿لاهية قلوبهم﴾ نصبا ورفعا.

والحقيقة أن ظهور وجه النصب على الحالية يحمل أملا في جدوي النهوض بصناعة الوعي حصارا لأجواء الغفلة واللهو والإعراض.

والآية في جزئها الثاني مثال بديع أيضا في استيعاب تزاحم المعاني من طريق تنوع وجوه الأعاريب في قوله تعالى ﴿وأسروا النجوي الذين ظلموا﴾

الآية بيان شارح لعلامات ما به استجلاب العذاب، وما به سقوط الحضارات ، وما به غياب الضبط الاجتماعي، وما به فشو الجهالات، وما به إعادة هندسة عقول الجماهير من طريق التمويه والخداع والتضليل.

في ﴿لاهية قلوبهم﴾ وصم لمخاطر اللهو المفسد الذي يدمر القلوب ، ووصم المخاطر الاشتغال بمعزل عن قوانين الوحي ، ومقاصد السماء.

وفي ﴿لاهية قلوبهم﴾ إشارة إلى ضرورة العناية بباب أمراض القلوب وعلاجها ، وباب تزكية الأنفس، والآداب والرقائق التي أخلص لها تاريخ التربية عند المسلمين.

و﴿لاهية قلوبهم﴾ تعري من باب واسع جدا الدعاوى التي تسعي إلى منع تدريس النصوص الدينية في المعاهد والأكاديميات، وهو تطور مرعب يتجاوز حال القوم السابقين.

﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ إشارة إلى حقيقة اشتغال العدو بك، وبأفكارك ، وبتصنيع الشبهات، وترويجها، والتخفي الماكر عند إعدادها

﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ إقرار ظاهر في وجه الذين يشغبون علي نظرية المؤامرة وكأن العدو منزه عن التآمر، ومنزه عن الاحتشاد ، ومنزه عن إقامة مصانع الإضرار بك ، ومنزه عن تصنيع النظريات والفلسفات والحقول المعرفية لحصارك وإسقاطك.

وفي ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ نمط من الشغب، ونمط من التضليل ، ونمط من استثمار اللسان في قلب الحقائق، ونمط من الاستناد إلى الأغاليط وإلباسها ثوب المنطق.

وفي هذا الجزء من الآية تعرية لاستثمار مؤسسة اللغة في الإضرار بالحقائق ، والشغب والالتفاف عليها؛ ذلك أن كون الرسول بشرا يلزم منه حيازة أحد الشروط  المبدئية  للإقناع والإقبال عليه  بموجب عدم التنافر ، وتحقق الإلف ، فإذا بآلة اللغة المغالطة تجعل من المادة الأولية للقبول داعية للشغب والرفض والتلهية!

وجزء الآية الأخير ﴿أفتاتون السحر وأنتم تبصرون﴾ وصف لعمليات التزييف وتعرية لاستراتيجيات التمويه وفضح لبعض آليات بلاغة الجماهير.

جزء الآية الأخير إعلان عن تجدد صناعة التضليل من طريق الإعلام ، ومن طريق الكلمة ومن طريق الكتابة.

 وجزء الآية الأخير إعلان عن أن السقوط الحضاري مقدماته ماثلة في صناعة الزيف، والدعايات المزيفة، وإعداة هندسة عقول الجماهير ، والشغب على الحقائق ، واستثمار سلطة اللغة المضللة.

ولكن جزء الآية الأخير كذلك يحمل دعوة ملحة للتقدم نحو حيازة استراتيجيات فضح آليات التضليل ، وآليات التمويه ، وآليات التزييف.

الآية الكريمة نص في ضرورة التهدي إلى امتلاك استراتيجيات لسانية ومعرفية وإعلامية في مواجهة استراتيجيات صناعة التلهية، وصناعة الإعراض ، والشغب على الحق ، ودعوة إلى إعادة بناء قواعد صناعة الوعي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى