بحوث ودراسات

د. خالد عبد القادر يكتب: الأدلة على ابتداع الأشاعرة

Latest posts by د. خالد عبد القادر (see all)

بدايةً، وبلا خلاف نقول:  أنّ الله أنزل كتابه على رسوله محمد بلغة العرب، فقال تعالى:

{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.” وقال أيضاً: “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}.

وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}.

وكان مما أنزله الله آيات عن صفاته الجليلة، قوله:

{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ..}

{وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..}

{وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ..}

{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ..غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.. الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى..}

وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ.. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ..

بل وأضاف النبي إلى الله، صفة الضَّحك، والنُّزول إلى السماء الدنيا،والقَدَم، والأصابع، وغير ذلك من صفات، ومات نبيُّنا، ولم يُفصّل أي شيء أو يشرح أي صفة من صفات الله الثابتة له سبحانه في القرآن والسُّنّة.. مع أنّ الله أخبرنا أنّ من مهام الرسول «ليُبيّن لهم»، وسكت عن ذلك ولم يُبيّن بأي تعليقٍ، أو صَرْفٍ لهذه الصفات عن ظاهرها.. وهكذا فَهِم الصحابة تلك الصفات وفق دلالات ألفاظها العربية التي نزلت بها.. وهكذا نقلوها إلى تلامذتهم التابعين لهم، ثم نقلها التابعون إلى تابعيهم حتى عصر الأئمة الأربعة، والأُمّة بأئمتها كلهم على ما في القرآن والسُّنّة من صفات لله من غير تأويل، ولا تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبيه…

ثم جاء الأشاعرة في عصر انتشرتْ فيه مصطلحاتُ فلاسفة اليونان والهند والفرس،بلغة  العرب، فابتدعوا طريقة لفَهْمِ صفات الله مما لم يذكره نبيُّنا، ولا صحابته، ولا الأئمة من بعدهم، فحرّفوا، وعطّلوا، وأوَّلُوا، بل وخرّبوا عقيدة المسلمين..

فأنكروا أن يكونَ القرآنُ كلامَ الله حقيقة، أو أنّ له وجهاً،أو يديْن، أو قبضة، أو أصابع، أو أنه على عرشه، أو يُحب، أو يُبغض، أو يغضب، أو ينزل إلى السماء الدنيا…. وغير ذلك من صفات..

فربنا تعالى يُثبت لنفسه صفات وفق دلالة لغة العرب، والعرب أُمّة أُميّة كما صح عن نبينا، والأشاعرة يُنكرونها كما جاءت.. ونبينا يصف الله بصفات، والأشاعرة يُنكرونها كما جاءت..

وهم بذلك قد افتروا على الله ورسوله، وخالفوا إجماع الأُمّة… وفهموا الصفات بلغة الفلاسفة

أليس ذلك قعر البدع؟

لقد قرأتُ كتاب «المدرسة السلفية» لمؤلف أشعري متفلسف، يقول فيه:

(لقد آمن الصحابة بأشياء لم يعقلوها، بل صدقوها كما وردت..)

وامصيبتاه..!!! إذا كان الصحابة، والتابعون، وتابعيهم الذين مدحهم الله في كتابه بقوله:

{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ..}

ثم مدحهم رسولُه بقوله: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ).

إذا كان هؤلاء الممدوحون، الذين نشروا الإسلام في العالم لم يفقهوا دين الله.. فمن يفقهه إذن.؟

أهل البدع من الاشاعرة، والماتريدية، والمعتزلة، والجهمية، والكرّامية، وغيرهم.؟

– الخلاصة: الأشاعرة هم أهلُ بِدَعٍ في صفات الله، وأهلُ مُخَالَفةٍ لإجماع الصحابة، والتابعين، وتابعيهم من الأئمة الأربعة وغيرهم..

من المؤسف جداً أنّ المتعصبين لمذهب الأشاعرة، لا يعرفون حقيقة مذهبهم الذي ينتسبون إليه.

وإليكم أدلة على ضلالهم في باب صفات الله،ومن كتبهم..

قال الفخر الرازي محمد بن عمر الأشعري المتكلم المتوفى سنة 606 هـ في تفسيره عن قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ.

(قالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: تأتي اليد هنا بمعنى النِّعمة، والمِلْك، والقوة،والاهتمام، وكل ذلك حاصل هنا).

يعني لم يستطع أن يُحددّ المراد من الآية لحيْرتِه وانحراف منهجه، مع كونه إماماً كبيراً عندهم.

وقال عن قوله تعالى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}:

(حَاصِلُ الْقَوْلِ فِي الْقَبْضَةِ وَالْيَمِينِ هُوَ الْقُدْرَةُ الْكَامِلَةُ الْوَافِيَةُ بِحِفْظِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ الْعَظِيمَةِ.)

إذن فالأشاعرة يُنكرون اليد لله، والقبضة، والأصابع. وكل هذا ثابت بالنص وإجماع الأوائل.

وقال عن قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}.

(إِنَّ الْمَحَبَّةَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِرَادَةِ.)

وهنا قد نفى أيضاً أن يكون الله يحب ويُبغض.. لأنهم يتفلسفون ويقولون:

الحب هو عبارة عن ميل القلب ولذَّته عند رؤية محبوبه أو سماع كلامه، وهذا مستحيل على الله.. قلتُ: وما أتى هذا منهم إلا من باب ضيق عقولهم، وتشبيههم الخالق بخلقه..

وقال في كتابه «المُحصّل»: وأما أصحابنا (الأشاعرة) فقد اتفقوا على أنَّه تعالى ليس بمُتكلِّم بالكلام الذي هو الحروف والأصوات” (ص 403).

قلتُ: وعليه فإنّ القرآن وهو حروف وأصوات ليس بكلام الله عندهم..

قال الذهبي عن الفخر الرازي: وَقَدْ بدَتْ مِنْهُ فِي مؤلفاته بلاَيَا وَعظَائِمُ وَسِحْرٌ وَانحرَافَاتٌ عَنِ السُّنَّةِ، وَاللهُ يَعْفُو عَنْهُ.

وقال الفقيه المالكي والمُحدِّث علي بن خلف ابن بطال الأشعري المتوفى سنة 449 هـ عن نزول الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا:

تنزل ملائكته..قاله في شرحه للبخاري.

وقال الفقيه الأشعري يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة 676 هـ عن حديث أصابع الرحمن: فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَصَرِّفٌ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَغَيْرِهَا كَيْفَ شَاءَ.

وهو بذلك ينفي الأصابع عن الله.. ونقل عن القاضي عياض المالكي الأشعري المتوفى سنة 544 هـ أنه قال:

 «لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَةً فَقِيهُهُمْ وَمُحَدِّثُهُمْ وَمُتَكَلِّمُهُمْ وَنُظَّارُهُمْ وَمُقَلِّدُهُمْ أَنَّ الظَّوَاهِرَ الْوَارِدَةَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ..لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا بَلْ مُتَأَوَّلَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِم.»

قلتُ: سأنقل لكم كلام ابن عبد البَرّ الفقيه المالكي وحافظ المغرب المتوفى سنة 463 هـ والذي ينسف كلام القاضي عياض.. قال عند حديث نزول الرب سبحانه إلى السماء الدنيا:

“فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ فوق سبع سموات كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَةُ” أي إجماع السلف. (التمهيد 7\ 129.)

وقال المُفسِّر الفقيه المالكي محمد بن أحمد القرطبي المتوفى سنة 671 هـ:

وَقدْ كَانَ السَّلَفُ الْأَوَّلُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَةِ وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ، بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّةُ بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ كِتَابُهُ وَأَخْبَرَتْ رُسُلُهُ. وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً.( التفسير 7\219).

وقال الفقيه الحنبليُّ عبد الله بن محمد ابن قُدامَة المتوفى سنة 620 هـ:

فإنّ الصحابةَ أجمعوا على ترْكِ التأويل، وكذلك أهلُ كلِ عصرٍ بعدهم، ولم يُنقل التأويل إلا عن مُبتدعٍ أو منسوب إلى بِدْعة”. (ذم التأويل ص 38.)

وهكذا ثبت عندنا أنَّ أهلَ البدع حينما يدّعون الإجماع فإنهم يقصدون إجماعهم هم، وليس إجماع أئمة المسلمين.. وبذلك يخدعون أتباهم، ويُدلّسون عليهم، ويحسبون أنفسهم على شيء، وما هم على شيء..

وقال أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الكَرِيْمِ القُشَيْرِيُّ الأَشْعَريّ المتوفى سنة 465 هـ في «لطائف الإشارات»:

قوله {إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} أي: إنما نطعمكم ابتغاء مرضاة الله.

وبذلك نفى صفة الوجه لله تعالى الثابتة بالنص وإجماع الأوائل..

قلتُ: اللهم إنا نسألك لذّة النظر إلى وجهك الكريم..

هذه أقوال من كتب أئمة الأشاعرة، فيها عدم الإيمان بالله الذي فوق عرشه، والاعتقاد بأنّ القرآن ليس كلامه تعالى، ولا يؤمنون بصفاته من اليدين، والأصابع، والوجه، ولا بأنه تعالى يرضى، ويُحب، ويغضب، وغير ذلك من صفاته سبحانه مما ذكرتُها في منشوري السابق…

 (يُتبع بِذِكْر من تاب ورجع من أئمة الأشاعرة إلى عقيدة أهل الحديث.)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى